|
أثارت
موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي
على اتفاقية التطبيع الدائم
للعلاقات التجارية بين
الولايات المتحدة والصين ردود
أفعال واسعة النطاق في الأوساط
السياسية والاقتصادية
العالمية، ووصف الكثيرون هذه
الاتفاقية بأنها خطوة هامة نحو
دمج الصين في النظام الاقتصادي
العالمي، وبادرة طيبة لمنع
الصراع الاقتصادي بين الصين
والولايات المتحدة الأمريكية،
وقد طرح هذا التطور في العلاقات
الصينية الأمريكية العديد من
الأسئلة أهمها: لماذا وافقت
الولايات المتحدة على هذا
التطبيع الاقتصادي رغم
تحفظاتها السياسية على الصين؟
وماذا بعد هذا التطبيع
الاقتصادي بين الطرفين؟ هذا ما
تحاول هذه السطور الإجابة عليه.
الصين
دولة نامية أم قوة عظمى؟
المراقبون
في العالم يدركون حقيقة أن
الصين دولة عظمى بدأت تنطلق في
العالم بعد فترة طويلة من
التخبط، وأنها سوف تزاحم بل
وتصارع الولايات المتحدة
اقتصاديًّا خلال السنوات
القادمة، ولكن الغريب في الأمر
أن الصينيين أنفسهم لا يعلنون
تلك الحقيقة صراحة، بل يحاولون
تضليل الآخرين، وذلك برفعهم
لشعار "نحن دولة نامية تجتهد
لتعوّض سنوات التخلف التي فرضت
عليها لقرون طويلة".
ويبدو
أن الصين قد تبنّت إستراتيجية
هامة تقوم على عدم استفزاز
الآخرين وخاصة الولايات
المتحدة الأمريكية بهذا التقدم
الاقتصادي المذهل الذي لفت
أنظار العالم أجمع، وبدت الصين
كقوة عظمى تتحرك في عباءة دولة
نامية، في تواضع حضاري وثقة
هائلة بالنفس وبقدرتها الكبيرة
على صياغة مستقبلها الاقتصادي،
وحجز مكان لها بين القوى العظمى
تحت شمس النظام الاقتصادي
العالمي الجديد.
وأمام
الإنجازات الاقتصادية التي
حققتها الصين خلال السنوات
الماضية كان لا يمكن أن ينخدع
أحد بما في ذلك الولايات
المتحدة الأمريكية – بهذا
التواضع الصيني، فكيف تكون
الصين دولة نامية، وهي تحقق
معدلات نمو تراوحت بين 10%، 12%،
بحيث أصبح زيادة معدل النمو
مشكلة في الصين، وتلجأ الحكومة
إلى اتخاذ إجراءات لتقليل سرعة
النمو؛ خوفًا من التضخم
والمخاطرة بالاقتصاد الوطني.
وفي عام 2000 حققت الصين
تريليونًا و78 مليار دولار كناتج
محلي إجمالي بمعدل نمو 8.5%
سنويًّا، وإن هذا المعدل
المرتفع للنمو جاء مدعومًا
بصادرات قوية غزت جميع دول
العالم بما فيها أسواق الولايات
المتحدة الأمريكية؛ حيث نمت
الصادرات بمعدل 10% في عام 2000،
ويتوقع أن تتجاوز هذا المعدل في
عام 2001، وقد حققت الصين فائضًا
تجاريًّا تجاوز 35 مليار دولار
في عام 2000 فقط.
وأمام
هذا التقدم الاقتصادي السريع
للصين كانت الولايات المتحدة
الأمريكية تدرك خطورة هذه القوة
الصاعدة في المجال الاقتصادي،
وهو ما جعل جميع الأوساط
الأمريكية تتحدث عن الصراع
الاقتصادي القادم مع الصين؛
ولذلك بدأت الولايات المتحدة
تضع خططها لإجهاض هذه النهضة
الصينية أو على الأقل احتوائها.
ولأن
المدخل للتغيير والاحتواء في
الفكر الأمريكي هو التأثير على
الثقافة والفكر؛ كانت محاولات
الولايات المتحدة الأمريكية
المتكررة لإثارة المشاكل مع
الصين، بسبب حقوق الإنسان مرة،
وبسبب عمليات الإغراق للأسواق
الأمريكية بالسلع الصينية مرة
أخرى. وفي النهاية أدركت
الولايات المتحدة الأمريكية أن
الصدام مع الصين لن يحقق
أهدافها، وأن أقصر الطرق هو
التطبيع في المجال التجاري، وأن
الخطوة الأولى في هذا المجال هي
إدخال الصين إلى حظيرة منظمة
التجارة العالمية، وذلك بشرط
إدخال بعض التحولات في السياسة
الاقتصادية والفكر الاقتصادي
الصيني.
الصين
بين تهجين الرأسمالية وتعديل
الاشتراكية
في
ظل الضغوط الأمريكية المتواصلة
على الصين لإدخال تعديلات على
سياستها في مجال حقوق الإنسان
وسياساتها التجارية، لم تتخذ
الصين موقفًا جامدًا ترفض فيه
القيام بهذه التعديلات، ولكنها
اتخذت مواقف مرنة وقامت بالعديد
من التحولات والتغييرات
الاقتصادية، ولكن هذه التحولات
كانت وفق الفكر الصيني الذي لم
يرتمِ في أحضان الرأسمالية
الأمريكية المتوحشة ولم يظل
متشبثًا بالاشتراكية، وانطلقت
الصين في ذلك من المثل القائل:
"لا يهم لون القطة ما دامت
تأكل الفئران"، وانطلاقًا
أيضًا من أن كلاًّ من
الرأسمالية والاشتراكية ليست
عقيدة، ولكنها صيغة قابلة
للتطوير وتتشكل وفقًا للمجتمع
الذي تطبق فيه ووفقًا لظروف هذا
المجتمع.
وقد
كان هذا الفكر الصيني المبتكر
واضحًا في ملامح التحولات
الاقتصادية التي تمت في الصين
خلال السنوات القليلة الماضية،
ومن أهم هذه الملامح ما يلي:
-
اختارت الصين أسلوب التنمية
متعددة السرعات، وذلك بهدف دفع
وتكثيف جهود التنمية واختصار
الوقت، فقررت أن تكون الأقاليم
الشرقية والجنوبية هي ميدان
تجاربها الانفتاحية في المجال
الاقتصادي، ثم تنتقل هذه
التجربة في حالة نجاحها إلى
أربع مقاطعات أخرى، ثم إلى 7
مقاطعات، ثم 10 مقاطعات، ثم تعمم
التجربة في حالة نجاحها، وهو ما
يعني اتباع الصين لأسلوب التدرج
في الانفتاح وعدم الاندفاع وراء
الدعاوى الأمريكية التي تروج
للانفتاح.
-
لم تعرض الصين مصانعها وشركاتها
القائمة للبيع حتى الخاسرة
منها، ولكنها فتحت الطريق أمام
قيام مشروعات جديدة تحتاج إليها
بالفعل للاستثمار الأجنبي،
وذلك وفق خطط مدروسة في الأجل
الطويل والقصير، ولم تفتح الصين
الباب على مصراعيه لرأس المال
الأجنبي كما ترغب الولايات
المتحدة.
-
قيام
الصين بإبعاد بعض
المجالات عن رأس المال
الأجنبي تمامًا، وخاصة
تلك التي تتصل بالغذاء
والصحة والتعليم، وذلك
انطلاقًا من أن رعاية عقل
المواطن الصيني وتغذية
جسده هي مسئولية أولى لكل
الصينيين، ولا يسمح لأي
أجنبي بالتدخل في هذا
المجال؛ وبذلك نجحت الصين
في تفويت الفرصة على
الولايات المتحدة لتتدخل
في مجال التعليم والغذاء،
وتؤثر على ثقافة وطريقة
تفكير المواطن الصيني.
-
الإبقاء
على أهم السياسات
التجارية التي تقيد
الواردات في حالة تعرض
قطاعات الإنتاج الوطني
لأضرار بسبب هذه
الواردات، وطبقت هذه
السياسات على الولايات
المتحدة نفسها، رغم أن
الصين تصدر ما تشاء إلى
الأسواق الأمريكية.
-
وبذلك
نجد أن الصين في تجاوبها
مع مطالب الولايات
المتحدة بالاتجاه نحو
الانفتاح والتغيير جاء
متوافقًا مع المصالح
الصينية، ولم ترقص
اقتصاديًّا على الأنغام
الأمريكية رغم الكثير من
الضغوط والإغراءات، وكان
ذلك من خلال قيام الصين
بتهجين الرأسمالية وتعديل
الاشتراكية لتوافق ظروفها.
انتصار
التجارة على السياسة
يقول
هنري كيسنجر وزير الخارجية
الأمريكي الأسبق: "إن
العلاقات الأمريكية مع
الصين لم تفرضها الحاجة إلى
تعميق الخلاف بين الصين
والاتحاد السوفييتي
السابق، ولكن يفرضها
الحاجة الاقتصادية
للولايات المتحدة في
الأسواق الصينية التي
تعتبر أكبر سوق موحّد في
العالم.
وعلى
مرّ السنوات فرضت هذه
الحاجة الاقتصادية إلى
الصين من جانب الولايات
المتحدة نفسها على السياسة
الأمريكية تجاه الصين، وتم
مراعاتها من جانب جميع
الرؤساء الأمريكيين رغم
اختلاف انتماءاتهم الحزبية
والسياسية؛ ولذلك كانت
الولايات المتحدة تقوم
بتجديد قرار إعطاء الصين حق
الدولة الأولى بالرعاية كل
عام، رغم كثرة الاعتراضات
على هذا الوضع، والمطالبة
بمعاملة الصين بالمثل من
جانب الولايات المتحدة
الأمريكية، خاصة في المجال
التجاري.
وبعد
أن اختارت الولايات
المتحدة طريق تطبيع
علاقاتها التجارية مع
الصين قررت منح الصين وضع
الدولة الأولى بالرعاية
تجاريًّا بصورة دائمة، أي
لن يتم تجديد ذلك سنويًّا
بعد أن أدركت الولايات
المتحدة أن إلغاء هذا الوضع
لسبب أو لآخر لن يكون
عقابًا اقتصاديًّا للصين
بقدر ما هو إلحاق بالضرر
البالغ بالمصالح
الاقتصادية الأمريكية في
الأسواق الصينية، وتخوفها
من قيام الصين باتخاذ
إجراءات اقتصادية مضادة؛
ردًّا على القرار الأمريكي
بعدم منحها وضع الدولة
الأولى بالرعاية تجاريًّا،
وكذلك لعلمها التام
بمراهنة اليابان والاتحاد
الأوروبي على الأسواق
الصينية، وأنها أبرمت
اتفاقيات تجارية مع الصين
مؤخرًا لمنافسة السلع
الأمريكية في أسواق الصين.
وبِغَضّ
النظر عن مبررات القرار
الأمريكي النابعة من داخل
الولايات المتحدة نفسها،
فإن أهم هذه المبررات هو
وضع الصين الاقتصادي، حيث
إن التطور الاقتصادي
الصيني المذهل قد أضاف
ثقلاً كبيرًا لوضع الصين
كدولة لها حق الفيتو في
مجلس الأمن، ولها وضع
الريادة والقيادة في
العالم والمنطقة الآسيوية.
ومن
هنا كانت الولايات المتحدة
الأمريكية مضطرة إلى إرضاء
واحتواء التنين الصيني
الذي خرج من القمقم راكبًا
حصان الاقتصاد، وذلك حتى لا
تتأثر مصالحها الاقتصادية،
وأن الأمريكان يدركون أن
الصين هي الطريق الطبيعي
لإقامة علاقات اقتصادية
قوية مع الدول الآسيوية
الصاعدة وخاصة كوريا
وفيتنام، وبعد نجاح الصين
في تغليب الاقتصاد
والتجارة على السياسة
تحققت المقولة الصينية
الشهيرة: "الاقتصاد هو
الذي يشكل السياسة ويرسم
اتجاهاتها".
ماذا
بعد اتفاقية التطبيع
التجاري؟
تعتبر
أول النتائج المباشرة
لقرار الولايات المتحدة
الأمريكية بإعطاء الصين
وضع الدولة الأولى
بالرعاية تجاريًّا بصفة
دائمة، هو بداية إجراءات
انضمام الصين إلى منظمة
التجارة العالمية؛ حيث
أقرت الاتفاقية الأمريكية
إسقاط اعتراض الولايات
المتحدة الأمريكية على
انضمام الصين إلى منظمة
التجارة الدولية، وهو ما
يعني تبني الصين لسياسات
تحرير التجارية السلعية
والخدمية مع دول العالم،
إلى جانب ذلك فإن هناك
مصالح سوف تتحقق لكلا
الطرفين بعد التوقيع على
هذه الاتفاقية، وهي:
مصالح
الولايات المتحدة: وتتمثل
في:
-
تحقق
انفتاح أوسع أمام السلع
الأمريكية في الأسواق
الصينية، وخاصة السلع
الزراعية الصناعية، خاصة
أن السوق الصيني يضم 1.3
مليار مستهلك.
-
فتح
مجالات أوسع للاستثمار
أمام الشركات الأمريكية
في الأسواق الصينية،
وخاصة في مجالات
الاتصالات والبنوك
والتأمين، وخاصة من خلال
المشروعات المشتركة.
