|
من
السذاجة بمكان التوقف ولو للحظات
لمناقشة "التعليل الرسمي"
الصادر عن الجهات الرسمية الأمريكية
بشأن القصف الجوي الأعنف من نوعه منذ
عامين، لأهداف تقع في العاصمة
العراقية وحولها، وربما كان بعض
أساليب التضليل في الماضي ينطوي على
ما يصلح للمخادعة، ولكن ثبت أن مستوى
الوعي الجماهيري في أرضنا العربية
والإسلامية بلغ في هذه الأثناء درجة
كافية للكشف عن خفايا التضليل.
إن
عملية القصف الأمريكية لبغداد يمكن
تحليلها من خلال ثلاثة محاور رئيسية
للتطوّرات السياسية الجارية، وهي كسر
العراق للحصار الأمريكي والبريطاني
المفروض عليه؛ بوادر جادّة لتضامن
عربي مقابل الصلف الأمريكي
والإسرائيلي؛ وأخيرًا، "السياسة
العسكرية الدولية" الجديدة
للرئاسة الأمريكية الجديدة.
القصف
وكسر الحصار
إن
العجز الأمريكي عن منع انهيار ما
سُمِّي التحالف الدولي ضد العراق،
وعن منع اهتراء مفعول الحصار الذي
أصبح مجلس الأمن أداة لتنفيذه لا
أكثر، هو أوّل ما أدّى إلى "القصف
الجوي" لبغداد الآن، أو بتعبير
أوضح، إنّ واشنطن تلجأ بذلك إلى لغة
القوّة حيث أفلست سياسيًّا، وهذا
بالذات ما يوصف بشرعة الغاب.
وإذا
كانت غاية القصف واضحة من حيث الرغبة
في استعراض القوّة، ورفض تجاوز
الإرادة الأمريكية في كسر الحصار،
فبالمقابل تكشف سرعة لجوء الحكومة
الأمريكية الجديدة إلى هذا الأسلوب،
عن محاولة بائسة لاستعادة هيبةٍ
اضْمحلّ مفعولها في التعامل الدولي
مع قضية العراق، كما تكشف عن إدراك
واشنطن استحالة الحصول - بالأساليب
السياسية الحضارية كما يصفونها - على
تأييد إقليمي ودولي لهذا العدوان،
فهي لم تنتظر مثلاً الجولة التي يزمع
أن يقوم بها وزير خارجيتها الجديد في
المنطقة، ولا لقاءه المقرر مع نظيره
الروسي في القاهرة، ولم تنتظر
اتصالات التعارف المبدئية مع دول
حليفة لترسم على ضوء ذلك الخطوط
العامة للسياسة الخارجية الجديدة.
ولا
يعود هذا "الإهمال" إلى ما هو
معروف من جهل الرئيس الجديد بالسياسة
الخارجية والدولية، فحوله فريق من
صانعي القرار من ذوي الخبرة العتيقة،
ولكن يعود إلى إدراكهم وإدراكه، أنه
قد نفد مفعول الاتصالات السياسية
والمحادثات والحجج التقليدية التي
جعلت حصار العراق يستمرّ أكثر من عشرة
أعوام، ويسبب من الضحايا على المستوى
الشعبي في الدرجة الأولى، أضعاف ما
سببته الحروب التي خاضها العراق في
نصف قرن كامل، وما دام استمرار الحصار
مطلبًا أمريكيًّا بأي ثمن، بما في ذلك
لأغراض شخصية ترتبط بنوعية الزعامات
العتيقة - الجديدة حول بوش، فيراد فرض
استمراره بالقنابل والقذائف
والصواريخ والطائرات.. ولتسقط سائر
المقولات عن "الأساليب الحضارية في
التعامل الدولي" تحت القصف أيضًا.
وإذا
صح ما يقال عن "الجهل" بشؤون
السياسة الخارجية، فقد يصحّ في جانب
واحد هو العجز عن تقدير حقيقة ما وصل
إليه كسر الحصار الأمريكي - البريطاني
الراهن، فقد بلغ مرحلة اللاعودة، ولا
يمكن أن تشعل فتيله من جديد غارات
جوية عسكرية، بل ستضاعف من التصميم
على التخلّص منه كذريعة استمرار وجود
مخاطر وقوع كارثة جديدة في المنطقة،
ولئن كان يُخشى من نجاح الأهداف
الأمريكية من جانب واحد، فهو الجانب
الرسمي العراقي، واحتمال أن يسيء
التصرّف بمواقفه وسياساته وتصريحاته
ردًّا على العدوان الأمريكي، بدلاً
من الاستفادة من هذه الفرصة السانحة
إلى أبعد الحدود؛ لمضاعفة الجهود
العربية والدولية للإلغاء الحصار
رسميًّا لا تطبيقيًّا فقط، ورغم
الإرادة الأمريكية.
