 |
|
شيراك ..عينه على المغرب العربي |
على الرغم من تردد العديد من المسؤولين الفرنسيين المتكرر على العواصم المغاربية الثلاثة: تونس والجزائر والرباط، ومتابعتهم الدقيقة لشؤون المغرب العربي والتطورات الجارية فيه على كافة الأصعدة، فإن زيارة الرئيس جاك شيراك على النحو الذي جرى مؤخرا يومي 1 و2 ديسمبر 2001 - أي زيارته للدول الثلاثة في جولة واحدة - كانت الأولى من نوعها منذ وصول الزعيم الديغولي إلى قصر الإليزيه سنة 1995، وهو ما يعكس دقة الوضع الدولي بشكل عام، والخطر الذي يستشعره المسؤولون الفرنسيون على مصالحهم الدولية والإقليمية في هذه المنطقة خصوصا.
لقد
قدم شيراك إلى عواصم المغرب العربي في
زيارته الأخيرة، وعينه على مسألتين: أولاهما
ضمان بقاء الدول الثلاثة في إطار
يسمح لباريس بالتأثير على مواقفها
فيما يتعلق بالقضايا الدولية
المتفجرة، وفي مقدمتها قضية الحرب ضد
الإرهاب، وثانيهما ضمان
استقرار هذه الدول، باعتبار أن هذا
الاستقرار جزء لا يتجزأ - برأي
الفرنسيين - من استقرار بلدهم، حيث
يعيش قرابة خمسة ملايين مسلم في
فرنسا، وكثيرا ما نُظر إليهم على أنهم
خزان بارود قابل للانفجار في أي وقت.
وقد
تحرك شيراك في زيارته المغاربية، ضمن
المحددات التقليدية للسياسة
الفرنسية في المنطقة، التي تقوم
أساسا على الدفاع عن المصالح
الفرنسية المتعددة في المغرب العربي. لكن
ذلك لم يكن ليحجب ظهور دوافع جديدة
لمثل هذه الزيارة، انبثقت بالدرجة
الأولى عن أوجه الصراع البارد القائم
بين باريس وواشنطن على النفوذ في شمال
أفريقيا، كما لم يكن لينأى عن مجموعة
من الأزمات العالقة بين باريس
والعواصم المغاربية، جراء خلاف حاد
في وجهات النظر حول قضايا ساخنة لا
يمكن تجاهلها.
محددات
السياسة الفرنسية في المغرب العربي
بحسب
"كاثرين كولونا" الناطقة
الرسمية باسم الرئاسة الفرنسية، فإن
زيارة شيراك إلى الدول المغاربية،
تندرج في إطار ما يعرف بـ"الحوار
السياسي المنظم" الذي دأبت فرنسا
على إجرائه مع قادة المنطقة على أعلى
المستويات، خصوصا أن دول المغرب
العربي الثلاثة ترتبط كل واحدة منها
باتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوربي،
فضلا عن العلاقات الخاصة التي ترتبط
فرنسا بها - تحديدا مع تونس والجزائر
والمغرب - منذ أن كانت هذه الدول
مستعمرات يديرها الفرنسيون بشكل
مباشر.
وعلى
الرغم من بروز مؤشرات على اندراج
مواضيع أخرى على أجندة الرئيس
الفرنسي - من خارج إطار العلاقات
الثنائية، من قبيل الحرب الأفغانية
وما يسمى بالحرب ضد الإرهاب - فإن
المؤكد -كما سطر ذلك أحد المحللين
السياسيين- "أن جولة شيراك
المغاربية الأخيرة لم تحقق اختراقا
نوعيا في علاقة باريس بالضفة
الجنوبية للمتوسط، اللهم ما حدث في
الجزائر من استقبال شعبي للرئيس
الفرنسي الذي دعا إلى التخلص من عبء
التاريخ في علاقة الدولتين".
