|
تحولت
الكونغو ومنطقة البحيرات العظمى
الإفريقية إلى آتون صراع مشتعل؛
وقوده المستمر أحقاد وعداء تاريخي
بين الجماعات العرقية الرئيسية
القاطنة في المنطقة، بالإضافة إلى
مصالح القوى الإقليمية الراغبة في
تغيير خريطة التوازن الإقليمي، ناهيك
عن الإطار الدولي الفاعل، الذي يكمل
ملامح صورة الصراع المستمر في "البلقان
الإفريقي"، والسؤال الذي يطرح نفسه
أمام أي مراقب للأحداث في هذه المنطقة
يتعلق برحيل لوران كابيلا ومستقبل
الصراع في الكونغو وانعكاسات ذلك على
خريطة التوازن الإقليمي في البحيرات
العظمي.
على
أن أي محاولة جادة لفهم ما يحدث في هذه
المنطقة لا بد وأن تأخذ بعين الاعتبار
الأبعاد التالية للصراع الدائر هناك.
أولاً-
البعد المحلي
لا
يخفى أن دول البحيرات العظمى قاطبة
تتألف من إثنيات وقوميات متعددة، ومع
ذلك فإن الانقسام الإثني بين الهوتو
والتوتسي في كل من رواندا وبوروندي
والصراع المستمر بينهما أدى إلى
التأثير على خريطة التفاعلات الإثنية
في الدول المجاورة، والدليل على ذلك
أن أحد أبرز جوانب الصراع في جمهورية
الكونغو يرتبط بمسألة هوية
الكونغوليين من أصل رواندي أو
بوروندي (الذين يطلق عليهم بانيا
رواندا (Banya Rwanda، سواء كانوا من
التوتسي أو الهوتو.
وأيًا
ما كان الأمر فقد ظلت قضية جنسية
هؤلاء في الكونغو (زائير) بعد
الاستقلال ذات حساسية بالغة وموضع
توتر وصراع، بيد أن الأمور ازدادت
تعقيدًا وتشابكًا مع تدفق ما يربو على
المليون لاجئ رواندي أغلبهم من
الهوتو بعد أحداث 1994، أقاربهم في
المدن والقرى الواقعة شمال مدينة "كيفو"،
ولا شك أن هذا المتغير الديموغرافي
أدى إلى نقل الصراع التقليدي بين
الهوتو والتوتسي إلى شرق الكونغو.
ولا
يخفى أن نظام حكم الرئيس الراحل
موبوتو أسهم في إشعال نار الفتنة في
بلاده ففي عام 1996، أي قبيل عام واحد من
سقوطه، أصدر أحد المسئولين الحكوميين
إنذارًا عبر مؤسسة الإذاعة والوطنية
يُحذر فيه المواطنين من أصول توتسية،
ويطالبهم بمغادرة البلاد، وهو الأمر
الذي لم يترك أي مجال أمام هؤلاء سوى
اللجوء إلى العنف وحمل السلاح من أجل
إسقاط النظام.
وبالفعل
بدأت حملة الإطاحة بنظام موبوتو تحت
زعامة لوران كابيلا الذي ظل يحمل
المبادئ الماركسية لمدة تزيد على
ثلاثين عامًا من حياته، حيث كان من
مؤيدي أول رئيس لوزراء الكونغو
باتريس لومومبا، وقد وجد كابيلا
الدعم هذه المرة من مقاتلي التوتسي
وجماعات المعارضة الأخرى لنظام
موبوتو، مثل جماعات "الماي ماي".
وفي أواخر عام 1996 استطاع كابيلا تنظيم
صفوف المعارضة في إطار واحد هو "قوات
التحالف الديمقراطي لتحرير الكونغو"،
ونظرًا لتصاعد السخط الشعبي ضد نظام
موبوتو، تمكنت قوات كابيلا من دحر
الجيش الزائيري والسيطرة على الحكم
في عام 1997.
والمراقب
لسجل كابيلا منذ ذلك التاريخ وحتى
واقعة اغتياله في 16 يناير 2001 يلحظ أنه
مليء بالتناقضات، وإن كانت النتيجة
العامة هي أن الكونغو لم تشهد تحقيق
أي من الوعود التي قطعها على نفسه عند
استيلائه على السلطة، اللهم إلا
تغيير وجه من يمارسها.