قصف
انتفاضة السياسة العربية
وحسب
تعليق أحد الإعلاميين العرب، فإن
واشنطن تبعث بذلك رسالة إلى الدول
العربية بأنّها لا تمثّل في موازينها
سوى "أصفار" لا قيمة لها، بما في
ذلك الدول المتحالفة والصديقة مع
واشنطن.
ولكن
يمكن القول - بالمقابل - إنّ واشنطن
فهمت رسالة مسبقة بعثت بها البلاد
العربية خلال فترة أزمة نتائج
انتخابات الرئاسـة الأمريكية،
وأرادت الردّ عليها بصورة لا لبس فيها
ولا غموض.. فقد كان واضحًا أنّ
الاتصالات العربية على مستويات عالية
مع القيادة العراقية، من جانب مصر
وسوريا، وترجيح مشاركة الرئيس
العراقي في القمة المقبلة، وفتح
أبواب اتفاقات منطقة التجارة الحرة
مع دفن المشاريع "الشرق أوسطية"
تحت أحجار الانتفاضة الفلسطينية،
وبعض المواقف غير الاستعراضية التي
تعبّر عن تقارب الإرادة الرسمية مع
الإرادة الشعبية، كمنع القبول بوفد
إسرائيلي في لقاء تجاري عربي - أوروبي
في القاهرة، أو الدعوة الصادرة الآن
لاجتماع لجنة متابعة "مقاطعة
إسرائيل".. وغير ذلك من المواقف على
ساحة القضية الفلسطينية، والتي رافقت
الشروع في أوّل وساطة جادة لكسر جليد
النزاع بين العراق من جهة، والكويت
والسعودية من جهة أخرى، جميع ذلك الذي
شهدته الأسابيع القليلة الماضية، كان
يعني على أرض الواقع وضع الحكومة
الأمريكية الجديدة أمام واقع عربي
جديد، تفرضه الإرادة السياسية
العربية والمصلحة العليا العربية،
فكأنّ السياسة الرسمية العربية تشهد
انتفاضة "صغيرة" من صنع الأحداث
على الأرض الفلسطينية المغتصبة،
وبالتالي فإن القصف الأمريكي لبغداد
بهذا المفهوم هو "جواب" على بذور
تمرّد عربي.
والواقع
أن كثيرًا من المحلّلين الغربيين في
أوروبا يتحدّثون عن درجة غير عادية من
"الغباء" في السياسة الأمريكية
الدولية في بعض المناطق، لا سيما
المنطقة العربية، ولكنّ هذا الأسلوب
الذي اتبعته الحكومة الأمريكية في
الردّ على بذور التضامن العربي، مع
توقيته المقصود قبل جولة وزير
خارجيتها، وقبل انعقاد القمة العربية
القادمة في عَمان، إنما يؤكّد أن هذا
الغباء السياسي بلغ مستوى "الحماقة
السياسية"؛ وذلك لأسباب عديدة، في
مقدمتها على سبيل المثال:
1
- إذا تراجعت الحكومات العربية
الناشطة في التضامن حاليًا، نتيجة
للقصف، فهذا ما يمكن أن يجرّدها
سياسيًّا من سائر ما يمكن أن تبرّر به
لشعوبها نوعية العلاقات الشاذة
القائمة مع الدولة الأمريكية، أي أن
معركة واشنطن مع بغداد ستتحوّل في
حالة تجاوب الحكومات العربية معها
إلى معركة بين تلك الحكومات وشعوبها،
فمطلب رفع الحصار كما يعلم الجميع،
مطلب شعبي قبل أن يكون مطلبًا عربيًّا
رسميًّا.
2
- لا يخفى سعي واشنطن بأسلوب تقليدي
عتيق، للفت الأنظار عن الأحداث
الدامية في قضية فلسطين المغتصبة،
بإثارة قضية العراق من جديد، وسبق أن
حقّق هذا الأسلوب أهدافه جزئيًّا في
حالات سابقة، ولكن التوقيت الراهن
يؤدّي إلى نقيض المطلوب منه، شاءت
واشنطن أم أبت، فصحيح أن فعاليات
التضامن مع الانتفاضة شعبيًّا انخفضت
وتيرتها، ولكن من الملاحظ أنّ هذا لم
يشمل ظاهرة رئيسية بالغة الأهمية،
وهي المقاطعة الشعبية للسلع والخدمات
الأمريكية، وفي ذلك إشارة مباشرة إلى
أن وعي الفرد العادي في البلدان
العربية يؤكّد له مسؤولية واشنطن
عمّا يجري في الساحة الفلسطينية، ولا
يمكن لقصف العراق إلاّ أن يضاعف هذا
الوعي، والأهم من ذلك أنّه سيزيد
أساليب التعبير عنه حدّة، ليس عن طريق
المقاطعة للسلع والبضائع فقط، بل وعن
طريق التعبير عن ذلك بالمظاهرات
والمسيرات الاحتجاجية، ومضاعفة
الضغوط على الحكومات العربية لكسر
أغلال الهيمنة الأمريكية عليها،
وربما بتهديد مباشر لما يُسمّى
المصالح الأمريكية في المنطقة
العربية والإسلامية.
على
أنّنا لا نرى هنا المشكلة في مستوى
الغباء في السياسة الأمريكية، بل في
مشكلة مدى "الذكاء" المرجو في
السياسات العربية، فقصف بغداد يضع
المساعي المبذولة لاستعادة بعض
التضامن العربي أمام مفترق الطرق من
جديد:
-
إمّا
الانهيار والتراجع، وهذا ما يمكن
أن يؤدّي إلى تحويل الساحة العربية
إلى ساحة اضطرابات داخلية في
الدرجة الأولى، تساهم في زيادة
ترسيخ الأوضاع المهينة الراهنة،
سواء عن طريق العدوان الصهيوني
المتواصل، أو عن طريق الهيمنة
الأمريكية بأسلوب شرعة الغاب..
-
أو
تحويل العدوان الأمريكي الجديد -
ومعه الصلف العدواني المتمثل في
وجه شارون وتاريخه - إلى دوافع قوة
إضافية للتحرّك على أرضية التضامن،
بقوّة أرسخ، وخطوات أوضح، وتحدّيات
رسمية جماعية، أشدّ تعبيرًا عن
الشعوب وإرادتها، في مواجهة
العدوان الخارجي، فهذا - وهذا وحده -
ما يمكن في الوقت الحاضر، أن يجعل
من الردّ العربي على الصلف
الأمريكي، ردًّا عزيزًا كريمًا،
ومخرجًا من آخر مراحل الهيمنة
الأمريكية، والتي لم تؤدّ بالمنطقة
إلاّ إلى مزيد من الانهيار منذ حرب
الخليج الثانية حتى الآن.
اختبار
الهيمنة العسكرية دوليًّا
للقصف
الأمريكي لبغداد أهداف أبعد من
المنطقة العربية، فمن طبيعة تكوين
الحكومة الأمريكية الجديدة، أنها
تمثل طبقة سياسية - عسكرية قديمة،
تنتمي إلى تلك الفترة الزمنية
القصيرة التي عرفتها السياسة الدولية
كلحظة انتقالية، ما بين حقبة انتهاء
الحرب الباردة، وبداية عصر جديد لم
تستقر معالمه النهائية لتكوين "نظام
دولي جديد" بمعنى الكلمة، أي نظام
"تستقر" دعائمه ومواصفاته لفترة
زمنية معقولة، فلم يستقرّ شيء من ذلك
حتى الآن.. ولكنّ وهم استقرار هذا
النظام على أساس انفراد أمريكي
بزعامة العالم، هو في مقدّمة ما يسيطر
على تلك الطبقة السياسية - العسكرية
المهيمنة حاليًا على أركان صناعة
القرار الأمريكي في حكومة جورج بوش
الجديدة.
وكان
مما يلفت النظر أن التصريحات
الرئيسية التي مثّلت العمود الفقري
في وعود بوش للناخبين أثناء المعركة
الانتخابية، قد دارت حول ما يُسمّى
رسميًّا "السياسة الأمنية الدولية"،
وعلى وجه التحديد الدرع الصاروخي،
وتخفيض مخزون السلاح النووي الأمريكي
من جانب واحد، ثم كان أوّل تصريحات
رسمية له بعد استلام منصب الرئاسة
يدور حول هذا الموضوع أيضًا..
