دبي-
رمضان عويس
شهدت
دول مجلس التعاون الخليجي تحولاً
نوعيًّا في الممارسة والسلوك
السياسيين الخليجيين بشكل عام في
تعاطيها مع الأحداث الأخيرة التي
شهدتها الساحة الفلسطينية والعربية
سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي،
الأمر الذي يستوجب دراسة هذه
الظاهرة،وتحليل أبعادها المختلفة.
محددات
وعناصر تشكيل الموقف الخليجي
هناك
عوامل متعددة ساهمت في تشكيل الموقف
الخليجي. وهذه العوامل تتوزع بين
عناصر داخلية، وأخرى إقليمية، وثالثة
دولية.
فمن
ناحية، هناك موقف الشارع الخليجي من
الممارسات السياسية الإسرائيلية
البربرية بحق الشعب الفلسطيني، الذي
اعتبر بمثابة تطور ملحوظ في الممارسة
السياسية بشكل عام ودرجة الوعي
السياسي بشكل خاص، يؤكد هذا التحليل
المظاهرات والمسيرات المختلفة التي
شهدتها معظم العواصم الخليجية، كذلك
ما عرفته جامعات تلك الدول من مسيرات
تندد بالممارسات الوحشية
الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، يدعم
من هذه التوجهات مواقف جمعيات النفع
العام واتحادات الكتّاب، والمنتديات
الثقافية والإعلامية المختلفة،
وترجع أهمية هذه المواقف الشعبية
للاعتبارات التالية:
1.
تمثل هذه المظاهرات والمسيرات
تحريكًا لحالة الجمود التي يشهدها
الشارع السياسي الخليجي بشكل عام،
والممارسة السياسية التقليدية بشكل
خاص.
2.
أن هذه المواقف بلا شك تمثل قيدًا أو
على الأقل يجب أن تؤخذ في الاعتبار من
جانب صانع القرار السياسي الخليجي،
وهو الأمر الذي أكده الموقف العماني
في إغلاق مكاتب التمثيل التجاري
الإسرائيلي والقطري بشأن مشاركة
إسرائيل في معرض ميليبول قطر، واتساق
مواقف الحكومة الكويتية مع مواقف
الشارع الكويتي بشأن التنديد
بالممارسات الإسرائيلية بحق
الفلسطينيين رغم التدهور في العلاقات
الكويتية/ الفلسطينية منذ عام 1990م.
ومن
ناحية ثانية، يمكن الإشارة إلى
الموقف الخليجي بشكل عام من الصراع
العربي/ الإسرائيلي، الذي أكد من خلال
البيانات الختامية لقمم التعاون
والاجتماعات الوزارية الخليجية،
الثوابت التالية:
1
– أن التعثر والإخفاقات المتتالية في
المفاوضات بين الأطراف المعنية
مبعثها استمرار المواقف الإسرائيلية
المتعنتة، وعدم جديتها في الاستجابة
لمتطلبات السلام في الوقت الذي لا
يزال الجانب العربي ملتزمًا بالسلام
كخيار إستراتيجي لا رجوع فيه.
2
- المطالبة بالضغط على الجانب
الإسرائيلي ومطالبته الالتزام
بالأسس والمبادئ التي أقرها مؤتمر
مدريد للسلام، وبما يؤدي إلى إعادة
الحقوق العربية المشروعة إلى أصحابها
تنفيذًا لقرارات الشرعية الدولية
ووفقًا لقراري مجلس الأمن 242 و338 ومبدأ
الأرض مقابل السلام.
3
- مطالبة المجتمع الدولي العمل على
جعل منطقة الشرق الأوسط بما فيها
منطقة الخليج خالية من كافة أنواع
أسلحة الدمار الشامل بما فيها
الأسلحة النووية. وضرورة انضمام
إسرائيل إلى معاهدة عدم انتشار
الأسلحة النووية وإخضاع كافة منشآتها
النووية لنظام التفتيش الدولي التابع
للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومن
ناحية ثالثة، أثر الموقع الإستراتيجي
لدول التعاون من معادلة الصراع
العربي/ الإسرائيلي في مواقف هذه
الدول حيث إن سلاح النفط أَسْهَم بدور
كبير في تغيير هذه المعادلة، ولعل
موقف الشارع الخليجي الأخير خير معبر
عن هذا التحول النوعي، حيث ساهمت ثورة
الاتصال الحديثة في خلق حالة من
التلاحم الموضوعي والإيجابي مع أحداث
الشارع الفلسطيني.
