بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

مرتبات المصريين.. كفاية فوضى

2005/06/19

د.حازم الببلاوي**

مطلوب إصلاح عاجل لفوضى المرتبات في مصر

الموظف العام في مصر هو عنصر الاستقرار الأساسي في الحياة الاجتماعية بكل مظاهرها سياسية‏، واقتصادية‏، وثقافية‏..‏. إلخ؛‏ فهو أولا عماد السلطة‏، وللسلطة في مصر تاريخ طويل‏، ومعها ربما نشأت أول بيروقراطية مركزية في العالم منذ عصر الفراعنة‏.‏

ولذلك فإن انضباط السلطة وانصلاح حال الموظفين هو انضباط لأهم معالم الحياة الاجتماعية في مصر‏.‏ والموظفون فوق ذلك هم عصب الطبقة الوسطى‏، وهم بذلك واسطة العقد ومربط القيم والأخلاق‏.‏ فإذا اختلت أحوال هؤلاء الموظفين اهتزت أوضاع أهم عناصر الطبقة الوسطى، ومن ورائها سائر شرائح المجتمع‏.

 وقد كانت الوظيفة العامة هي أهم مظهر للحراك الاجتماعي بمشاركة المتعلمين في الحياة العامة، وفتح فرص الترقي والتقدم لهم‏، وكانت بذلك المجال الأساسي الذي أتاح للعلم والمتعلمين أن يؤثروا في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في مصر على مر العصور، وخاصة في مصر الحديثة منذ محمد علي‏.

‏ ويتجاوز عدد الموظفين في مصر أعدادهم في معظم دول العالم‏، سواء بالنسبة للدول المماثلة في عدد السكان أو الدول التي تقترب من المستوى الاقتصادي لها؛ فمصر هي -إلى حد بعيد- دولة الموظفين‏.‏ وربما يجاوز عدد الموظفين العاملين في الحكومة والقطاع العام أكثر من ستة ملايين فرد‏.‏

ومن هنا فإن الاهتمام بأوضاعهم الحياتية أمر واجب‏، وهو -ولا شك- أحد أهم مجالات الإصلاح بمختلف أشكاله‏، ومن هنا تأتي أهمية تحسين الأوضاع المعيشية لهم‏.‏ وجاء قانون منح العاملين علاوة شهرية خاصة بنسبة ‏20%‏ من الأجر الأساسي خطوة على الطريق‏.‏
وليس في نيتي أن أتناول هنا هذا التعديل في ذاته بالمناقشة ومدى فاعليته في تحسين الأوضاع المعيشية للعاملين بالحكومة في ضوء مستوى التضخم السائد ‏(12%‏ وفقا للرقم القياسي لأسعار السلع الاستهلاكية‏، أو‏17%‏ وفقا للرقم القياسي لأسعار الجملة‏، وذلك وفقا للبيانات التي تنشرها مصر على موقع صندوق النقد الدولي‏)‏، هذه ليست القضية الرئيسية؛ بل هناك قضية أخرى‏، ربما تكون أكثر أهمية وخطورة وآن الأوان لمواجهتها؛ وهي قضية الفوضى والعشوائية في نظم الأجور للعاملين في الحكومة والقطاع العام‏.‏

المرتب الأساسي.. أقل شيء!

يشير القانون المشار إليه في صدد العلاوة إلى المرتب الأساسي؛ فهل ما زال لهذا المرتب الأساسي أي معني بعد أن فقد نظام الأجور في مصر دلالته ليصبح دخل العامل أو الموظف خليطا غير معروف المعالم من مرتب أساسي‏، وعلاوات‏، وبدلات‏، ومكافآت‏، وحوافز‏، وأسماء أخرى ما أنزل الله بها من سلطان؟‏.

لقد انتهى العهد الذي كان فيه جدول المرتبات والمرتب الأساسي هو المعول عليه في دخل العامل أو الموظف‏.‏ وبدأ الخروج عن هذا التقليد -على حياء- منذ الحرب العالمية الثانية، عندما أدخلت على دخل الموظف علاوة الغلاء، ثم العلاوات الاجتماعية، ولكن الأمر استشرى في السنوات الأخيرة حتى تضاءل عنصر المرتب الأساسي ليصبح العنصر الأقل أهمية في دخل العامل أو الموظف.

 ولم يقتصر الأمر على هذه المسميات الجديدة والمتنوعة التي يحصل عليها العامل أو الموظف؛ فهذا بدل انتقال، وذلك مكافأة حضور لجان‏، وثالث حوافز؛ بل ظهرت مفاهيم غريبة على معنى دولة القانون؛ فهناك ما يسمى بالصناديق الخاصة، وشيء أكثر غرابة اسمه المظاريف‏.‏
أما مفهوم الصناديق الخاصة فهو خروج عن المبادئ الدستورية المستقرة في المالية العامة؛ فالدولة بأجهزتها المختلفة المركزية والمحلية هي التي يحق لها أن تفرض -جبرا- الضرائب والرسوم والأعباء العامة على الأفراد والمؤسسات‏، وينبغي أن تورد حصيلة هذه الأعباء إلى الميزانية مباشرة دون تخصص لغرض خاص أو إنفاق معين‏.‏ وبعد ذلك تصدر جميع النفقات من حصيلة الموازنة‏.‏
وتخرج فكرة الصناديق الخاصة عن هذا الأصل بأن تقتطع حق الدولة في فرض الأعباء العامة، وتحصيل الإيرادات لمصلحة صندوق خاص في وزارة أو مصلحة حكومية‏، وتستخدم حصيلة هذا الصندوق بعيدا عن الموازنة لمنافع العاملين في هذه الوزارة أو تلك المصلحة‏.