ويصب
هذا القول في اتجاه تأكيد الفكرة
القائلة، بأن فرنسا ستظل حبيسة
محددات ثلاثة في صلاتها بالدول
المغاربية. وهي محددات مرتبطة عموما
بمصالح فرنسا، لا بمصالح المستعمرات
السابقة، التي تطالب دائما بأن تظل
متخلفة وفقيرة ومستقرة في الوقت
ذاته، وهذه المحددات هي كما يلي:
أ)
المصالح الاقتصادية والجيو-إستراتيجية
يعتبر
المغرب العربي منطقة نفوذ اقتصادي
فرنسي منذ 1831، تاريخ احتلال فرنسا
للجزائر. وعلى الرغم من تفريطها في
إدارة المنطقة المغاربية بشكل مباشر -
كما كان الشأن إبان الحقبة
الاستعمارية - فإن فرنسا استطاعت أن
تبقي تونس والمغرب والجزائر ضمن
فلكها الاقتصادي من خلال آليات ما
يعرف بـ"الاستعمار الجديد" أو
"الاستعمار غير المباشر"، الذي
يعتبر من حيث الجدوى أكثر فائدة
لفرنسا من الاستعمار القديم أو
التقليدي.
وتنظر
فرنسا إلى المغرب العربي على أنه خط
أحمر في نفوذها الدولي، مستعدة لخوض
الصراع من أجله، حتى لو كان منافسها
طرف في حجم الولايات المتحدة
الأمريكية، التي حافظت بدورها على
أوراق هامة في السياسة المغاربية منذ
الحرب العالمية الثانية، معوضة بذلك
بريطانيا العظمى التي كانت طيلة
القرن التاسع عشر منافسا قويا
للمطامع الفرنسية في شمال أفريقيا.
وتمتلك
فرنسا اليوم شبكة كبيرة من المصالح في
المغرب العربي، في مقدمتها المصالح
الاقتصادية، حيث تتصدر الدولة
الفرنسية قائمة الشركاء والمستثمرين
على السواء، في الدول الثلاثة، بنسبة
تناهز الثلث (30%) في أرقام المبادلات
والاستثمارات، كما تعد زبونا هاما
للجزائر في مجال المحروقات، ولتونس
في مجال السياحة وزيت الزيتون،
وللمغرب في الصادرات الزراعية
والنسيج وبعض مشتقات الفوسفات.
وتتقدم
فرنسا على الولايات المتحدة في
المضمار الاقتصادي المغاربي، كما
تتقدم عليها في جوانب أخرى؛ فيلعب
تاريخ العلاقات المشتركة الطويل بين
باريس والمغرب العربي دور المرجح
لصالح فرنسا.
غير
أن الأهمية الجيو-إستراتيجية للمنطقة
المغاربية، وروابطها القوية بمنطقة
الشرق الأوسط، باعتبارها جزءا من
العالم العربي والإسلامي، عادة ما
تشكل دافعا قويا للولايات المتحدة
للبقاء منافسا قويا ومزعجا للسياسة
الفرنسية في المنطقة، خصوصا بعد
انسحاب المنافس السوفيتي من الحلبة،
وبروز طموح "عولمي" أمريكي خلال
التسعينيات، وجه الكثير من الضربات
المؤلمة لفرنسا في مناطق كثيرة كانت
تعدها مناطق نفوذ تقليدية، من بينها
دول غرب أفريقيا، التي يعتبر المغرب
العربي بوابة الفرنسيين الجنوبية
إليها.
وللحفاظ
على المغرب العربي منطقة للنفوذ، ومن
ورائه منطقة الغرب الأفريقي، التجأت
فرنسا في سنوات التسعينيات إلى لعب
وظيفة محامي "الدول المغاربية"
لدى الاتحاد الأوربي، الذي أصبح جراء
ذلك يعيش حالة استقطاب بين ألمانيا
التي تطمح إلى إلحاق دول شرق ووسط
أوربا بالمجموعة الاتحادية، فيما
تعمل فرنسا على انتزاع بعض المصالح
لمستعمراتها القديمة في الضفة
الجنوبية للمتوسط.
وقد
نجحت السياسة الأوربية لفرنسا نسبيا
في توقيع اتفاقية شراكة مع الدول
المغاربية، اعتبرت من قبل أنظمتها
الحاكمة نجاحا منقطع النظير، لكنها
لم تكن في نظر العديد من الخبراء سوى
بالونات للفرقعة السياسية، لأنها
عمليا كانت مجحفة في حق المغاربة،
الذين وقّعوا عليها - بالرغم من عناصر
الوحدة الكثيرة التي تجمعهم - وهم
منقسمون على بعضهم، فيما وقّعها
الأوربيون - المفتقدون لأي عناصر
وحدوية - وهم موحدون ومتضامنون.
ب)
الفرنكوفونية
القلق
الفرنسي حيال نفوذ باريس في المغرب
العربي ليس قلقا اقتصاديا
وإستراتيجيا فحسب، بل هو قلق ثقافي
وأمني أيضا. ففرنسا ترتبط بالمنطقة
المغاربية بصلات داخلية وخارجية
وثيقة، لا يمكن تجاوزها بسهولة. وقد
بدا تأثيرها كمحدد للسياسة الخارجية
واضحا، في الكثير من اللحظات، وخصوصا
في لحظات الأزمات الدولية الكبرى،
كما كان عليه الحال في حرب الخليج
الثانية، أو خلال حرب أفغانستان
الحالية.
وقد
أكد الراحل "شارل ديغول" الرئيس
الفرنسي مؤسس الجمهورية الخامسة، على
أهمية العناصر الثقافية والاجتماعية
في تدعيم مصالح فرنسا في المنطقة
المغاربية، حيث دعا الفرنسيين (حين
قرر منح الجزائر استقلالها عام 1962)
إلى الإبقاء عليها "فرنكفونية" (ناطقة
بالفرنسية) إن أرادوا الحفاظ على تدفق
بترولها في قنواتهم، وهيمنة سلعهم
على سوقها.
ويسري
أمر الفرنكفونية على الحالتين
التونسية والمغربية أيضا، حيث ما
تزال فرنسا تعمل على الحفاظ على هيمنة
النخب الناطقة بالفرنسية على مراكز
القرار، انطلاقا من قاعدة "أن خير
مكان يحافظ على مصالح فرنسا في المغرب
العربي، هم المغاربة الناطقون
بالفرنسية والمؤمنون بما يسمى قيم
الحضارة الفرنسية، وعلى رأسها
العلمانية".
ج)
المهاجرون
وبالإضافة
إلى الهم الفرنكفوني الذي تحمله
فرنسا على الصعيد المغاربي، أبرزت
الأزمة الطاحنة - التي بدأت تعيشها
الجزائر منذ بداية التسعينيات - هماً
آخر للساسة الفرنسيين، كثيرا ما أقلق
مضجعهم في السنوات الأخيرة.. وليس هذا
الهم سوى الملايين الخمسة من
المهاجرين من المغرب العربي، الذين
استوطنوا فرنسا، وتحولوا إلى مواطنين
في دولتها.
ويبدي
الكثير من الساسة الفرنسيين انزعاجهم
من أن يشكل المهاجرون المسلمون فيها
قواعد خلفية لما يسمونه بـ"الإرهاب"،
خصوصا مع ظهور مؤشرات تدل على أن ولاء
هؤلاء المهاجرين ما يزال لأمتهم
الأصلية، وأن نقمة بعضهم على مستعمر
بلدانهم السابق لا تقل عن نقمة شعوب
بلدانهم التي ينحدرون منها، والتي ما
تزال تنظر لفرنسا بعين الريبة والشك
في نواياها إزاء واقعهم ومستقبلهم.
من
هذا المنطلق، فقد حرص الرئيس شيراك
خلال زيارته المغاربية، أو قبلها،
على التأكيد على تفريقه بين الإرهاب
والإسلام، وعلى أهمية أن تلتزم
السلطات الفرنسية في سلوكها مع
المهاجرين المسلمين بهذا التفريق،
غير أن لا شيء في الواقع يشير إلى وجود
حرص فرنسي أو أوربي أو غربي على
التزام ما يتم التصريح به.
تجليات
السياسة الفرنسية في المغرب العربي
إن
الحديث عن وجود نفوذ فرنسي كبير في
منطقة المغرب العربي، لا يعني
بالتأكيد خلو العلاقات الفرنسية-المغاربية
من أزمات ومنغصات، ترجع بالدرجة
الأولى إلى عاملين اثنين: أولهما
يخص فرنسا، ويتعلق بطبيعة نظامها
السياسي التعددي، الذي كثيرا ما يبرز
للسطح مواقف سياسية متباينة حيال
الموقف من هذه القضية أو تلك من
القضايا المغاربية؛ وثانيهما يتصل
بالدول المغاربية في حد ذاتها، التي
تبدو مصالحها في أحيان كثيرة في تقاطع
صارخ مع المصالح الفرنسية، بما لا يدع
مجالا أمام الأنظمة إلا إعلان نوع من
العصيان إزاء المستعمر القديم، سرعان
ما يثبت أنه مؤقت لا يقدر أهله على
المقاومة.
ومن
المفارق برأي بعض المحللين، أن تكون
المعوقات التي تظهر في مواجهة
السياسة الفرنسية في المغرب العربي،
ليست سوى تجليات لهذه السياسة، ومن
هذا الأمر ما يظهر في الحالتين
التاليتين:
أ)
حقوق الإنسان والحريات العامة
لقد
اضطر الرئيس الفرنسي جاك شيراك في
زيارته إلى تونس والجزائر والمغرب،
إلى الحديث مع زعماء هذه الدول حول
تحفظات فرنسية إزاء الكثير من
الخروقات والانتهاكات التي ترتكبها
الأنظمة والسلطات المغاربية في مجال
حقوق الإنسان والحريات العامة. وكان
مصدر الاضطرار وجود حكومة اشتراكية
إلى جانب رئاسة يمينية في فرنسا،
بالإضافة إلى ضغط المنظمات الفرنسية
غير الحكومية -أو الدولية التي يوجد
مقرها في فرنسا-، والتي تتمتع بهامش
كبير للتعبير عن مواقفها، وقدرة لا
بأس بها في الضغط على مراكز القرار
السياسي وتوجيه الرأي العام، الذي
يبدو في غاية الأهمية بالنسبة للرئيس
شيراك، الذي لم يبق له على موعد
الانتخابات الرئاسية سوى ستة أشهر.
ويظهر
مفارقا أيضا، أن الأنظمة القائمة في
المغرب العربي، إنما تعتمد بشكل كبير
على مباركة ومساندة باريس، لتوجهاتها
الديكتاتورية والشمولية غير العابئة
بالحريات الأساسية لشعوبها،
والمستهترة بشكل يفوق كل التصورات
بحقوق الإنسان والمواطنة. ففرنسا
التي تنتقد الأنظمة المغاربية لخرقها
حقوق الإنسان، هي ذاتها فرنسا التي
تحمي هذه الأنظمة وتحرص على
استمرارها؛ وهي في وجهيها تخدم
بالدرجة الأولى ما تسميه بمصالحها
القومية العليا.
ب)
الحرب القذرة ومشكلة الصحراء
لقد
ثار الساسة الفرنسيون - وآخرهم شيراك -
على وقوف فرنسا إلى جانب الجزائر في
محنة الحرب الأهلية أو "الحرب
القذرة" -كما يفضل البعض أن يصفها-،
وكثيرا ما لم يتردد هؤلاء الساسة في
توجيه اللوم لجنرالات الجزائر على
التجاوزات التي يرتكبونها في حق
شعبهم، في حين يدرك جل المحللين الدور
الذي لعبته باريس في الانقلاب على
الديمقراطية سنة 1992، كما يعرفون
الصلات الوثيقة التي تربط دوائرهم
بأطراف سيئة السمعة في الجزائر، ظل
دورها هو إشعال الفتنة.
ويسري
القول نفسه على طريقة تعامل باريس مع
مشكلة الصحراء المغربية، حيث ظهر
حرصها على استمرارها، فيما توحي
للمغرب خلاف ذلك. وفي الوقت الذي تبرز
فيه "مدام ميتران" زوجة الرئيس
الفرنسي السابق، كأكثر المتعاطفين مع
قضية ما يسمى بـ"الشعب الصحراوي"،
وأهم المدافعين عن حقه في تقرير
المصير في المحافل الدولية، يبدي
شيراك خطابا متعاطفا مع حق المغرب في
الحفاظ على وحدة أراضيه وسيادته
عليها، بما في ذلك أقاليمه
الصحراوية؛ وفي نهاية الأمر تصير
فرنسا الرابح على الصعيدين، الإنساني
والسياسي، فيما تبقى المصالح
المغربية مرتهنة.
اقرأ أيضًا:
|