بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

عندما يصبح للجوع صوت (خواطر)

2006/03/14

مصباح قطب**

فقراء ينتظرون أملا

وما "الفقر" إلا ما علمتم وذقتم، وما هو عنه بالحديث المرجم. لماذا ننحاز في كتاباتنا عن الفقر إلى تقارير التنمية البشرية والبنك الدولي والأونكتاد وغيرها، ونهمل تجربتنا الحية معه؟.

هل نفعلها لنهرب من خلال التجريد (المؤشرات – خط الفقر – توقعات العمر عند الميلاد – معدلات وفيات الرضع أو الأمهات الحوامل... إلخ) من جروحنا ومسئوليتنا المباشرة؟.

حين جئنا إلى القاهرة جوعى للكهارب (كهرباء) والأسفلت والشهرة والحسين بن علي والسكن المنفرد، لم نكن نرضى بأقل من تغيير العالم. كانت عبارة الروائي مكسيم جوركي "جئت إلى هذا العالم لأعترض" دستورنا.

قلنا كثيرا على المقاهي البائسة: إننا نتمنى أن يكون الفقر رجلا لنقتله، وسخرنا من سخف كاتب آخر كرر كثيرا العبارة ذاتها مضيفا إليها: ".. ولكنه للأسف رجل وامرأة".

شيئا فشيئا سحبتنا نداهة العاصمة، وجرجرت أقدامنا وعقولنا وانحيازاتنا غوايات العمل بالقطعة في المكاتب العربية والوكالات، ولاحقا الفضائيات والمواقع، وكذا صخب الاحتفالات الفنية والثقافية والدعوات المجانية إلى الولائم المترعة.

صرنا مشدودين بين حصاني الحداثة والجذور، ولا من معين. حاولنا ترطيب ضمائرنا ببعض أعمال الخير التي كنا وما زلنا أول من يعرف أنها لا يمكن أبدًا أن تخمد رائحة حريق (شياط) الفقر التي نشمها في قرانا ومراكزنا في مصر.

كنا نرفض تجزئة النظرة إلى الفقر، فأصبحنا نهرب من الفقر ومن الأيديلوجيا التي حرضتنا على رفضه الكلي. الذين بكوا منا في ظلام قاعات السينما وهم يرون ويسمعون صيحات "زاباتا" و"سبارتاكوس" عن العدل والحرية، ما حال آذانهم الآن؟.

قليلون جدا هم الذين استقروا في جيلنا على المعادلة الذهبية التي تجمع العمل اليومي المباشر ضد جريمة الفقر وهوانه، وبين الإمساك برؤية صافية وقوية تحمل معها بشارة أشمل.

لن ينتظر الجائع الآن أية ثورة أيا كانت أيدلوجيتها، حتى تهجع عصافير بطنه، ولا يمكن لأي عمل اجتماعي وخيري، فردى أو مؤسسي، أن يوجد حلا محترما لمشكلة الفقر. ورغم كل وجاهة هذه الرؤية الإنسانية، فإن لسعة الفقر عند الأهل والمعارف والجيران والعابرين أوجع بكثير –في نظري على الأقل– من صور الهياكل العظمية الحية والبائسة في أحزمة الفقر الأفريقية أو غيرها.

في النهاية، وباستثناء ندرة من الناس في الكوكب كله، فإن البعيد عن العين.. بعيد عن القلب قبل أهداف الألفية لمكافحة الفقر، (بغض البصر عن الخلاف معها).

إذن علينا أن نحدد أهدافنا في عصر صراع الصور الذي يلعب به وولفوفيتز رئيس البنك الدولي مثلما يلعب قبضايات الرأسمال بالكوكب. علينا أيضًا أن نطرح صورنا نحن التي نشاهدها في حياتنا اليومية بأم أعيننا؛ لنحدد هدفنا وطموحنا إلى صورة بديلة لمشاهد الفقر.

مشاهد life

قرية في المنيا كقرى الصعيد، زارتها إحدى الصحفيات مع منظمة مجتمع مدني، فعادت لتكتب عنها: الفقر فيها كائن حي، والجوع له صوت، وقلة الحيلة غمامة سوداء تنشع من الجدران...، وقد لاحظت أنها قرية ليس في بيوتها أفران، ولا تُشم في شوارعها رائحة الخبز أو طواجن الأرز، لا تسرح في شوارعها دجاجات أو بطات؛ حيث تعجز الأسر عن توفير طعام لتلك الكائنات. قرية بلا "محلات أدب" (حمَّامات) ولا رجال؛ حيث يخرج رجالها مع أذان الفجر، ليسلموا أنفسهم إلى ريس الأنفار، ويعودوا عند المساء أكواما من اللحم المهدود.

