بريدك الالكتروني


English

 

الثلاثاء 22 ذي القعدة  1427 هـ - 12/12/2006 م

شباب وطلاب » جمهور الدعوة » دعوي
أرسل لصديق
 
روابط من إسلام أون لاين
 

 

في مؤتمرات الشباب.. أين الشباب؟!

نبيل شبيب**

نبيل شبيب

الممارسة الفعلية لأيّ عمل -انطلاقا من ممارسة تبعات المسئولية الفردية تفكيرا وتقريرا وتنفيذا- شرط أساسي للعمل نفسه ولتطويره، وتنطوي الممارسة -وفق حكمة خالق البشر- على احتمال وقوع الخطأ البشري، فمن يشارك في التفكير وصناعة القرار، ومن ثَمَّ يعمل ويخطئ ويكتشف خطأه ويصوّبه، هو الأقدر على صناعة المستقبل ممّن يتردّد في التحرّك أو قد "يُمنع" من التحرّك، بحجّة تجنّب الخطأ.

لهذا كان التشجيع على المبادرة إلى العمل، وعلى مواصلة الطريق مع تجاوز أخطاء محتملة -ما دام تجنّبُها المطلق مستحيلا على كلّ حال- أساسا لا غنى عنه في صلب التربية القويمة، فلا ينبغي أن يسقط في التعامل مع جيل الناشئة والشبيبة، وقد أصبح هو محور الصحوة الإسلامية، وعماد مستقبلها.

تغييب الشبيبة عن قضاياهم

قبل فترة وجيزة انعقد مؤتمر إسلامي كبير يعالج قضايا الشبيبة، وحضره جمع جليل من العلماء والدعاة، لا يُستهان بعطاءاتهم وإنجازاتهم، وأسفر المؤتمر عن حصيلة بالغة القيمة والأهمية، إنّما كان ممّا يلفت النظر عدد من الأمور:

1- المؤتمر منعقد للبحث في شئون الشبيبة وواقعهم وقضاياهم، ولطرح الحلول لمشكلاتهم، وكان الشبيبة غائبين نسبيا أو مُغيّبين، فالمتكلمون جميعا هم من ذلك الجيل الكريم، الأكبر سنا، الذي كان له الفضل -بعد الله تعالى- في ظاهرة انتشار الصحوة الإسلامية.

إنّما يبقى السؤال: أليس الشابّ صاحب المشكلة الآنيّة هو الأوْلى بطرحها، وطرح جوانب المعاناة فيها، والمشاركة -على الأقلّ- في البحث عن حلّ لها؟

أليس هو الطرف الأساسي في الحوار حولها، لا سيّما وأنّ جوهر الحوار يرتبط بتقويم قدراته هو وطاقاته هو للأخذ بما يُطرح من حلول ومسئوليات وواجبات وضوابط؟

2- غياب الشبيبة أحد أسباب الحديث عنهم بصيغة "الغائب"، وبصيغة تقرير "الأحكام" عنهم ولهم، فالشبيبة يواجهون كذا وكذا، ويخطئون في كذا وكذا، ويميلون إلى كذا وكذا، والصواب أن يصنعوا كذا وكذا، ويجب (على سواهم) الأخذ بأيديهم وإرشادهم، وضبط حركتهم وصحوتهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه: كم من الدراسات الحديثة يقول: إنّ أسلوب التوجيه المباشر أضعف جدوى من أسلوب استخلاص الجواب من خلال الحوار، وهو أسلوب يُنسب عند المتخصّصين في التربية إلى سقراط الإغريقي قديما، ونعلم أنّنا نستخرج أفضل الأمثلة التوجيهية عليه من مصدرنا القرآني والنبوي الإسلامي، لا سيّما تلك التي تورد الحكم بعد السؤال، وتطوّره بمنهج التدرّج، والتي تركّز على صيغة "ما بال أقوام" وما شابهها.