 وهكذا يتمتع الموظف أو العامل في تلك الوزارات والمصالح بمزايا مادية قد تكون مكافآت مادية أو مزايا للإسكان أو المصايف أو نظما خاصة للمعاشات ومكافآت نهاية الخدمة، وكل هذا بعيدا عن الموازنة العامة‏.‏

مظاريف لزيادة المرتب!!

أما موضوع المظاريف فهو أمر نشأ في الواقع، وليس له أي سند من القانون -فيما أعلم- فقد أدى انخفاض مرتبات كبار المسئولين إلى درجة مزرية إلى معالجة هذا الأمر ليس بتعديل القانون وزيادة المرتبات‏، وإنما تم العلاج بطريقة "بلدي" بإعطاء المسئول من حين لآخر مظروفا يتضمن مبلغا متغيرا من النقود وعلى فترات غير منتظمة‏.‏

وهكذا نجد أن الدولة قد لجأت في مواجهة مشكلة حقيقية (نقص مرتبات المسئولين‏)‏ إلى الأخذ بحل عشوائي لكل حالة على حدة؛ مما أوجد تشوهات خطيرة في نظام الأجور في مصر‏.‏
وإذا كانت الأجور -خاصة ما يسمى بالمرتب الأساسي- قد أصبحت هزيلة ولا تشبع من جوع؛ لذلك يجب توفير علاج لهذه المشكلة‏.‏

ولكن بدلا من أن تعيد الدولة النظر في مستويات الأجور والمرتبات الأساسية فإنها لجأت إلى هذه الحلول الالتفافية بإضافة عناصر جديدة إلى المرتب الأساسي من علاوات وحوافز وبدلات ومكافآت وصناديق خاصة ومظاريف وغير ذلك‏.‏ وقد ترتب على هذا الوضع العشوائي إخلال كبير بمبادئ العدالة والكفاءة والمساءلة‏.‏

عدم عدالة المرتبات

أما الإخلال بالعدالة فيرجع إلى التفاوت بين أقل الدخول للعاملين في الدولة وأعلى الدخول بينهم من ناحية‏، فضلا عن التمييز بين العاملين على نفس الدرجة وفقا لوجودهم في وزارة أو مصلحة دون أخرى‏، أو حتى داخل نفس الوزارة أو المصلحة وفقا للمكان الذي يشغله من ناحية أخرى‏.‏

وبالنسبة للتفاوت بين أقل الدخول وأعلاها فلا شك أن كل دول العالم تعرف تفاوتا في مستوى الدخول‏.‏ ولكن عندما يتعلق الأمر بعائد العمل -وليس الثروة- خاصة عندما يكون رب العمل هو الدولة؛ فإن هذا التفاوت يجب أن يكون معقولا‏.‏

وإذا نظرنا إلى مصر نجد أن الحكومة توظف بعض العاملين بمائة وخمسين جنيها في الشهر (الدولار= 5.80 جنيهات)، كما حدث بالنسبة لتعيين الخريجين منذ سنتين‏، في الوقت الذي تنشر فيه الجرائد أن دخول بعض كبار العاملين في الدولة من مرتبات ومكافآت وغيره تجاوز مئات الألوف من الجنيهات شهريا‏، وينشر ذلك عادة بمناسبة تقديم أحد كبار المسئولين للمحاكمة في قضايا الانحراف؛، حيث يتبين أن هذا المسئول أو ذاك كان يحصل على مكافآت وبدلات ومزايا تجاوز المائة ألف جنيه شهريا‏.‏

 وبطبيعة الأحوال فإن مثل هذه الأخبار المنشورة تساعد على انتشار الشائعات التي لا يخلو بعضها من مبالغة؛ حيث يتحدث البعض عن أرقام أعلى من ذلك بكثير؛ فهل من الممكن تبرير هذا التفاوت فيما تدفعه الحكومة لعمالها على أساس الكفاءة؟! أمر لا يصدقه الكثيرون‏.‏

تفاوت داخل المهنة

ولا يقتصر التفاوت على أعلى الدخول وأدناها؛ بل إن أبناء المهنة الواحدة والذين يشغلون نفس الدرجة الوظيفية يمكن أن يحصلوا على دخول متمايزة بشكل كبير؛ لأن أحدهم يعمل في موقع داخل نفس الوزارة أو المصلحة‏، ويعطيه الحق في التمتع بمزايا لا يعرفها غيره من زملائه‏.‏