إذن يمكنني أن أقول الآن إن الفقر الذي يكسر النفس والقلب، هو ما يروع ذاكرتنا بشكل خاص، ويطارد أولئك الذين يريدون الهرب، أو ينساقون مع الهروب من أصلهم وبيئتهم، الفقر الذي منه مشاهد نراها في حياتنا:

- تلميذ صغير في عزبة الهجانة يستعطف سائق الميكروباص الحكومي أو الخاص بـ"والنبي يا عم" ليركب معه إلى بيته مجانا.

- صبي يعمل في صيدلية لتوصيل الطلبات إلى المنازل "ديلفري" من التاسعة صباحا حتى الواحدة ليلا.

- أناس غيَّض الحرمان تعففهم فراحوا -ومنهم عساكر مرور وأمن مركزي وكناسين وسعاة- يتسولون من المارة وراكبي السيارات عبر: كل سنة وأنت طيب يا باشا.

- رجل له سبعة من البنين والبنات، يسكن في هوامش طنطا، قتل ابنته (تسع سنوات) ضربا، حين احتجت على عشاء يتكرر منذ سنوات هو ماء فول وخبز ناشف، ودفنها ليلا في أرض خلاء بمساعدة أجبر عليها ابنه المرعوب (12 سنة).

- ساعٍ استخرج من صندوق قمامة (زبالة) موظفة مستورة بقايا بقدونس تحمل رائحة كبدة مشوية، وراح يغمسها بفتافيت خبز حملها في كيس معه.

- فقراء أذل خيالهم العوز، فعجزوا طوال السنوات عن تغيير وسائلهم المعروفة للتسول، ومنها صورة (كوبي) من كشف طبي، وطوق حول الزور يخرج منه أنبوب، وكيس بول معلق بدلاية إلى وسط الجسد... إلخ. (أعرف أنهم محترفون يسرحون لحساب معلمين) في حي المنيل.

لقد كونتْ هذه المشاهدُ وهؤلاء الناس قشرة خارجية صلبة في مصر، وتراكمت مع مرور الأيام دون إحساس مجتمعي بها.

حين وقعت حادثة الأزهر في عام 2005 التي كان بطلها طالب هندسة من عزبة عثمان، إحدى أشد مناطق الفقر شمال القاهرة، اكتشفت أن في العزبة أناسا جل همهم في الحياة أن يجربوا النوم على الرصيف، ورأيت صبيا منهم اعتاد أن يزوغ من أهله كل فترة لينام على الأرصفة في الإسكندرية، وفي الجراجات (المرآب).

وتبين لي أنه يفعل ذلك لأن عرض الحارة أو الزقاق نفسه أقل مما يلزم لعمل أرصفة، وأن هذه الخنقة هي التي تولد مثل ذلك الميل إلى النوم في فضاء (مرآب) السيارات، واستخدام ألواح الكرتون كأغطية.

لسعة الحرمان المعرفي

إن هذه المشاهد لم تعد وحدها هي صور الحرمان بالمجتمع؛ بل إن هناك أبعادا جديدة للحرمان لم نكن نعرفها أو نتصورها، فبعض الأولاد يهددون أهليهم، ويبدون الاستعداد للعيش بنصف طعام، ونصف ملابس من أجل شراء موبايل "ستة ستمية" وما أشبه، يقولون لنا ببساطة: إن لسعة الحرمان المعرفي أصبحت بطعم الموت حرقا أو غرقا، في قطار فقير أو عبارة متآكلة.

ثمة حنين مروع لدى المهمشين في مصر إلى العلم والمعرفة والتكنولوجيا، وقد تكون هناك علاقة بين هذا الواقع -الحنين- وبين ظهور ابتكارات عجيبة لتقليل كلفة اقتناء التكنولوجيا، مثل: "حرامي الدش" أو أجهزة فك (ضرب) شفرات خدمات وأجهزة يعز على الفقراء الحصول عليها أصلية.

قس على ما تقدم أشكال الحرمان الشبيهة وأخواتها مثل: الحق في ركوب طائرة، والحق في البحر وفي النيل، وفي معسكر لأيام بصحراء سيوة، والحق في سماع نداء مرشد الرحلة من ميكروفون بأتوبيس للسادة الركاب خلال رحلة ليلية طويلة بأننا على وشك الوصول إلى الكامب.

أقصد أن من حق الفقراء أن يرتكبوا معصية الانخراط في الحداثة أولا، وبعد ذلك نعمل لنخرج منها معا بقواعد للخلاص الروحي والاقتصادي والسياسي والثقافي؛ حتى لا تكون أداة تعاملهم الوحيدة معها (أي مع الحداثة) هي القنبلة أو الحزام الناسف.

علينا أن نحترم بقدر ما نسعى للتوعية والترشيد التطلعات الصغيرة، ولو إلى "فانلة مارادونا" تقليد (رقم 10)؛ ليثق المعوزون في أننا ننشد السعادة المشتركة لنا ولهم.

السقوط الاجتماعي

الحرمان بشكله الجديد يشدنا إلى قانون التهميش الجغرافي الذي يشهد تحولا في اللحظة الراهنة بمصر، فمن حلقات نزول اجتماعي تشمل قلب المدينة إلى أحيائها الشعبية إلى هوامشها، ثم إلى توابعها المتريِّفة ثم إلى أقرب قرية، أصبح السقوط الآن يتم بمتوالية شبكية (لا هندسية فقط).

بمعنى: قديما كان يسقط حجر (يقل الدخل مثلا) فتسنده حجائر من التضامن الاجتماعي والتراث الروحي والثقافي "مواويل الشجن مثل: طيب المبالي – الابتلاءات – حضروا تجمعوا المجاريح.. واللي أذن له النبي عدَّا بدون تصريح".

الآن تنهار حجارات من كل صوب وتتقاطع في انهيارها، ولذلك علاقة بالقطع بمستوى الطموح الذي تخلقه الصور الفضائية وحدود الطاقة والإمكان.

ثم إن بؤر التهميش داخل دوائر الغنى الصارخ أو الرحيم تزيد تفاعلات شبكة السقوط الاجتماعي تعقيدا، فمن منا لا يعرف صديقا من أولاد الناس جار عليه الزمن، بحيث لم يعد لديه في الشقة المعقولة التي ورثها عن الأسرة ما يبيعه، لا يوجد مثل ذلك في منتجعات الغنى الجديدة (هوامش معكوسة)؛ لأنها في بدايات الصعود، حيث كل من فيها في لحظة تألق مالي، لكن القانون الأزلي سيطالها لا محالة ولو بعد عشرات السنين.

قديما قالوا: الحظ لما يواتي يخلي الأعمى ساعاتي.. والدنيا لما بتيجي بيبيض الحمام على الوتد.. الآن يمكننا أن نتأكد أن الحظ لم يعد قدريا، بل أصبح صناعة يقودها محترفون للتخديم على تأمين أثرياء هذا الزمن، عبر امتصاص آلام الملتاعين تعاسة وفقرا، بمراهم من عينة مسابقات الجوائز وغيرها.

منذ عشرين سنة كان يمكن أن نقول أتوماتيكيا: إن كل بيت طيني هو شارة فقر معلنة في أرياف مصر، الآن أصبحت مشكلتنا الحياة الطينية وليست البيوت فقط؛ فمستوى جودة الحياة في مصر منخفض بشكل مزر، ولا يقدم ذلك أي عزاء لأحد، ما لم يكن همنا منصبًّا على المنطلق الفائت، أي حياة أجود، فإن كل جهودنا ستذهب هباء.

صناعة الأمل

أن نعرف خريطة فقرنا بلا استعلاء أو تأفف أو عدمية معناه أن نعرف دروب الخروج منها، وأن الاستثمارات المطلوبة لصناعة الأمل أقل مما نتصور بكثير.

في عزبة عثمان الفقيرة -أشرنا لها سلفا- التي تتراكب فيها الظلمات الاجتماعية فوق بعضها، كان بإمكاني أن ألتقط أنه يمكننا أن نجعل الحياة أفضل بـ: تنظيف الشوارع، ودهان البيوت، وتوزيع أصص زراعية مجانية ليضعها الناس في النوافذ؛ لتخلق امتدادا أخضر يحد من سطوة الكتمة، وأن نوقف حملات الابتزاز البوليسي على سيارات الميكروباص والمحال والباعة، وأن نمنح الناس الحق في أن يشعروا بأن الفقر الذي يهينهم هو بعينه إدانتنا التي نرفضها.

المتطلعون إلى وجبة ساخنة من خضار طازج ونظيف لن يغفروا لنا أبدا برود موقفنا، نحن الذين خرجنا من قلبهم بالذات، وكانوا سندنا حين كنا نبحث عن ذراع تحمل إذا داهمتنا غيبوبة من شح الزاد وإرهاق البدن إلى أقرب مستشفى أو مصحة.

اقرأ أيضا:


** صحفي مصري، نائب رئيس تحرير صحيفة الأهالي.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع