 |
|
المتحدث باسم ابو سياف يطلب فدية رهائن |
تختلط الصورة على الكثير من
المتابعين لأحداث المسلمين في
الفليبين كلما عادت مجموعة "أبو
سياف" إلى الواجهة بعملية خطف
جديدة.. فهل يمثل هؤلاء كفاح المسلمين
في ذلك الجزء من العالم؟ وهل بهذه
الطريقة يكون النضال الذي راح ضحيته
أكثر من 120 ألف مسلم ومسلمة من شهداء
مورو؟ وهل يؤيد مسلمو الفليبين هذه
المجموعة؟ الجواب باختصار عن كل هذه
الأسئلة الثلاثة هو: لا! ودعونا ننظر
إلى قصة المجموعة توضيحا لذلك، وسط
الاهتمام العالمي بآخر عمليات خطفهم
في 27/5/2001 لـ17 فليبينيا و3 أمريكان، ثم
عمليات خطف أخرى متتابعة جعلت
الحكومة تجهل العدد الحقيقي
للمحتجزين لدى المجموعة حتى تاريخ 15/6 فهل هم 28 أم 59؟!.
فعلى
الرغم من أن وسائل الإعلام
الفليبينية والآسيوية ووكالات
الأنباء العالمية قد ساهمت بشكل أو
بآخر في تشويه الصورة الحقيقة لكفاح
المسلمين في مورو وشرعيته بسبب أعمال
مجموعة "أبو سياف"، وتصوير
عملياتها على أنها ممثل لما يعنيه
الثائر أو المتمرد المسلم كما يقال –فإنه
من اللازم ذكر جميل فعل محطات وصحف
فليبينية اختلفت تعابيرها في تغطية
آخر مسرحيات الرهائن بعد تجربة
المسرحيات السابقة. وقد أعجبني وصف
بعضها إياها بـ"عصابة أبو سياف"
وهم في الأكثر "مجموعة أبو سياف"
ولا يصلوا لدرجة الـ"الجماعة"،
واتضحت الصورة لدى بعض الكتاب
الفليبينيين المنصفين حتى قال أحدهم:
"إن هؤلاء ليسوا حركة إسلامية، ولا
ثوارا مسلمين كما يسمون أنفسهم فهم لا
يمثلون الشعب الموروي الذي يضحي
أبناؤه منذ 5 قرون من أجل نيل
الاستقلال، واسترجاع حق تقرير مصيرهم
كغيرهم من شعوب العالم".
حقيقتها
وأهدافها؟!
أصعب
سؤال يدور حول هذه المجموعة ليس عما
حصل ولكن ما هي حقيقتها وماذا تريد ؟..
وهنا يشتعل الخلاف حول أصلها، ولعل
المتابع لما سارت عليه المجموعة بعد
عقد من ظهورها يصل إلى أنها اختلفت في
أعمالها وأهدافها وقياداتها عما كانت
عليه عند تأسيسها، بل وهناك الكثير
مما يقال عن انشقاقات داخلها وبروز من
احترف لعبة الاختطاف على حساب
الآخرين، بعد مقتل مؤسسها "عبد
الرازق أبو بكر الجنجلاني" في
ديسمبر 1998.
وكان
الجنجلاني قد أسس مجموعته في عام 1991
بعد رجوعه من ليبيا التي تدرّب فيها،
وقيل إنه شارك في الحرب الأفغانية
السوفيتية وبدأ حينها باجتذاب الشباب
الذي اقتنع بآرائه الفقهية
والسياسية، خاصة ممن لا يوافقون رأي
التيارات الإسلامية الأخرى، كما أنه
جمع عددا غير قليل ممن سئموا من
توجهات جبهة تحرير مورو الوطنية
برئاسة "نور ميسواري" بعد توقيعه
اتفاقية سلام مع الحكومة الفليبينية،
وتشرذم تنظيمه الذي ما يزال يعاني من
انشقاقات شديدة وضعف في التأييد
وفقدان للقوتين العسكرية والشعبية.
الشعار
في واد.. والأنشطة في واد آخر!
وكان
الشعار الذي رفعه الجنجلاني – الذي
مات وهو في الأربعينيات من عمره - هو
إقامة دولة إسلامية في جنوب
الفليبين، وهو نفس هدف جبهة تحرير
مورو الإسلامية على مدى ربع قرن . ومنذ
10 سنوات بدأ العالم يسمع به إثر عملية
تفجير راح ضحيتها امرأتان أجنبيتان،
وتوالت بعدها عمليات التفجير والنسف
والاغتيالات والخطف والسلب والنهب
والقرصنة ...إلخ من أعمال جعلت مسلمي
الفليبين -قبل غيرهم- يتساءلون عن
وجهة هذه المجموعة التي سمت نفسها بـ"الحركة
الإسلامية" مع أنها لم تستطع
الظهور بأي منهج وفكر واضحين، ولا
نشاطات تنظيمية أو قاعدة جغرافية
مستقرة يمكن من خلالها الوصول إلى
هدفها المعلن الكبير.
وظل
أفراد المجموعة طوال السنين الماضية
يتنقلون بين جزر وسواحل وغابات
باسيلان وصولو وطاوي- طاوي الواقعة في
أقصى الجنوب الفليبيني، ولا يعرف عدد
أعضاء المجموعة على وجه التحديد،
ويظهر من خلال أعمالها أنها موسمية
لحد كبير؛ حيث يتراوح عددها بين عشرات
أحيانا، ومئات. ويقدر بعض المصادر
الاستخباراتية أن أعلى عدد من
المؤيدين استطاعت المجموعة حشده هو
1500 شخص؛ وهو ما يجعل من المستحيل وصول
المجموعة إلى هدفها الذي قال مؤسسها
إنها ظهرت من أجله!، ومع مرور الأيام
أصبحت المجموعة تُعرف باسم جماعة "أبو
سياف" التي يقول بعضهم إنها كنية
مؤسسها.
أصل
المشكلة في باسيلان
ومع
أن الحكومة تبحث عن أية علاقات خارجية
"إرهابية" تغذي المجموعة وربما
تكون موجودة بالفعل إلا أن جذور
المشكلة تعود إلى "باسيلان"
الجزيرة التي نشأ فيها وترعرع كثير من
قادتها في جنوب الفليبين؛ حيث هيأت
الظروف البائسة ظهور مثل هذه
المجموعات التي احترفت الخطف ونسيت
الهدف الذي تأسست من أجله، ويعرف عن
باسيلان في أقصى الجنوب الفليبيني
أنها في أقصى الاهتمام والسيطرة
الحكومية أيضا، ولها تاريخ طويل من
الحروب بين العائلات والقبائل
والحكومة والسكان. والفقر فيها سمة
الكثير من سكانها و75% من غذائها يُجلب
من خارجها، ثم إن المشكلة الأخرى –
كما يقول المنصر الفليبيني "أنجيل
كالفو"- هي أن المسلمين "الياكان"
يشكلون 71% من السكان، لكن الأقلية
النصرانية تسيطر على 75% من أراضيها
وأعمالها التجارية أيضا، ومنذ عقود
والشركات الأجنبية والفليبينية
تسيطر على الثروات لتصدرها، ومعظم
المستفيدين من قوانين الإصلاح
الزراعي والإقطاعي من نصارى الجزر
الشمالية الذين استجلبهم الاستعمار
الأمريكي ليعملوا في شركاته بدلا من
توظيف السكان الأصليين المسلمين، حتى
إن النائب البرلماني "عبد الغني
صلاح الدين" يقول: إنه منذ عام 1986 لم
تتسلم الجزيرة ميزانية تنمية، ولم
تتدفق أموال تظهر اهتمام مانيلا
بالسكان الذين صاروا ضحية إهمال
الحكومة وتناحر أصحاب المصالح.
والحديث
عن الوضع في باسيلان وما شابهها من
جزر الجنوب ليس من باب تبرير أعمال
"أبو سياف" ولكنه إشارة مهمة
للحكومة الفليبينية أكدها العديد من
السياسيين الفليبينيين ذوي النظرة
الثاقبة، والشخصيات الإسلامية على أن
حل مشكلة "أبو سياف" ليس في
مواجهتها عسكريا ولا بدفع أموال لها
ولكنها بمعالجة مانيلا لمشكلة
المسلمين الجنوبيين جذريا.
وبالنسبة
لسكان باسيلان فإن كل عملية لـ"أبو
سياف" تعني الفواجع والمآسي وحظر
التجول- غير المعلن حتى لا تزيد صورة
الفليبين تشوها!- بسبب المواجهات
العسكرية للجيش الذي يقتحم القرى
والبلدات باحثا عن رائحة لـ"أبو
سياف"، وقد تأكد من عمليات العام
الماضي حسب ما سجلته جمعيات حقوق
الإنسان حدوث انتهاكات عديدة في مثل
هذه الظروف بحق المدنيين .
إقحام
اهتمام واشنطن
ولن
تجد الحكومة حلا في بحثها عمن تتهمه
من أجانب كما اتهمت إيرانيًا
ولبنانيًا كانا في المنتجع الذي
اختطفت منه "أبو سياف" رهائنها
الحاليين في 27/5 اللذين ردا على
الاتهام، ولم تجد الحكومة من دليل
ضدهما خاصة بعد انتقاد السفارة
الإيرانية لهذا الاتهام، لكن تدويل
"أبو سياف" لعملياتها أصبح هو
هدفها الأول، وعندما لم يكن من حظها
رهينة أمريكية في اختطاف عام 2000 حيث
كان المخطوفون وقتها أوروبيين
وآسيويين، استهدفت أمريكيين هذه
المرة، وأقحمت الولايات المتحدة في
مواجهتها، ولم تتردد واشنطن أبدا في
إرسال فريق إلى قصر الرئاسة
الفليبيني ليعرضوا توفير أجهزة تقنية
عالية للمراقبة والتتبع الأرضي
والجوي للجبال المغطاة بالغابات
الكثيفة، والتعاون الاستخباراتي كما
أكد ذلك الجنرالات الفليبينيون، وهو
ما رحب به أعضاء الكونجرس الفليبيني
تجاه عرض من حليفتهم الغربية الأولى.
وقد
بعث كل من إدارة التحقيقات
الفيدرالية ووكالة المخابرات
المركزية الأمريكيتين بخبرائهما
ومستشاريهما لإعانة الجيش
الفليبيني، كما عمل الأمريكان على
مراجعة ملفات وسجلات العابرين
للمطارات الفليبينية ومراقبة العرب
والمسلمين منهم، كما أن التدريبات
العسكرية بين الجانبين مستمرة،
وبعضها يشارك فيها 1200 جندي أمريكي في
مناطق قريبة من أحداث الرهائن !،
وشوهدت حتى الآن من قبل السكان 12
طائرة أمريكية تحوم في أجواء منطقة
الأحداث التي تزيد مساحتها عن 300 كم
مربع على الأقل.
خبرة
في تجارة الخطف!
وقد
أبدت مجموعة "أبو سياف" مهارة في
الهرب من مخالب الجيش داخل المدن وفي
الغابات وربما وجدت داخله من يتعاون
معها! وجلوريا تعرف جيدًا ما يعني أبو
صبابا المتحدث باسم "أبو سياف"
حينما قال: "الحكومة تريد منا
الاستسلام دون شروط؟ هل جُنّت؟ وإذا
كنتم تظنون أنكم تستطيعون ملاحقتنا
في الغابات الجبلية لتنهونا فأنتم
مخطئون".