واللافت
للنظر حقًا أن كابيلا استغل انتماءه
لإقليم كاتنجا الغني بثروته المعدنية
في محاولة بناء قاعدة للتأييد
السياسي له في مواجهة جماعات
المعارضة المرتبطة بقوى خارجية، ولا
سيما رواندا وأوغندا، وقد تم تكريس
هذا الأساس الإقليمي لنظام الكونغو،
وهو الأمر الذي يُضفي على الصراع
بعدًا إقليميًا وعرقيًا جديدًا.
ثانيًا-
البعد الإقليمي
لقد
ظهر تأثير القوى الإقليمية واضحًا
على تطور الأحداث في الكونغو ومنطقة
البحيرات العظمى منذ انهيار التحالف
غير المقدس بين قوات كابيلا وقوات
متمردي التوتسي التي تساندها كل من
رواندا وأوغندا. ففي أغسطس 1998 تقدمت
قوات المتمردين صوب العاصمة "كينشاسا"
للاستيلاء عليها، بيد أن تدخل قوات من
زيمبابوي وأنجولا ونامبيا لدعم قوات
الرئيس كابيلا أدى إلى إجبار
المتمردين على التراجع والمحافظة على
توازن القوة في المنطقة.
ولا
يخفى أن أطماع الرئيس الأوغندي يوري
موسيفيني- وهو من أصول توتسية-بتأسيس
إمبراطورية يسيطر عليها شعب التوتسي
في البحيرات العظمى تقف وراء الموقف
الأوغندي من الصراع في المنطقة. على
أن الانقسام الذي حدث بين رواندا
وأوغندا بعد ذلك إنما يرجع إلى
التنافس حول توزيع التركة في أعقاب
سقوط نظام الحكم في الكونغو، وإنه على
وجه العموم تنافس بين رجلين يشتركان
في حلم واحد، وهما: بول كاجامي في
رواندا ويوري موسيفيني في أوغندا.
على
أن وجود دول أفريقية أخرى معارضة لهذه
الأطماع الأوغندية والرواندية يحافظ
على خريطة التوازن الإقليمي في
المنطقة، وعليه فإن توصيف الصراع في
الكونغو يتوقف عليه الإجابة عن ماهية
سيناريوهات المستقبل، فهل يمكن القول:
إنه مجرد اقتتال وحرب أهلية داخلية؟
أم أنه يعكس مؤامرة خارجية لاقتسام
السلطة والنفوذ؟
الأمر
الذي لا يخفى على أحد هو أن الدور
الإقليمي، ولا سيما الدول الإفريقية
الست (أنجولا، وزيمبابوي، وناميبيا،
ورواندا، وبوروندي، وأوغندا) هو عامل
مهم في فهم خريطة التوازن الإقليمي في
هذه المنطقة الغنية بثرواتها
المعدنية والطبيعية، ومن ثم يمكن
القول: إن البعد الإقليمي هو مكمل
للبعد المحلي في الأزمة الراهنة، في
بلاد البحيرات العظمي.
ثالثًا-
الإطار الدولي للصراعات في البحيرات
العظمى
لا
يمكن فهم الصراعات في البحيرات
العظمى دون الإشارة إلى الإطار
الأجنبي ولا سيما الأوروبي والأمريكي
والإسرائيلي، فمن الملاحظ أن السياسة
الإفريقية للولايات المتحدة تركز على
هذه المنطقة، وذلك من خلال أداتين
رئيسيتين: الأولى هي خلق ودعم بعض
القادة الأفارقة الجدد الذين يعملون
بشكل أو بآخر على تحقيق المصالح
الأمريكية. ونذكر على وجه الخصوص
الجنرال بول كاجامي الرجل القوي في
رواندا منذ عام 1994 الذي تلقى تدريباته
العسكرية في كلية الجيش والأركان
بمدينة ليفنورث بولاية كنساس
الأمريكية.
أما
الأداة الثانية فهي طرح مشروع القرن
الأفريقي الكبير، الذي يضم- إلى جانب
دول القرن التقليدية- أوغندا
والكونغو الديمقراطية ورواندا
وبوروندي و"جنوب السودان المستقل"،
ويرمي هذا المشروع إلى إنشاء بنية
أساسية لمصلحة شركات التعدين والنفط
الأمريكية.
وتفضي
القراءة المدققة للتحرك الأمريكي في
المنطقة- بغض النظر عن ادعاءاته
الأيديولوجية- إلى التأكيد على أن نمط
التوازن الإقليمي الذي تحاول
الولايات المتحدة ترسيخه في البحيرات
العظمى يعتمد أساسًا على نظام حكم
الأقليات، أي قادة أفارقة ينتمون إلى
جماعات عرقية تشكل أقلية في مجتمعها؛
موسيفنيني في أوغندا، وكاجامي في
رواندا، وزيناوي في أثيوبيا، وأفورقي
في إريتريا، وجارانج في جنوب السودان.
ويلاحظ
أن التنافس الغربي والأمريكي في
المنطقة بعد انتهاء الحرب الباردة
يدور حول ضمان الوصول إلى مناطق
التعدين والثروة الطبيعية، ولا أدل
على ذلك من التجارة غير المشروعة في
الماس والذهب وتهريب السلاح، التي
يتورط فيها رجال أعمال وشركات
أوروبية وأمريكية وإسرائيلية.
ويبدو
واضحًا أن المصالح الغربية في
المنطقة تستفيد من استمرار الصراعات
والحروب المسلحة لضمان تدفقات عوائد
التجارة غير المشروعة في الماس
والسلاح.
وتجدر
الإشارة كذلك إلى قضية المياه،
فالوجود الأجنبي والإسرائيلي
تحديدًا في المنطقة يسعى إلى التأثير
على الخزان المائي، واعتبار قضية
المياه ورقة ضغط يمكن إثارتها في إطار
الترويج لمقولة حروب المياه في
المنطقة. وليس من المستغرب إذن أن
تتعارض المصالح المصرية والعربية
عمومًا في البحيرات العظمى مع
المصالح الأمريكية والإسرائيلية
هناك!
ماذا
بعد رحيل كابيلا؟
إن
سنوات حكم الرئيس لوران كابيلا
القصيرة (1997-2001) تظهر أن جميع اتفاقات
السلام التي تم التوصل إليه لم يتم
تنفيذها على أرض الواقع قط، ويبدو أن
المتغير الشخصي القيادي، وروح
التنافس بين زعماء المنطقة قد أدى إلى
تعظيم خيار القوة واستخدام أسلوب
العنف في تحقيق الأهداف السياسية،
وعليه فإن القول بأن تغير القيادة
السياسية في الكونغو يمكن أن يتعدى
مظهره، عملية توريث السلطة في البلاد
واحتفاظ إقليم كاتنجا بمقاليد السلطة.
ومن
ثم يمكن تصور وجود سيناريوهات ثلاثة
لمستقبل الكونغو والبحيرات العظمى
بعد رحيل موبوتو:
أولاً:
نجاح قوات التمرد التي تدعمها كل من
رواندا وأوغندا في فصل شرق الكونغو
وتأليف إمبراطورية كبرى للتوتسي
تهيمن على منطقة البحيرات العظمى
بأسرها، بيد أن هذا الاحتمال لا
تسانده خريطة التوازن الإقليمي في
المنطقة، ولا سيما دور الأطراف
الإقليمية الأخرى، مثل: أنجولا
وزيمبابوي ونامبيا وحتى جنوب إفريقيا.
ثانيًا:
نجاح الجنرال جوزيف كابيلا- بتأييد
إقليمي- في فرض صيغة لاقتسام السلطة
في الكونغو بين مختلف القوى
والتيارات السياسية المتنافسة، إما
عن طريق الحرب وإما عن طريق التسوية
السلمية. إلا أن فرص نجاح هذا
الاحتمال غير قوية بسبب التنافس
الإقليمي الحاد في المنطقة والمصالح
الدولية المتعارضة التي تدعم ترتيبات
وتوازنات إقليمية معينة.
ثالثًا:
استمرار منحى التوتر والصراع في
المنطقة كما هو عليه الآن، وهذا
احتمال قوي لأنه يضمن استمرار منحى
التجارة غير المشروعة في الذهب
والماس وغيرها من الموارد المعدنية
والطبيعية في هذه المنطقة، كما أنه
يسمح- من جهة أخرى- بتحقيق المصالح
الأجنبية في المنطقة، فهل تدرك شعوب
المنطقة حقيقة هذه المخاطر التي
تتهددها؟ إنها تحديات تمس حقيقة
وجودها وبقائها العضوي، هذا ما سوف
تظهره السنوات المقبلة.
اقرأ
أيضاً:
|