كذلك
يمكن الإشارة إلى تطور العلاقات
الخليجية/ الإسرائيلية خلال العقد
الأخير، التي تجسدت في إقامة علاقات
تجارية - بشكل منخفض - إسرائيلية رسمية
مع كل من عُمان وقطر عبر المكاتب
التجارية في البلدين، وما تداولته
تقارير اقتصادية مؤخرًا عن دخول
بضائع إسرائيلية للأسواق الخليجية
بشكل غير مباشر. وهذه التطورات تصب في
النهاية في جهود دمج المجتمعات
الخليجية في المشروع الشرق أوسطي
الذي كان يعتمد بالأساس على توظيف رأس
المال الخليجي لخدمة أهداف المشروع،
ومن ثَم لم يكن غريبًا أن تطالب
الكثير من الكتابات والفعاليات
الخليجية الشعبية دولتي قطر وعمان
بغلق المكاتب التجارية الإسرائيلية
فيهما. وهو الأمر الذي استجابت له
الدولتان بشكل لافتٍ للانتباه، حيث
قامت سلطنة عُمان بإغلاق مكتبها
التجاري في تل أبيب وإغلاق مكتب
التمثيل التجاري الإسرائيلي في مسقط.
وفي قطر فقد أسفرت الضغوط على الحكومة
القطرية في إعلانها أنها تدرس غلق
المكتب الإسرائيلي بالدوحة، كذلك
إعلان إسرائيل عدم مشاركتها في معرض
ميليبول قطر 2000م الأمني وهو المعرض
الذي درجت إسرائيل على المشاركة فيه
منذ عام 1996م.
وأخيرا،
يشار إلى طبيعة العلاقات الأمريكية/
الخليجية، وطبيعة الاتفاقات
الدفاعية والأمنية بين الطرفين، التي
مثلت قيدا على المواقف الخليجية من
انتفاضة الأقصى، وخاصة منع الدول
الخليجية من استخدام سلاح النفط،
الذي تملك دول الخليج ما يقارب 78% من
احتياطيه العالمي، كأداة للضغط
السياسي على أي مشروع سياسي يساند
إسرائيل في المنظمات الدولية أو حتى
في التأثير على قرارات الدول ذات
العلاقات مع إسرائيل، حيث رفضت دول
التعاون استخدام سلاح النفط أو قطع
إمداداته عن الغرب؛ احتجاجًا على
الممارسات الإسرائيلية، مبررة ذلك
بأنه لم يَعُد ممكنًا سياسيًّا
واقتصاديًّا، وأنه سيضر بالمصالح
الاقتصادية الخليجية.
الملامح
والتوجهات العامـة للسياسات
الخليجيـة
يمكن
ونحن بصدد تحليل الموقف الخليجي أن
نتوقف عند ثلاثة مواقف بارزة تسهم في
تشكيل الموقف الخليجي، وهي: موقف مجلس
التعاون لدول الخليج العربية "كإطار
تنظيمي"، الموقف الرسمي الخليجي،
الموقف غير الرسمي، حيث تتضافر
وتتكامل هذه المواقف لتشكل في
النهاية منظومة الموقف الخليجي.
أولاً:
موقف مجلس التعاون لدول الخليج
العربي:
تبلور
الموقف العام للأمانة العامة لمجلس
التعاون الخليجي في الجوانب التالية:
1
- إدانة المجازر الإسرائيلية بحق
الفلسطينيين وشجب واستنكار زيارة
شارون للحرم المقدسي.
2
- مطالبة المجتمع الدولي وخاصة راعيَي
عملية السلام بالتدخل الحاسم؛ لوضع
حد للمجازر الإسرائيلية ضد الشعب
الفلسطيني، والضغط على إسرائيل لوقف
اعتداءاتها السافرة وانتهاكاتها
المستمرة للحرم المقدسي.
3
- مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك
لإجبار إسرائيل على تنفيذ جميع
قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة
لحماية المسيرة السلمية في الشرق
الأوسط من الانهيار.
ثانيًا:
المواقف الرسمية الخليجيـة:
يمكن
القول: إن المواقف الرسمية الخليجية
قد شهدت نوعًا من التناسق والتماثل
فيما بينها بشأن الجوانب التالية:
-
شجب واستنكار الممارسات السياسية
الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني،
دعوة القوى الدولية الفاعلة للتدخل
لوقف الصلف الإسرائيلي، كذلك الدعوات
المتكررة لحماية المقدسات الإسلامية.
-
تأييد القمة العربية باعتبارها
تجسيدًا للعمل العربي وإرادة الشعوب
العربية في دعم الشعب الفلسطيني في
مواجهة الحملة العسكرية
الإسرائيلية، كذلك النظر بشكل إيجابي
لقمة شرم الشيخ ونفي الربط بينها وبين
القمة العربية.
-
دعم الحملات الإنسانية سواء في مجال
التبرعات أو استقبال الجرحى في
مستشفيات الدول الخليجية، بجانب فتح
باب التبرعات لصالح شهداء وجرحى
الانتفاضة والشعب الفلسطيني، بل إن
بعض الدول مثل الإمارات أصدرت قرارات
باقتطاع راتب يوم من موظفي الدولة
تبرعًا لدعم أسر شهداء انتفاضة
الأقصى وللتضامن مع الشعب الفلسطيني.
-
إعلان دول التعاون رفض استخدام سلاح
النفط أو قطع إمدادات النفط على الغرب
أو حتى رفع أسعار النفط احتجاجًا على
الممارسات الإسرائيلية. وتبرير ذلك
بأنه لم يَعُد ممكنًا سياسيًّا
واقتصاديًّا، وأنه سيضُرُّ بالمصالح
الاقتصادية الخليجية.
ورغم
التماثل الذي ينسق هذه المواقف
الخليجية، إلا أنه يمكن التوقف عند
بعض الملاحظات على بعض المواقف
الخليجية التي تتميز ببعض الخصوصية
أو بالأحرى تبرز درجة متميزة بصدد
تحليلها، وهي:
الموقف
السعودي: فرغم إعلان السعودية رفضها
استخدام سلاح النفط، وذلك بطبيعة
الحال بحكم علاقاتها المتميزة مع
الولايات المتحدة، فإنه مع تنامي
موجات العنف الإسرائيلي ضد
الفلسطينيين فقد أبلغت الرياض
العواصم الغربية أنها ستتخذ إجراءات
حاسمة إذا واصل الكيان الإسرائيلي
اعتداءاته على الشعب الفلسطيني
والعرب والمقدسات الإسلامية، وقد
اعتبرت هذه التصريحات حينها بمثابة
تحريك للدور السعودي ومؤشر على تغير
في موقفه بصورة حادة. وهو الأمر الذي
تكرس في اجتماعات القمة العربية
بالقاهرة حين حمل الخطاب السعودي
واشنطن مسؤولية الانهيار الحادث في
عملية السلام.
من
ناحية أخرى فقد استجابت قمة القاهرة
الطارئة للاقتراح السعودي بإنشاء
صندوقين لتمويل مشاريع تحافظ على
الهوية العربية والإسلامية للقدس،
والحيلولة دون طمسها، وتمكين الشعب
الفلسطيني من الفكاك من التبعية
للاقتصاد الإسرائيلي، والإنفاق على
أسر الشهداء الفلسطينيين في
الانتفاضة وتهيئة السبل لرعاية
وتعليم أبنائهم.
الموقف
الكويتـي: الظاهرة اللافتة للانتباه
بشأن الموقف الكويتي هو حدوث درجة من
التحول في الموقف الكويتي بشأن
العلاقات الكويتية/ الفلسطينية، على
عكس ما شهدته السنوات السابقة في
أعقاب الغزو العراقي للكويت، حيث
أكدت الكويت على تضامنها مع الشعب
الفلسطيني وضرورة حماية المقدسات
الإسلامية، والعمل على وقف المجازر
ضد أبناء الشعب الفلسطيني. كما شهدت
مدن الكويت مسيرات تندد بالقمع
الإسرائيلي وعلى استحياء بالانحياز
الأمريكي. وهذه التحولات الكويتية قد
تنبئ بقرب تحسن في العلاقات الكويتية/
الفلسطينية، خاصة أن هناك مثيلاً
لتحسنها مع الأردن والسودان واليمن.
الموقف
الإماراتـي: يُعَدُّ الموقف
الإماراتي من أبرز المواقف الخليجية
وربما العربية في تعاطفها مع انتفاضة
الأقصى، ذلك أن الداخل الإماراتي
يشهد حالة استنفار عام لدعم انتفاضة
الأقصى رسميًّا وشعبيًّا وطلابيًّا.
وقد تجسدت هذه المواقف في تصريحات
رئيس الدولة ومجلس الوزراء وكبار
المسؤولين، ومواقف المؤسسات
والجمعيات المهنية والثقافية
والطلابية والجمعيات الخيرية مثل
جمعية الهلال الأحمر، علاوة على
الدور الإعلامي الذي لعبته قناة
أبوظبي الفضائية وهو ما كان محل تقدير
للمراقبين بشكل عام.
ثالثًا:
المواقف غير الرسمية الخليجيـة:
الظاهرة
الجديرة بالرصـد والتحليل ونحن بصدد
دراسة الموقف الخليجي تتمثل في رد فعل
الشارع الخليجي إزاء الأحداث على
الساحة الفلسطينية؛ إذ تشير الكثير
من المعطيات إلى ثمَّة تحول نوعي في
موقف الشارع الخليجي والرأي العام
إزاء انتفاضة الأقصى بشكل غير مسبوق
كشف عن نفسه من خلال المظاهرات
والمسيرات التي جابت غالبية العواصم
الخليجية والجامعات المختلفة،
ومواقف اتحادات الكتاب، والتجمعات
العامة والثقافية، وجمعيات النفع
العام ذات العلاقة ومنها المؤتمر
الشعبي الخليجي لمقاومة التطبيع، حيث
صبَّت كل هذه الاتجاهات في التنديد
بالمجازر الإسرائيلية، والدعوة
لموقف عربي فاعل يدعم الحق
الفلسطيني، وتأكيد عروبة وإسلامية
قضية القدس، ودعوة الحكومات العربية
لوقف جميع أشكال التطبيع مع إسرائيل..
وفي هذا الخصوص يمكن التوقف عند بعض
الملاحظات:
أولاً:
توحُّـد الخطاب السياسي الخليجي مع
الموقف الشعبي بشكل عام سياسيًّا
ودينيًّا وإعلاميًّا بشكل نادر
الحدوث – نسبيًّا – عربيًّا، كما أن
الموقف الشعبي الخليجي ذاته شهد
درجات عالية من الانسجام والتماثل في
القضايا والطروحات والشعارات، خاصة
إزاء ثلاث قضايا (التطبيع، المسجد
الأقصى، الممارسات الإسرائيلية).
ثانيًا:
تمثل المظاهرات الخليجية نقلة نوعية
في الممارسة السياسية الخليجية، ذلك
أن الطبيعة التقليدية للنظم السياسية
في الخليج تنظر للمظاهرات - وحتى
السلمية منها - بعين الريبة، وربما
يرجع السماح لتلك المظاهرات إلى
تماثل الموقفين الرسمي والشعبي.
ثالثًا:
شهدت بعض العواصم الخليجية هتافات ضد
الولايات المتحدة، بل إن واشنطن قامت
بإغلاق سفاراتها في بعض العواصم
الخليجية، وهو ما يمثل بداية تحول في
العلاقات الخليجية - الأمريكية على
المستوى الشعبي، بحكم الروابط
الدفاعية والأمنية الخليجية مع
واشنطن. وهو ما يمكن تفسيره بعدم رضا
الشارع الخليجي عن العلاقات مع
واشنطن على عكس الفترات السابقة في
أوائل التسعينيات. على أن هذا لا يمنع
من وجود بعض الكتابات - خاصة في
الصحافة الكويتية -ترفض التهجم على
واشنطن، وتذكّر بدورها البارز في حرب
تحرير الكويت، كما أن ذات الصحافة
عرفت مقالات تطالب بإعادة النظر في
العلاقات مع واشنطن.
رابعًا:
الملاحظ على الشريحة العُمْرية
للمظاهرات والمسيرات أنها كانت
للفئات الشابة في مراحل الجامعة
والثانوي، كما أن العنصر النسائي كان
متواجدًا وبشكل جيد، خاصة في قطر
والإمارات. وهو ما يمكن أن يساعد في
خلق جيل جديد يحمل درجات عالية من
الوعي السياسي والعام تعمل على تغيير
الصورة الذهنية التقليدية للمواطن
الخليجي.
خامسًا:
ظهور دعوات تحمل الطابع العملي في دعم
الانتفاضة، ولعل أشهرها في هذا الصدد
محاربة ومقاطعة المنتجات الأمريكية
والدول ذات العلاقات مع إسرائيل، وهو
بالطبع موقف يختلف كثيرًا عن الموقف
الرسمي الذي رفض صراحة استخدام سلاح
النفط.
اقرأ
أيضا:
إخراج
سلاح النفط من السياسة والاقتصاد
إرادة
الشعوب تدفع الحكومات لخرق الحظر على
العراق
القمة
العربية.. لهجة خطابية شديدة وأفعال
قليلة
رسائل
من القمة العربية
المقاطعة
الشعبية هي الحل
حكمة
الحجر.. الانتفاضة واستعادة الذات
|