ومن
الناحية المالية تكسب المجموعة من
عمليات الخطف ما يزيد عن ميزانية
وحدات الجيش التي تواجهها، فالمجموعة
استطاعت بالأموال التي حصلت عليها –
وأبرزها ما حصلت عليه في العام الماضي
وتقدّر بـ 5.47 ملايين دولار وزعت على 13
قائدًا لها– أن تشتري أسلحة وتشتري
ولاء المسؤولين والشخصيات، وحتى
القرويين الفقراء ليتعاونوا معها في
تحركاتها وشراء طرادات مائية ودرجات
نارية و3000 لغم من الأسواق المحلية،
وأن تدفع رواتب لمن ينضم إليها من
الشباب العاطل واليائس والحاقد على
الحكومة في نفس الوقت، وهذا ما جعل
أسعار السلاح ترتفع في صولو
وباسيلان، بل وعرضت عليها عصابات
أخرى أن تتفق معها في عمليات خطف
وتزويدها بالمعلومات والتنقل
والحماية وغيرها فهي تجارة إذن !،
وهذا ما جعل المجموعة تطلب فدية قدرها
10 ملايين بيسو لكل رهينة بدلا من أن
تتبع أسلوب الاختطاف الماضي الذي ظل
قادتها فيه يرددون بعض المطالب
القومية بجوار مطالبهم المالية.
"وحش" ينتهك حرمات الله!
ومع
استمرار عملها تستمر عملية الإساءة
للإسلام فالشخصيات الإسلامية وحتى
عامة المسلمين في الفليبين لا
يتعاطفون مع المجموعة التي لم تنفعهم
في شيء، وجبهة تحرير مورو الإسلامية -
بعد اعتبار المجلس الاستشاري الشعبي
الثاني لشعب مورو إياها ممثلة رسمية
لشعب مورو يوم 3/6/2001- كررت استنكارها
لأعمال المجموعة، بل وشددت لهجتها
أكثر من السابق بعد أن اتضح تحول
المجموعة إلى عصابة خطف وابتزاز،
ووصف قادة الجبهة "أبو سياف"
بأنها "غير الإسلامية وغير إنسانية
في أعمالها.. وإننا نستنكر أعمالهم
ولا نوافقهم في عمليات خطف الأبرياء؛
فحل المشكلة لا يكون باختلاق أخرى..
وهم صورة مصغرة لإفرازات مشكلة
المسلمين في الجنوب".
وترى
العديد من الشخصيات المسلمة أن
الحكومة أخطأت في التعامل مع
المجموعة ودفع أموال تفتدى بها
المخطوفين، ويقول البروفيسور "أبو
هود سيد لينغا" رئيس منظمة العلماء
والمهنيين المسلمين: "إن المجتمع
المدني لشعب مورو يستنكر كل أشكال
الخطف والاعتداء وانتهاكات حقوق
الإنسان، فهذه أعمال ليست ديمقراطية
و لا إنسانية".
كما
ترمي الجبهة الإسلامية اللوم على
الجيش الفليبيني في تحويل صورة
المجموعة إلى "وحش كاسر" حسبما
يقول "غزالي جعفر" نائب رئيسها
للشؤون السياسية الذي أكد أن لديهم
معلومات موثقة من مخابرات الجبهة بأن
رجالا من الجيش الفليبيني قد
استفادوا من الـ476 مليون بيسو التي
حصلت عليها المجموعة في عملية خطف
سابقة، وقال: "على الرغم من أن
الجيش قد جعل من "أبو سياف" شبحا
ليلقي بظلاله على جبهتنا، لكنهم
بجهلهم حولوها إلى "وحش" ينتهك
حرمات الله وتعاليمه كلها"، قائلا
بأن لديهم أدلة تثبت تورط الجيش في
تهيئة الأجواء للمجموعة التي "تهدف
من عمليتها الأخيرة الظهور إلى
الساحة الدولية مرة أخرى"، مستنكرا
استمرار اتهام الحكومة للجبهة بإعانة
"أبو سياف" بدون دليل، وهنا
يُطرح سؤال عن حقيقة تهمة استفادة
الرئيس إسترادا والمفاوضين في عملية
اختطاف عام 2000 بأخذهم لـ 50% من الفدية
المقدمة لهم سابقا؟.
تابع
في الموضوع:
أبرز عمليات
مجموعة "أبو سياف" الفليبينية
(1991-2001)
اقرأ
أيضًا:
|