-
ضمان
عدم المواجهة الاقتصادية
مع الصين في الأجل القصير،
ومحاولة تحقيق توافق بين
مصالح كلا الطرفين.
-
تحقيق
مكاسب للصادرات الأمريكية
مع الصادرات الأوروبية
واليابانية في الأسواق
الصينية.
ومصالح
الصين تتمثل في الآتي:
-
نجاح
الصين في تأكيد عدم
موافقتها على أي شروط تفرض
عليها في المجال
الاقتصادي والسياسي.
-
تأكيد
الصين على أن أي تغييرات
سوف تطلب منها في إطار
انضمامها إلى منظمة
التجارة العالمية، ستكون
تغييرات وفق المصالح
الصينية وليست على هوى
الفكر الاقتصادي الأمريكي
الانفتاحي غير المنضبط
الذي يتعارض مع المصالح
الاقتصادية للصين.
-
نجاح
الصين في كسب تأكيد
الولايات المتحدة لمبدأ
"صين واحدة"، الأمر
الذي يعني أن تايوان جزء
لا يتجزأ من الاقتصاد
الصيني، وهو ما يعزز
القدرة الاقتصادية
الصينية.
-
نجاح
الصين في جعل السوق
الأمريكي أهم أسواقها
الخارجية، وأنها سوف تزيد
تراكم فائضها التجاري مع
الولايات المتحدة
الأمريكية، والذي بلغ حتى
عام 2000 حوالي 68 مليار
دولار.
-
ضمان
أسواق واسعة للسلع
الصينية في الولايات
المتحدة الأمريكية، دون
تجديد التهديد بمعاقبة
الصين اقتصاديًّا، كما
كان في السنوات السابقة
بسبب حقوق الإنسان.
دروس
مستفادة للعرب والدول
النامية
إن
تجربة الصين مع الولايات
المتحدة الأمريكية تعتبر
تجربة غنية بالكثير من
الدروس للدول العربية
ولجميع الدول النامية،
وخاصة التي لها صراع
اقتصادي أو سياسي أو ثقافي
مع الولايات المتحدة
الأمريكية أو مع الفكر
الرأسمالي الحر الذي
تتزعمه الولايات المتحدة،
ومن أهم هذه الدروس:
-
أن
التركيز على الاقتصاد
وبناء القوة الاقتصادية
هو أهم الطرق إلى إثبات
الذات وحسم معارك الصراع
السياسي والاقتصادي في
الوقت الراهن، وهو ما يعني
أن العرب لن يواجهوا
إسرائيل وأمريكا
بالشعارات وإنما بالقوة
الاقتصادية الحقيقية،
التي تكمن في وحدتهم وبناء
الكيان الاقتصادي الخاص
بهم.
-
أن
إحاطة بناء القوة
الاقتصادية بالكتمان وعدم
التهليل لها أو توعد
الآخرين أثناء البناء
الاقتصادي أو العسكري،
يحقق نجاح هذا البناء
ويساعد على اكتماله،
ويجنب الدولة أي محاولة
لإجهاض هذا البناء قبل أن
يتم، وهو ما يعني أن العرب
يجب عليهم ألا يلوِّحوا
باستخدام أسلحتهم
الاقتصادية أو العسكرية
قبل اكتمال تكوينها، حتى
لا يتم وأدها في مهدها كما
حدث في حالة القوة
العسكرية العراقية.
-
أن
الاندماج في الاقتصاد
العالمي لا يعني التنازل
عن الخصوصية العربية
والإسلامية، ولكن يجب
تطويع فكر العولمة والفكر
الرأسمالي بما يتوافق مع
المصالح العربية
والإسلامية.
-
أن
المجالات الاقتصادية التي
تتصل بعقل وتغذية وصحة
المواطن العربي والمسلم
يجب أن تكون عربية
وإسلامية خالصة، ولا يجب
أن يكون لأجنبي سلطان
عليها؛ لأنها هي المدخل
إلى السيطرة والتغيير.
-
أن
الانفتاح الاقتصادي غير
المدروس وأن الخصخصة
وغيرها من دعاوى العولمة
ليست عقيدة ولا ترقى إلى
مستوى العقيدة، وإنما كل
صيغ يمكن تعديلها
وتطويعها حسب ظروف كل
مجتمع وبما يحقق مصالحه.
هذه
بعض الدروس مع تجربة علاقات
الصين مع الولايات المتحدة
الأمريكية، وهناك غيرها
الكثير؛ فهل يعي العرب درسًا
واحدًا منها؟
|