وبذلك يوفر النظام العشوائي الحالي للمرتبات مزايا هائلة للأقلية المحظوظة، في حين تعيش الأغلبية من المحيطين في بؤس شديد‏، هذا عن العدالة‏.‏
أما الإخلال بالكفاءة فهو يرتبط بما تقدم؛ فما دام التفاوت يصل أحيانا إلى أكثر من ألف ضعف فلا يمكن أن يكون ذلك راجعا إلى اختلاف في الكفاءة أو الإنتاجية، ولا بد أن يكون وراءه اعتبارات شخصية‏.‏

فلم يوجد بعد من تصل إنتاجيته -مهما بلغت عبقريته- أكثر من ألف مرة من غيره من الموظفين‏!‏ وبذلك فمع هذا التفاوت الكبير في المرتبات لا يمكن أن يكون الأجر مقابل الإنتاجية، وإنما هو نتيجة للعلاقات الشخصية، وهو ما يقضي على أهم أسس الكفاءة‏.‏

 وكذلك فقد أدى التوسع في منح البدلات والمكافآت إلى ربطها بصميم العمل العادي للموظف‏، وبحيث أصبح المرتب الأساسي أشبه بالحق المكتسب، وبحيث لا يقوم الموظف بأي عمل من أعمال وظيفته إلا مقابل مكافأة خاصة؛ فموظفٌ وظيفته الأساسية حضور لجان يحصل على مكافأة لكل جلسة لهذه اللجان..‏ فلماذا المرتب إذن؟.

وعندما كنت أستاذا في الجامعة كانت هناك مكافأة لتصحيح الأوراق‏، ومكافأة لحضور الامتحانات بل ومكافأة لبعض حصص التدريس‏، كما لو كانت وظيفة الأستاذ الجامعي لا تتطلب الإشراف على الامتحانات أو تصحيح الأوراق أو حتى التدريس‏، وأذكر هذا المثال لأنني أعرفه شخصيا‏، وإن كنت أعتقد أن أساتذة الجامعات يستحقون كل تقدير مادي على جهودهم‏، ولكن عن طريق زيادة مرتباتهم وليس المكافآت التي تمنح مقابل القيام بأعباء الوظيفة‏.‏

لا رقابة

وأخيرا فإنه من حيث المساءلة نجد أن كل ما يدفع من خارج الموازنة -مثل حالات الصناديق الخاصة أو الظروفات النقدية- فإنها لا تخضع للقواعد الرقابية المعروفة‏.‏ وفضلا عن ذلك فإن العديد من المزايا التي يمكن أن يتمتع بها الموظف أو العامل من خارج بند المرتب الأساسي يتوقف في معظم الأحوال على رضاء الرؤساء؛ فنقل موظف من مكان إلى آخر قد يعني زيادة دخله عدة أضعاف، أو على العكس تخفيضه لعدة أضعاف‏، ولا يستطيع الموظف أن يفعل شيئا سوى الإذعان والخنوع لرئيسه الذي يملك عليه مقدرات حياته‏.‏

فنحن بصدد موظف بلا حقوق‏، ورئيس له بلا مسئولية أو مساءلة‏.‏ وهو أخطر ما يعرض مفهوم العدالة والكفاءة للاهتزاز‏.‏ وليس معنى ما تقدم أن مرتبات الموظفين الأساسية كافية‏، أو أن العناصر الأخرى للمرتب غير ضرورية‏، ولكن المقصود هو أن هناك حاجة إلى مراجعة عامة لنظام المرتبات؛، بحيث يصبح المرتب الأساسي اسما على مسمى باعتباره العنصر الرئيسي في دخل الموظف، وبحيث يستحقه بحكم القانون‏، ولا تصبح العناصر الأخرى الإضافية هي الأصل والمرتب الأساسي مجرد ذيل‏.‏

وإذا كان من الممكن أن تعطى حوافز للأعمال الاستثنائية أو الإضافية فينبغي ألا يطغى ذلك على المرتب الأساسي؛ ولذلك فمن الطبيعي ألا تزيد هذه المكافآت أو الحوافز عن نسبة محدودة من هذا المرتب‏.‏ فالعامل أو الموظف يحصل على مرتبه مقابل هذا العمل‏.‏

وأخيرا ينبغي أن تكون هناك درجة من العدالة؛ بحيث لا يصبح التفاوت في الأجور التي تدفعها الحكومة لعمالها وموظفيها صارخا‏، وهي قضية ليست سهلة ولكن لزم التنويه‏.‏

الإصلاح الحقيقي يتطلب مراجعة عامة لنظم المرتبات والأجور وشفافية كاملة‏.‏

والله أعلم‏.

اقرأ أيضًا:


** مفكر اقتصادي مصري، والمقال نقلا عن صحيفة الأهرام بتصرف يسير، 19-6-2005، وعنوانه الأصلي "مرتبات الموظفين".

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع