|
جُلُودنا
ميّتة الإحساس
أرواحنا
تشكو من الإفلاس
أيامنا..
تدور بين الزار، والشطرنج، والنعاس
هل
نحن "خير أمة أخرجت للناس"؟
هذه
أبيات شعرية استعرتها من قصيدة رائعة
للراحل نزار قباني تحمل عنوان: "هوامش
على دفتر النكسة"، قدرت أنها تلخص
إلى حد بعيد حالة الأمة المهزومة وهي
تتفرج على عربدة الصهاينة في أرض
الإسراء والمعراج، بلا حسيب ولا
رقيب، وتدنيسهم للأقصى المبارك دون
أن تقوى على تحريك ساكن.
أمة
شعوبها لاهية في بحبوحة مهرجانات
الطرب والغناء، من لبنان - رمز
المقاومة والتحرير - حيث ينظم مهرجان
"بيت الدين" على غير هدى من
تعاليم الدين، مرورا بالأردن - قائد
سفينة العرب الحالي- المشغول بتنظيم
فعاليات مهرجان جرش، وصولا إلى بلاد
المغرب التي حوّلها سخاء المال
الخليجي، المحجوب عن دعم الانتفاضة،
إلى قبلة لحوالي "مائة مطرب ومطربة"
يتناوبون على إماتة القلوب في ليالي
السمر بمدينة أكادير الساحرة الساهرة..
دون أن ننسى احتضان أرض الكنانة - في
وقت سابق من هذا العام - لأول مهرجان
عالمي للرقص الشرقي.
أما
نخبنا المثقفة، فلم تعد تقوى على
مداراة إفلاسها؛ فقد انكشف أمرها
وانكشف زيف ادعاء قيادتها للأمة، بعد
أن باتت مقطوعة الصلة بقضايا
جماهيرها، وبعد أن ارتضت عرض ضمائرها
في المزاد؛ لقاء اللهاث وراء حطام
الدنيا، وطلبا لمرضاة ذوي النفوذ
والسلطان، حتى لو اقتضى الأمر السكوت
عن مظاهر قهر بني الإنسان، والانضمام
إلى جُوقة مبرري حكم الطغيان..
الأحزاب
والمؤسسات المدنية.. في عطلة
ويسألونك
عن مواقف أحزابنا ومؤسسات المجتمع
المدني؛ فأما الأولى، فهي في عطلة عن
الاهتمام بشؤون المسلمين، وليست في
عجلة من أمرها لكي تبادر باستغلال
الحدث لأغراض انتخابية – جريا على
العادة- فأوان ذلك لم يحن بعد،
والموسم السياسي لا يزال بعيد
الانطلاق.
أما
مؤسسات المجتمع المدني، فيبدو أنها
وقفت على ظاهر اسمها، وحسبت أنها غير
معنية بأمر مقاومة الاحتلال الصهيوني
ودعم انتفاضة الشعب الفلسطيني البطل..
فلربما أفقدها ذلك صفتها المدنية
وألبسها لبوس العسكر؛ مستنكفة بذلك
عن اقتفاء معالم مجتمع مدينة الرسول
صلى الله عليه وسلم، حيث سريان روح
التضامن والتآخي في أرقى صورها،
والالتزام المبدئي والتعاقدي بنصرة
المظلومين، والذود عن بيضة المجتمع
الإسلامي، وحماية مكوناته على تباين
انتماءاتها الدينية.
فضائياتنا
تتراقص على دماء الفلسطينيين
والمُشاهد
شاهد على تهافت إعلامنا الذي مرد على
العيش في غفلة عن قضايا أمتنا
المصيرية، حتى إذا ما أُرغم على
ملامستها فعل ذلك على استحياء وبلا
روح، إلا ما رحم ربك من القنوات
الجادة المتفاوتة بقدرها، بين من
نذرت نفسها لخدمة مشروع المقاومة
والتحرير، وأخرى خلطت عملا صالحا
بآخر سيئ. أما السواد الأعظم من
الفضائيات العربية، فكلها ترقص على
نغمات أغاني "الفيديو كليپ"
بأذواقها الهابطة ومشاهدها العارية
من الحشمة والوقار، ولم تعد تجد متسعا
من الوقت حتى للبكاء على مآسينا
وأحزاننا. ولك أن ترى حال قنوات ما كان
يُعرف في السابق بـ"دول المواجهة"
(مصر وسوريا والأردن ولبنان) لتلمس
بالفعل مدى استعدادنا لمواجهة
الأخطار المحدقة بأمتنا، ورغبتنا في
دعم إخواننا المستضعفين في الأراضي
المحتلة.
حكامنا..
مآسي الأمة
أما
حكامنا، فليسوا بدعا من شعوبهم، ولا
استثناءً من بني قومهم، بل هم أوضح
تعبيراً عما آلت إليه مآسي أمتهم،
وحسبنا ما ينطق به لسان حالهم: يكتفون
بمناشدة الولايات المتحدة التدخل
لإنقاذ المنطقة من السقوط في دوامة
العنف والعنف المضاد وتبخر أوهام
السلام، ولا يجدون غضاضة في التعامل
مع المسؤولين الصهاينة والتعهد بمنع
مد أبناء الانتفاضة بأسباب الصمود،
ونجاحهم في الحيلولة دون تسريب
السلاح إلى المجاهدين الأبطال. ويرون
أنهم في صف واحد مع الأمريكيين
والإسرائيليين ضد "الإرهاب".
أما
موقف منظمة المؤتمر الإسلامي التي
أنشئت أساسا لإنقاذ المسجد الأقصى -
ناهيك عن موقف لجنة القدس المنبثقة
عنها- فهو موقف متخاذل لدرجة نخشى
معها أن يصدق عليها المثل الإسرائيلي
القائل: "إذا أردت أن تقبُر قضية
فاجعل لها لجنة".
لماذا
نستغرب إذن عربدة الصهاينة في فلسطين
– وهم يرون في هذا الوهن الذي ينخر
جسم الأمة أكثر من ضوء أخضر للمضي في
اقتراف المزيد من الجرائم في حق شعب
أعزل لا حول له ولا قوة إلا بعون من
الله ومدده؟!!
أمة
كغثاء السيل
لقد
فبرك قادة الصهاينة سيناريو جديدا
لتدنيس ساحة المسجد الأقصى، وأسندوا
مهمة تنزيل مشاهده على أرض الواقع
لعناصر ما يسمى بمنظمة "أمناء جبل
الهيكل" المتطرفة، وتحت حماية
وحدات الجيش والشرطة الصهيونيين، ولم
يجدوا أمامهم سوى أهل بيت المقدس
الذين لم يبخلوا بأنفسهم عن الدفاع عن
أولى القبلتين، نيابة عن تعداد غثائي
يزيد عن المليار من المسلمين؟
غياب
أي رد فعل يُذكر – على جريمة تدنيس
ساحة الحرم القدسي – شجع حكومة شارون
على المضي قدما في مخططها العدواني
بالإمعان في ضرب القادة الميدانيين
للانتفاضة ونشطائها البارزين؛ فكان
الاستهداف الأخير الذي طال المقر
الإعلامي لحركة حماس بمدينة نابلس
عاصمة المقاومة بالضفة الغربية، حيث
حصدت المجزرة الصهيونية قياديين
بارزين في الحركة، إضافة إلى ستة
شهداء، بينهم طفلان.
ومع
ذلك، لم نر من حكامنا إلا المواقف
الانهزامية والمحبطة وهم يتباكون على
باب "ماما أمريكا"، لعلها تتفضل
بالتدخل إنقاذا لموقفهم الحرج قبل أن
تنفلت الأمور من العقال المنصوبة. كما
لم نسجل أي تململ للشارع العربي
والإسلامي، ما خلا بعض التحركات
الخجولة. ومرة أخرى، افتقدنا نخبنا
السياسية التقليدية، وغابت عن
الأنظار الزعامات المصنوعة- بفضل
الإعلام الموجه والقيادات المنفوخة
بهواء الخطب النارية- ولم نجد في
الميدان من يلبي نداء الثكلى في أرض
الإسراء والمعراج: "واإسلاماه...!"
ولم نجد من يهب لنجدتهم، وصمت الآذان
عن أنين الأقصى المبارك الواقع في أسر
الاحتلال الغاصب، في ظل تعالي أصوات
الموسيقى الصاخبة ونهيق الأغاني
الهابطة.. ولسان حال الأمة يقول على
لسان الزجال المصري أيمن جودة:
|
اضرب
براحتك يا خواجه |
ضميرنا
جوا الثلاجة |
|
يا
أمة مش نافعة في حاجه |
من
المحيط حتى الدوحة |
|
كراسي
قاعدة على كراسي |
ومآسي
بتجر مآسي |
|
والمر
فايض من كاسي |
يملا
القلوب المجروحة |
تساءلت
مع نفسي: هل نستسلم لمشاعر الإحباط،
ونكتفي بترقب بزوغ الفجر المنتظر؟ هل
سنظل نحلم بمجيء الفرج على أيدي
قيادات مفتقدة لبوصلة الاهتداء؟
أيمكن المراهنة على تغيير تقوده
زعامات ليس لها من الزعامة إلا الاسم،
ولا تملك من الولاء الشعبي إلا الصراخ
والهتاف؟
أيعقل
أن ننتظر أحزابنا العليلة حتى تتماثل
إلى الشفاء من النخبوية والبعد عن
هموم جماهير الأمة، وتتذكر واجبها
تجاه أولى القبلتين؟ أم ننضم نحن
بدورنا إلى جوقة المخلّفين من هواة
البحث عن الأعذار والإلقاء باللائمة
على الأغيار؟
ما
المانع من النسج على منوال الصهاينة
الذين خرج من بينهم أمناء على هيكلهم
المزعوم، فيكون من بيننا تنظيم يحمل
اسم "حماة الأقصى" همّه الوحيد
هو العمل على إنقاذ مسرى النبي صلى
الله عليه وسلم، متوسلا إلى ذلك بكل
الطرق المشروعة؟
هي
المبادرة إذن من دون انتظار،
والإقدام لطلب المعالي من دون إحجام،
وتحمل المسؤولية بدل الهروب منها،
شعارنا في ذلك قول الشاعر الفلسطيني
سليم سعيد:
يا
رب وفقني على درب الشهادة والأملْ
هو
ذا مصيري لن يغيّرني تخاذل من خذلْ
عارٌ
علينا أن نموت من البدانة والكسلْ
عار
علينا أن تخدّرنا المُدامةُ
والقُبَلْ
عار
علينا أن نطوِّف في العواصم إثر حلْ
والحل
تصنعه الحجارة في يدي طفلٍ بطلْ.
|