|
استقبل
الرئيس السوري بشَّار الأسد يوم 15-8-2001م
في دمشق رئيس الوزراء اللبناني رفيق
الحريري، كما يستقبل يوم 21-8-2001م وليد
جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي
في لبنان، وفي اللقاءين يبحث الرئيس
الأسد مع المسؤولين اللبنانيين الوضع
في لبنان والعلاقات السورية -
اللبنانية، التي شهدت على مدى الأشهر
الماضية نقاشًا، تنوعت، وتأثرت،
وتعددت الأطراف التي دخلت على خطه.
ولقاء
الرئيس بشَّار مع الرئيس الحريري،
ومع النائب وليد جنبلاط، خطوة أخرى في
سياق التعاطي السوري الجديد أو
المجدد مع الموضوع اللبناني،
والعلاقات السورية - اللبنانية؛ إذ –
وقبل استقبال الأسد للحريري بيومين
اثنين – كان الأسد أعلن موقفًا
قويًّا حيال التطورات الداخلية في
لبنان، فأعلن وقوف سوريا الحاسم إلى
جانب الرئيس اللبناني إميل لحود،
وإلى جانب قيادة الجيش، وهما الأقرب
داخل تركيبة الحكم إلى تأييد استمرار
الوجود السوري في لبنان، ضد التحركات
التي تقوم بها المعارضة المسيحية
بقيادة القوات اللبنانية وتيار عون
وتجد لها سندًا ودعمًا متفاوت القوة
والتأييد في عداده يندرج النائب
جنبلاط ورئيس وزراء لبنان رفيق
الحريري.
وخطوة
الرئيس الأسد، لم تكن منفصلة عن
التطورات اللبنانية الأخيرة، التي
سعت من خلالها القوى المعارضة للوجود
السوري في لبنان إلى تسخين الوضع في
ضوء زيارة البطريرك الماروني نصر
الله صفير إلى الجبل، ولقائه الوزير
جنبلاط في إطار مصالحة تاريخية جديدة
بين الموارنة والدروز، من أجل تأكيد
العيش المشترك، وهو أمر لا تعارضه
سوريا ولا السلطة اللبنانية، لولا أن
خصوم سوريا في لبنان قرَّروا توجيه
رسالة تحدٍّ لسوريا أولاً، ولأنصار
وجودها في لبنان، وعلى رأسهم العماد
إميل لحود رئيس الجمهورية والمؤسسة
العسكرية اللبنانية، وهو ما استدعى
قيام أجهزة الأمن اللبنانية بحملة
اعتقالات طالت فيما طالت رموزًا من
القواتيين (نسبة إلى حزب القوات
اللبنانية المعارض للوجود السوري في
لبنان)، وأنصار العماد ميشيل عون.
من
الحريات إلى الأمن
وقد
استغلت تلك التطورات في فتح ملفَّ
الحريات العامة في لبنان، وهو موضوع
شديد الحساسية، وفيه كثير من
التداخلات المناطقية والطائفية
والسياسية المعقدة والتي تشكل أساسًا
يقوم عليه النظام السياسي في لبنان،
لكن مفاجأة اعترافات المستشار
السياسي لقائد القوات اللبنانية
المحظور توفيق الهندي العلنية
والمباشرة بالتعاون مع إسرائيل
والاستعانة بها في إثارة موضوع
الوجود السوري في لبنان، قلب الطاولة
في وجه معارضي الوجود السوري في لبنان
من القواتيين والعونيين.
كما
خفَّف ذلك من أثر الاعتقالات التي
قامت بها الأجهزة الأمنية، وجعل
الحكومة اللبنانية توافق عليها، كما
نقل زمام المبادرة إلى جانب الرئيس
لحود والمؤسسة العسكرية للمضي إلى
الأبعد في محاسبة الذين اعتقلوا في
الحملة، وبينهم - إضافة إلى توفيق
الهندي - المنسِّق العام للتيار
العوني اللواء المتقاعد نديم لطيف،
والعضو في هيئة التيار حكمت ديب ورئيس
مصلحة الطلاب في القوات اللبنانية
سلمان سماحة، وآخرون.
سوريا
تقتنص الفرصة
وكان
من ثمار تلك التطورات، أن خطَّت دمشق
التي كانت تتابع الأحداث اللبنانية
بانتباه شديد لاقتناص الفرصة الجديدة
في اتجاهين أساسيين:
أولهما:
تأكيد موقف دمشق على لسان الرئيس بشار
الأسد "الثابت والقوي" في دعم
الرئيس إميل لحود ومؤسسة الجيش
اللبناني، التي ساهمت سوريا بفعالية
في إعادة بنائها خلال العقد الماضي،
ثم أعقب ذلك استقبال الرئيس الأسد
قائد الجيش اللبناني العماد سليمان،
وبحث معه التطورات اللبنانية
والإقليمية والعلاقات بين الجيشين
اللبناني والسوري، وجدَّد الرئيس "دعمه
للرئاسة في لبنان، وللجيش اللبناني
وللبنان حكومة وشعبًا ومقاومة في وجه
التهديدات الإسرائيلية"، معيدًا
بذلك تحديد أولويات العلاقة لصالح
مواجهة تلك التهديدات المشتركة.
والأمر
الثاني: إدارة حوار جديد مع قادة
لبنانيين، تبدأ من الأقرب وصولاً إلى
الأبعد، للبحث في الوضع اللبناني
وصلاته مع سوريا أولاً، ومع المحيط
الأبعد ثانيًا. وهكذا جاءت البداية في
استقبال الرئيس الأسد للرئيس
الحريري، ثم النائب جنبلاط، وفي ضوء
ذلك يمكن أن يتم ترتيب لقاءات القادة
اللبنانيين في دمشق، ممن لهم ملاحظات
في موضوع العلاقات السورية -
اللبنانية، أو في موضوع الوجود
السوري في لبنان.
مسؤولية
المبادرة
ويبدو
من الوقائع، أن دمشق استعادت زمام
المبادرة في لبنان، وهو أمر يضعها
أمام مسؤولية التدقيق في سياستها
اللبنانية وصياغة نمط جديد ومستقبلي
في هذه العلاقات، سواء ما اتصل
بالوجود السوري العسكري في لبنان -
وهو أمر مؤقت في كل الأحوال - أو في
موضوع العلاقات السورية – اللبنانية
وهو أمر يندرج في الإطار الإستراتيجي.
وفي
كل الأحوال تملك سوريا والرئيس
بشَّار الأسد، ليس فرصة تصحيح
العلاقات مع لبنان فقط، بل فرصة سحب
البساط من تحت أقدام معارضي الوجود
السوري، الذين يستغلون الموضوع في
السياسة الداخلية اللبنانية؛
ليدفعوا المزيد من اللبنانيين في
مواجهة سوريا.
ويندرج
ما يقوم به الرئيس بشار الأسد من
خطوات "لبنانية" في إطار محاولة
تجديد سياسة دمشق في لبنان، التي كان
في سياقها إعادة انتشار القوات في
بيروت مؤخرًا، وسحب نحو عشرة آلاف
جندي من لبنان. ولا شك أن الخطوات
الحالية، وإن لم تؤدِّ إلى نتائج
حاسمة في الوصول إلى سياسة سورية
جديدة في لبنان، فإنها ستساهم في
الوصول إلى ذلك.
اقرأ
أيضًا:
|