ولكن
ما لم يتم رصده والحديث عنه بوضوح حتى
الآن، هو أن بوش أتى معه واقعيًّا
بتحول جذري في "صياغة السياسة
الأمنية الأمريكية" دوليًّا، وهذا
بمضمون لا يقلّ أهمية عما عُرف في
حينه بصيغة ترومان، أو صيغة نيكسون،
مقابل صيغة ستالين أو صيغة بريجنييف،
وكان ممّا قاله بوش تعبيرًا عن معالم
صيغته الجديدة للتعامل مع السـياسة
الأمنية العالمية: "إذا أردنا
تخفيض أسلحتنا النووية، فلا حاجة لنا
إلى التشاور والتفاوض مع جهة ما
كموسكو، وإذا أردنا صناعة أسلحة
جديدة، فلا يوجد ما يرغمنا على الدخول
في اتفاقات وتحالفات مع الآخرين، إن
الظروف الدولية تغيرت عمّا كانت عليه
في حقبة الحرب الباردة أو الانفراج
الدولي".
إن
بوش يعزل القرار العسكري الأمريكي
بذلك عن وعائه الأطلسي سابقًا، وعن
وعاء الانفراج الدولي منذ السبعينيات
الميلادية، ويعطيه رداء الهيمنة
الأمريكية العالمية فقط.
وهذا
بالذات ما انعكس في الكلمات الأولى
لطاقم صناعة القرار العسكري والسياسي
- الأمني الدولي، والمواقف الأمريكية
الأولى في إطار الحديث عن مشروع الدرع
الصاروخي الكوني، كما كان في منتدى
ميونيخ الأخير، أو لقاء القمة
الأطلسي - الأوروبي، أو التصريحات
الجانبية للمسؤولين الجدد في طاقم
بوش.. وهو أيضًا ما ينعكس الآن في صورة
من صور التحرّك العسكري التطبيقية،
والتي اختيرت بغداد لتكون ضحية لها،
ليس بسبب تمرّد الرئيس العراقي على
الإرادة الأمريكية فقط، بل بسبب ما
ظهر في ساحة التعامل مع قضية العراق
بالذات من معالم التمرّد الدولي على
الزعامة الانفرادية الأمريكية، أو مع
هدف واشنطن ما بين عهدي بوش الأول
والثاني، بصدد ترسيخ زعامة انفرادية
على رأس نظام دولي جديد، لا يكون لأحد
سوى واشنطن حق صناعة القرار فيه!.
بهذا
المنظور يمكن اعتبار هذا القصف
للعراق بمثابة "بالون اختبار"
لرؤية ردود الفعل الدولية من جهة، أو
بمثابة التحدي المقصود للإرادة
الدولية غير الأمريكية من جهة أخرى.
وهنا
ينبغي القول، إذا كان أسلوب التعامل
الأمريكي من منطلق الهيمنة مع قضية
البلقان، قد أدّى بالحلفاء
الأوروبيين أخيرًا إلى تمرّد علني،
فلن يؤدّي أسلوب التعامل مع العراق
الآن بما ينطوي على استعراض الهيمنة
الأمريكية دوليًّا، إلا إلى إضافة
مزيد من الأسباب للإصرار على التمرّد
أوروبيًّا – ودوليًّا - ضد الهيمنة
الأمريكية.
صحيح
أنّ الهوة الفاصلة بين القوة
العسكرية الأمريكية وسواها هوة
كبيرة، ولكن من المؤكّد أن نقاط الضعف
الذاتية واسعة الانتشار وخطيرة
التأثير في تكوين الولايات المتحدة
الأمريكية بالذات، وعلى الصعيد
الخارجي فمن شأن تراكم الأخطاء
الفاحشة من الصومال إلى فلسطين ومن
البلقان إلى العراق، أن يؤدّي عاجلاً
أو آجلاً إلى ضمور مفعول القوة
العسكرية أمام عوامل الانهيار
الذاتي، وهو ما سبق أن شهده الاتحاد
السوفييتي.
ولا
يعني ما سبق أن "الانهيار الأمريكي"
هدف مطلوب بحدّ ذاته أو يجب السعي
إليه ودعمه، فقد يكون له من الآثار
العالمية ما لا يرجوه أحد، ولكن
المطلوب استيعاب أبعاد ما تصنعه
السياسة الأمريكية الانتحارية على
هذا الطريق، ورؤية ما ينبغي صنعه
للتخفيف من وطأة تلك الآثار
عالميًّا، إذا ما أدّت السياسة
الأمريكية الأشبه بعمليات القتل
العشوائي والجماعي المفاجئة
والمعروفة في المجتمع الأمريكي، إلى
انفجار ما أو انهيار مفاجئ في هياكل
عالم الهيمنة الأمريكية أو العولمة
المتأمركة.
اقرأ
أيضاً:
|