3- صحيح أنّه قد سبق المؤتمرَ المقصود انعقادُ مؤتمر آخر قبل عام أو أكثر بحضور حوالي 200 من الشبيبة، ولكن كان في حينه مقتصرا على إفساح المجال ليقول بعضهم ما يريد فحسب، أمّا هذا المؤتمر فهو الذي قيل فيه ما ينبغي عليهم أن "يريدوا" وأن "يقرّروا" وأن "يصنعوا"، والسؤال: علام ينقطع التمسّك بتلك السنّة الحميدة السابقة لمشاركة صاحب الشأن في معالجة قضيّته، بما في ذلك التفكير والتقرير أو طرح التوصيات والإرشادات، ليكون حاضرا فعلا إذا وصل القرار إلى حيّز التنفيذ أو احتاجت التوصيات والإرشادات إلى من يستجيب لها؟

إنّ الخوف من وقوع الناشئة والشبيبة في خطأ إذا انفسح المجال لتحرّكهم بقدر أكبر من الاستقلالية، هو الخطأ الأكبر والأخطر بكثير من الخطأ نفسه، لا سيّما عندما نتصوّر الخطأ بحدّ ذاته "معصية"، وقد يمنع الخوف عن العمل أو عن الدعم للعمل ابتداء، فيصبح الغياب أو التغييب عن ساحات العطاء والإنجاز سببا في تعطيل التحرّك، بدلا من إعطائه دفعة توجيهية قويّة.

إنّ للناشئة والشبيبة مواصفات متميّزة، وطاقات متدفّقة، وأساليب متجدّدة، وهم الأسرع على استيعاب المعطيات الجديدة في عالمنا المعاصر، المتميّز بتسارع خطى التطوّر التقني فيه، وتبدّل وسائله على مراحل أقصر بكثير ممّا كان قبل جيل واحد أو جيلين فقط، وقد يتقنون أو يتقن كثير منهم استخدام القليل المتاح لنا من إمكانات العالم المعاصر ويحسن توظيفها، فإذا دخل بقلبه واحة الإيمان، وامتزج فكره -وإن لم يبلغ بعدُ مستوى علميا متقدّما- بحسّ إسلامي مرهف يميّز بين الحق والباطل، والخير والشرّ، والنافع والضارّ، أمكنه أن يثبّت أقدامه على الطريق، وأن يجد في المراقبة الذاتية والمحاسبة الدائبة والوازع الداخلي والحرص على تعلّم المزيد ضمانات كافية للسير على الطريق، وتصويب الخطأ، وسؤال أهل الذكر -وهو ما جاء في صيغة التوجيه إلى السؤال ليأتي الجواب من بعده فيؤثّر على السائل- وآنذاك لا يتردّد الشاب أو الفتاة في الأخذ بالضوابط إذا عَرَضت مشكلة، أو ظهرت عقبة، وذاك ما كان عليه شأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وما كانوا جميعا علماء فقهاء، ولكن وجد لديهم الاستعداد للانضباط الذاتي، والاستجابة إذا ما ورد الجواب على أسئلتهم، وإن أخطأ مَن أخطأ منهم فلم يكن في ذلك خطر كبير، بل فرصة للبيان وتعلّم المزيد ومواصلة الطريق.

إرث ثقيل ومستقبل مرجو

ليس في هذا -معاذ الله- دعوة إلى تخلّي أهل الذكر عن التوجيه، وأهل العلم عن التعليم، إنّما هي الدعوة إلى إيجاد معطيات أقوم للتعامل بين الأجيال، فلا ريب أنّ في التركيز على عنصر وازع الإيمان، والمشاركة في الحوار، ما يمكن أن ينشر الاعتياد على طرح السؤال وتقبّل الجواب، فالثقة بالنفس أوّل شروط العمل، والتجربة العملية أفضل الطرق إلى الهدف، والتأكيد المتواصل أنّنا في حاجة إلى جيل من الشبيبة، أقدر من أسلافه لبلوغ الغايات الجليلة التي لم تتحقّق حتى الآن، هو المنار للسائرين وسط سلبيات العالم المعاصر وإيجابياته، ومخاطره وميزاته، وانحرافاته ومشاعل الهدي فيه.

إنّ في مقدّمة واجبات جيلنا أن ندعو شبيبة جيل المستقبل، ذكورا وإناثا، مسلمين وغير مسلمين، من مختلف التيّارات والانتماءات، إلى مواصلة طريق القلّة من أعلام الحقبة الماضية، الذين استطاعوا رغم حلكة سوادها الاحتفاظ بمفاتيح النهوض الحقيقي، عقيدة وفكرا وأدبا وقيما، ولم يتمكّنوا من امتلاك أسباب النهوض الأخرى، ولكن كان بفضل جهودهم بعد فضل الله تعالى، أن أوصلوا مشاعل الطريق إلى جيل الصحوة التي نعايشها، وإنّ أهم عناصر مكامن النهوض في هذه الصحوة هو الإنسان في دائرتنا الحضارية الإسلامية، وقد وصلت هذه الصحوة إلى مفترق طرق بالغ الأهمية، تدرك القوى المهيمنة دوليا أبعاده، فتضاعف جهودها ولا تتردّد في تصعيد عدوانها للانحراف بجيل المستقبل عن طريق النهوض، وعلينا أن ندرك تلك الأهمية ونستوعب أبعادها وتبعاتها لمتابعة الطريق دون انحراف.

إنّ الإرث الذي يخلّفه جيلنا المعاصر لجيل المستقبل -ولا يدور الحديث هنا عن العلماء والدعاة والحركيين الإسلاميين تخصيصا- إرث ثقيل، يستدعي الحياء وربما الاعتزال لا التشبّث بما كان عليه جيلنا.

كثير ممّن يصنّفون أنفسهم في مرتبة النخب من هذه الأمّة، استقبلوا الاستقلال عند رحيل جيوش المستعمر الأجنبي وهم في مقتبل أعمارهم، وهاهم يودّعون حياتهم على رؤية عودة تلك الجيوش.

كثير منّا أعلن مرارا امتلاكه مفاتيح النهوض والتقدّم والوحدة والتحرّر بين يديه بما تبنّى من رؤى ومناهج، وليس بين أيدينا من تلك الأهداف الجليلة سوى الانهيار والتخلّف والتمزّق والتبعية والعجز أمام العدوان السافر.

كثير منّا بدأ النضال والكفاح والعمل والجهاد بالدعوة إلى تيّار أو حزب أو جماعة وتأسيس تنظيم أو هيئة أو التحرّك بانقلاب والسيطرة على السلطة، واعتبر طريقه هو الطريق، وسواه على ضلال، والجميع اليوم أمام ركام ما صنع النزاع والصراع، والإقصاء والاستئصال، والخصومة والعداء.

وأشدّ وطأة من هذا الإرث الثقيل على جيل المستقبل، أنّ فريقا كبيرا من أصحاب هذه التيّارات والاتجاهات لا يزال يزعم الاستئثار بالصواب دون أن يبدّل نهجه القديم، ولا يزال يمسك متشبّثا بما وضع عليه يديه من إمكانات وطاقات فيأبى تسليم الزمام لآخرين، عساهم أن يصنعوا غير الذي صنع، ليخرجوا من أتون الكوارث والنكبات التي خلّفها هو، والتي يحمل -مع أسلافه على الطريق ذاتها- أوزارها والمسئولية الأكبر عن وقوعها.

ليست مهمّة النهوض يسيرة، وليست مستحيلة، فلا ينبغي التهوين من شأن أمانة حملها، ولا ينبغي أيضا السقوط في وهدة التيئيس من القدرة الذاتيّة على حملها، والمسئوليّة هنا أمانة وتكليف، ومعرفة ووعي، واستيعاب للواقع وتخطيط، وعمل يجمع الخبرات، وعطاء وقدرة على التعامل مع الآخر.

وإلى جيل المستقبل نتوجّه أن يحمل هذه الأمانة على نحو آخر يوصل إلى أفضل من الذي صنعناه، وأن يعطيها حقّها من الإيمان اليقيني، والفكر المستنير، والعلم المنهجي، والمعرفة الثاقبة، والوعي السديد، والتخطيط المدروس، والعمل الدائب، والجهد المتواصل، والصبر على المغريات والمرهبات، فذاك جميعه من شروط النهوض. وبين يدي جيل المستقبل من الإمكانات والثروات والطاقات الذاتية ما كان مثله بين أيدينا، ولم تتوافر لدينا تلك الشروط بما يكفي للنهوض الحضاري والإنساني الذي كنّا نردّد الحديث عنه في خطبنا وكتاباتنا، ولم تتحوّل لدينا الشعارات إلى أعمال لتتحوّل الأحلام إلى حقائق، فعساها أن تتحقّق على أيدي جيل المستقبل وقد أصبح على الطريق، ووصلت الأمانة إلى شبابه وفتياته.


** كاتب فلسطيني مقيم بألمانيا.


هذا البريد ليس مخصصا لإرسال الاستشارات

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع