 |
|
فورتان..
زعيم عنصري على غرار هتلر قديما
وهايدر حديثا |
أجمعت
الصحافة الهولندية في تعليقاتها على
نتائج الانتخابات البلدية التي نظمت في
6 مارس 2002، على اعتبار ما جرى "زلزالاً
حقيقيًّا" حرك الأرض من تحت أقدام
الطبقة السياسية، وأدخل الرعب في نفوس
عدد كبير من المواطنين، خصوصا
المنحدرين من بينهم من أصل أجنبي.
ووصف
الوزير الأول الهولندي "فيم كوك"
النتائج الانتخابية بأنها "بمثابة
بطاقة صفراء وجهها الناخبون للسياسيين،
لإنذارهم مما قد يحصل لهم في حال تركهم
المشاكل المطروحة دون حلول مقنعة
وملموسة".
ويعتقد
المحللون أن قطار الفائز في الانتخابات
المحلية قد انطلق لاكتساح الساحة
السياسية، والهيمنة على مراكز القرار
الإداري والسياسي في البلاد، ولن يوقفه
إلا حاجز الزمن في المدى المنظور،
وانكشاف عوراته مع انتقاله من طور
الشعارات الشعبوية التي يرفعها حاليًا،
إلى طور الممارسة العملية.
ويبدي
المسلمون فزعا أكبر من غيرهم من
المجموعات السكانية؛ لأن الفائز الذي
يحمل أفكارا عنصرية يمينية متطرفة
يستهدفهم دون سواهم، ويؤكد ضرورة إغلاق
الأبواب أمامهم، "باعتبارهم أصل
الشرور في المجتمع، ومصدر مشاكله
المستعصية، ولكون ثقافتهم متخلفة
قياسًا بالثقافة الغربية التي يجب أن
تسود البلاد بمفردها"!.
لقد
نجح "بيم فورتاون" الزعيم السياسي
العنصري الصاعد، في تحويل الانتخابات
البلدية الهولندية "حدثًا شخصيًّا"
خاصًّا به، واضطر القادة السياسيون
بمختلف مشاربهم السياسية إلى النزول
عند شروطه واللعب في ملعبه، والجلوس إلى
طاولته لمحاورته أو مفاوضته، حتى قبل أن
ينال حصته الكبيرة المنتظرة في
البرلمان والحكومة القادمين.
وقت
بروز الزعامات
ربما
مر على هولندا أكثر من نصف قرن، لم تعرف
فيها شخصية بملامح مشابهة لتلك التي
يحملها "بيم فورتاون" (المحظوظ
باللغة الهولندية)، فالشخصيات السياسية
الهولندية ميالة للرتابة كما هو شأن
الحياة السياسية الهولندية نفسها،
والهولنديون ليسوا ميالين – كبعض
الشعوب الغربية الأخرى - إلى الأساليب
الثورية والانقلابية، ويفضلون عادة "الاتفاق"
و"التسوية" و"الوسطية" وعموم
المعالجات الهادئة.
أما
"بيم فورتاون" حليق الرأس،
والمتأنق جدًّا في لباسه، فمختلف
تمامًا عن الشخصيات السياسية "الباردة"
التي بدا أن عددًا كبيرًا من الهولنديين
قد ملَّها، متطلعًا إلى قدر من الحراك
والسخونة في التعاطي مع الشؤون العامة،
وقدر من المعارك والصدامات التي تسبغ
على الحياة معنى.
وقد
أدرك "فورتاون" مباشرة بعد أحداث 11
سبتمبر أن الوقت قد حان للبروز، بعدما
يقارب عشرة أعوام من الحضور الأكاديمي
والإعلامي، فركب باقتدارٍ موجةَ
الكراهية للأجانب عامة، والعرب
والمسلمين على وجه التحديد، وطفق يجني
ما فتئت تزرعه وسائل الإعلام الغربية من
عداء وكراهية للإسلام والمسلمين،
وأهَّل نفسه للحديث باسم كتلة كبيرة من
الهولنديين الذين طالما قيل إنهم
يحسنون تورية مشاعرهم العنصرية.
لم
يجن "بيم فورتاون" سوى 17 مقعدًا من
مجموع ما يزيد عن عشرة آلاف مقعد تتكون
منها المجالس البلدية لما يناهز 456
بلدية، لكنها كانت 17 مميزة، أثقل وزنًا
من تلك العشرة آلاف المذكورة، فقد كانت
ضربة في المقتل بالنسبة لحكومة
الائتلاف "البنفسجي"، التي كانت
تعتقد أنها غير قابلة للهزيمة في "روتردام"
بالذات، المدينة العمالية التي حكمها
حزب "العمل" دون انقطاع تقريبًا
منذ الحرب العالمية الثانية.
لقد
كانت التقديرات تشير إلى إمكانية حصول
لائحة "فورتاون" في روتردام على
(8-12) مقعدًا على أقصى تقدير، وكان ذلك
قابلاً للاستيعاب من قبل جل القوى
السياسية، لكن أحدًا - حتى "بيم"
نفسه - ما كان يتوقع الحصول على 17 مقعدًا
من مجموع الـ45 التي يتكون منها المجلس
البلدي المركزي.
للديمقراطية
نقاط ضعف
حصلت
لائحة حزب "روتردام ملائمة للعيش"،
الذي أسسه "فورتاون" قبل ثلاثة
أشهر، على 34% من أصوات الناخبين في ثاني
المدن الهولندية، أي ما يفوق ثمانين ألف
صوت. وقد ذهبت الأغلبية المطلقة من
الأصوات إلى زعيم اللائحة، فيما لم يحصد
بقية الأعضاء - بما في ذلك الفائزون
الستة عشر - إلا على بضع مئات من الأصوات.
وقد
استنتج المحللون من ذلك أن تصويت
الناخبين لم يكن للحزب أو للائحة، بل لـ"بيم
فورتاون" نفسه، مما يجعله تصويتًا
مخالفًا للمعتاد في الديمقراطيات
الغربية، حيث يذهب الناخبون للتصويت
على البرامج عادة، لا على جاذبية
الأشخاص.. كما يذهبون أيضًا لتأييد من
يعتقدون أنه أهل ثقة يمكن ائتمانه على
المصالح العامة، لا لمن يرون أنه قد بدل
قناعاته الأيديولوجية والفكرية كما
يبدل ملابسه.
لم
يخفِ "فورتاون" الطابع الشخصي
لعمليته الانتخابية، فخلال الحملة
الانتخابية لم يرفع حزبه لوحاتٍ تحمل
شعاره العام – الذي لم يكن موجودًا من
الأصل - بل كانت صور "بيم" الشخصية
هي الشعار، كما لم يعلن مرشحو الحزب
العنصري عنوانًا لحملتهم، بل اتخذوا من
عبارة بيم "لأني أحب هذه المدينة"
عنوانًا.
لم
يعمد فورتاون أيضًا إلى إخفاء حقيقة أنه
لا يملك برنامجًا، سواء أكان ذلك على
الصعيد المحلي أم على الصعيد الوطني،
وصرح في أكثر من حوار تلفزيوني أنه بصدد
وضع كتاب لأنصاره، يكاد يفرغ منه،
وسيضمّنه الخطوط العامة لبرنامجه
السياسي.
ولا
يزال المحللون يتساءلون عن السبب الذي
حدا بالناخبين للتصويت لحزب لا يعرفون
من أعضاء لائحته إلا زعيمه، ويدركون أنه
حزب بلا برنامج، وليس له من فكرة واضحة
يعلمها المواطنون عنه، سوى معاداته
للمسلمين وكراهيته لدينهم وثقافتهم.
ويربط
البعض بين أمر التصويت لحزب "فورتاون"،
ونقاط الضعف التي يمكن أن تظهر على
الأنظمة الديمقراطية بين الفينة
والأخرى، فالناخبون في روتردام الذين
صوتوا لليمين المتطرف، نسوا طبيعة
مدينتهم التعددية التي تضم 160 جنسية
مختلفة، كما نسوا أهميتها الاقتصادية
باعتبارها الميناء الأكبر في العالم،
وعصب الاقتصاد في بلادهم، ولم يتذكروا
إلا كون عدد الأجانب فيها قد بلغ برأيهم
حدًّا لا يطاق، وأن هؤلاء هم السبب في
ارتفاع نسبة الجريمة والبطالة، وربما
يشكلون مصدرًا لأعمال إرهابية، كما كان
الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية.
فشل
الأحزاب التقليدية
لقد
ظهر في السنوات العشر الأخيرة، أن جزءًا
كبيرًا من الرأي العام الهولندي لم يعد
راضيًا عن سياسة "اللجوء والهجرة"
المتبعة في هولندا، والتي تجعل منها
ثاني أو ثالث بلد مستقبل للاجئين
والمهاجرين على الصعيد العالمي، بالرغم
من ضيق مساحتها (40 ألف كم مربع) ونسبة
الكثافة السكانية العالية التي تتميز
بها (400 ساكن/ كيلومتر مربع).
وقد
أظهرت الانتخابات التي أجريت سنتي 1994 و
1998، ميل قسم كبير من الناخبين للتصويت
للحزب الليبرالي (VVD)، الذي بدا ممثلا
للتشدد ضد الأجانب في حملته
الانتخابية، وخصوصًا زعيمه "فريد
بولكستاين" الذي غادر الساحة
السياسية قبل سنتين للالتحاق بالمفوضية
الأوربية، بعد أن جعل من حزبه القوة
السياسية الثانية في البلاد، تاركًا
الزعامة لـ "ديك ستال" الذي قيل إنه
"سار بسفينة الحزب في اتجاه اليسار"
خلافًا لما ترغب فيه القواعد.
ويؤكد
المحللون أن "بيم فورتاون" قد أدرك
الفراغ الذي تركه "بولكستاين" في
الساحة الهولندية، حيث كانت تصريحاته
المعادية للأجانب والمسلمين تنفس بين
الفينة والأخرى على أنصار اليمين، وعمل
على تجديد الشخصية بما يتلاءم مع الظروف
المستجدة بعد أحداث التفجيرات
الأمريكية، كما أدرك أيضًا أزمة الحزب
الليبرالي الذي فقد الكثير من قدراته في
تمثيل الرأي العام اليميني، بعد تجربة
شراكته مع حزب العمل الاشتراكي التي
دامت ثماني سنوات.
ويضيف
محللون آخرون أن الأمر لم يكن متعلقا
فقط بأزمة الحزب الليبرالي فقط، بل كان
متعلقا بسائر الأحزاب التقليدية، وعلى
رأسها حزب العمل، فغالبية الأصوات التي
جناها "بيم فورتاون" في روتردام،
كانت - برأي هؤلاء - نتاجًا لرغبة
الناخبين في "الاحتجاج" على
السياسات المتبعة من قبل الأحزاب
التقليدية الحاكمة، لا اقتناعًا ببرامج
اليمين المتطرف غير الموجودة أصلاً.
ويستشهد
أهل هذا الرأي بالنتيجة الإجمالية
للانتخابات البلدية، التي جعلت الأحزاب
المحلية القوة الثانية في البلاد، بعد
حزب النداء الديمقراطي المسيحي الذي
يقود المعارضة البرلمانية، وهو ما يعني
انحسار شعبية ما يعرف بالأحزاب
الوطنية، أي الأحزاب التقليدية المشار
إليها.
المسلمون
يتحصنون وراء مرشحيهم
يمكن
لمتابع الانتخابات البلدية الهولندية
الأخيرة أن يجمل تحليلها في
النقاط التالية:
1-
أنها
كانت انتخابات "بيم فورتاون" ذي
الشخصية الكاريزمية الشبيهة بأودلف
هتلر وألدوتشي موسوليني، ومن
المعاصرين "يورغ هايدر".
2-
أنها
كانت انتخابات الاحتجاج على الأحزاب
التقليدية، وتحديدًا تلك المشاركة في
حكومة الائتلاف البنفسجي.
3-
أنها
كانت انتخابات التصويت للأحزاب
المحلية، التي تستند في غالبيتها إلى
مرجعية يمينية متطرفة، معادية للأجانب
عامة، والمسلمين على وجه التحديد.
4-
أنها
كانت انتخابات الكشف عن التحولات
السياسية والاجتماعية والنفسية
الكبيرة المحتدمة في رحم المجتمع
الهولندي، التي تنذر بإمكانية انتقاله
من عقلية "الاتفاق" التي عرف بها،
إلى عقلية "الصدام".
5-
أنها
كانت انتخابات المرشحين المسلمين،
الذين ظهروا على لوائح أحزابهم الأكثر
شعبية، وتمكنوا بعد الإعلان عن
النتائج التفصيلية من التقدم إلى
المراكز الأولى، والنجاح في الظفر
بمقاعد في المجالس البلدية الجديدة،
على الرغم من الإعلان عشية الانتخابات
عن فشلهم في تحقيق ذلك.
وبصدد
النقطة الأخيرة، يمكن القول إن الرأي
العام المسلم في هولندا، على الأقل
الجزء المتابع للحياة العامة منه، قد
استشعر خطورة الموقف الذي يجسده "بيم
فورتاون"، وقدر أن أفضل وسيلة
لمجابهته هي التصويت بكثافة للمرشحين
المسلمين، الذين يحظون بثقة أكبر لديه،
من بقية مرشحي ما يسمى بـ"الأحزاب
الديمقراطية".. ويبدو هذا السلوك
مفهوما للمحللين، حيث عادة ما تضطر
الأزمة أهلها إلى منح عنصر "الثقة"
الأولوية.
غير
أن الملاحظ في هذا الإطار، والمفارق في
الوقت نفسه، أن نسبة إقبال المسلمين
الذين يحق لهم التصويت، لم تتجاوز الـ30%
عند أكثر التقديرات تفاؤلاً، حيث
استمرت ظاهرة اللامبالاة السمة المميزة
لتعامل المسلمين في هولندا مع العملية
الانتخابية، كما بقي عجز المنظمات
الإسلامية عن تعبئة أبناء الأقلية
المسلمة نقطة ضعف لا بد من تداركها.
لقد
تمكن المسلمون في المجلس البلدي لمدينة
أمستردام (45 مقعدًا) من نيل ستة مقاعد،
وهو العدد ذاته الذي حصلوا عليه في
المجلس البلدي لمدينة روتردام (45 مقعدًا
أيضًا).
كما
نجح المسلمون أيضا في ضمان مقاعد في
العديد من المدن الهولندية الكبيرة
والمتوسطة، غير أن الرهان المطروح
عليهم سيبقي مدى قدرتهم على التصدي
لتأثيرات الأجواء العامة السائدة في
البلاد، والتي بوأت اليمين المتطرف
المكانة الأولى في مراكز الإدارة
المحلية.
معركتان
في الأفق
ويعتقد
نشطاء الأقلية المسلمة أن أول معركة
يجب التصدي لها، هي منع حزب "بيم
فورتاون" من تشكيل الحكومة المحلية
في روتردام، فسقوط حكومة هذه المدينة
التي تحتضن ما يقارب 100 ألف مسلم (20% من
السكان) في يد اليمين المتطرف قد يقود
الأقلية المسلمة، والأقليات الأجنبية
بشكل عام، إلى كارثة حقيقية لا يمكن
تحديد حجمها.
ويهدد
العنصريون الفائزون في روتردام، بتشتيت
شمل المسلمين، ومحاصرة منظماتهم،
وعرقلة مشاريع الاندماج الثقافي
والاجتماعي التي يستفيدون منها، ومنع
مدارسهم الأهلية من مواصلة القيام
بوظيفتها في تعليم أبناء المسلمين
اللغة العربية والتعاليم الإسلامية،
وإيقاف صرف المساعدات والتعويضات
الاجتماعية عن مستحقيها من أبناء
الأقلية.
ويرى
ناشطون سياسيون مسلمون أن الفرصة ما
تزال قائمة لمنع "بيم فورتاون" من
التحكم في رقاب مدينة، تعتبر إحدى أغنى
المدن في العالم، حيث ما تزال الأحزاب
الديمقراطية تمتلك الأغلبية في المجلس،
والقدرة على تشكيل الإدارة الجديدة،
خصوصًا إذا ما قطعت تعهدات صارمة
لمعالجة المشاكل المطروحة، خصوصًا في
مجالات حساسة كالأمن والإسكان والتعليم.
أما
المعركة الثانية فليست سوى
الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في 15
مايو القادم، والتي تشير التقديرات إلى
إمكانية تحقيق "بيم فورتاون" فوزًا
ساحقًا، وغير متوقع خلالها، على غرار ما
جرى في روتردام في 6 مارس الماضي، وهو ما
يقتضي من المسلمين تعبئةً لم يشهدوها من
قبل، لأن هيمنة اليمين المتطرف على
مقاليد الحكم المركزي، سيعني بالضرورة
أكثر من كارثة.
تابع
في الموضوع:
اقرأ
أيضًا:
مسلمو
هولندا اختيار صعب بين الوجود والهوية
مستقبل
المسلمين في الغرب.. بين الإمكانيات
والتحديات
أوربا..
تحصين القلعة ضد الهجرة الوافدة
هايدر
يربك الديمقراطية الغربية
تصاعد
اليمين الأوربي.. هل يهدد الوجود
المسلم في الغرب؟
مسلمو
الغرب بعد التفجيرات.. رب ضارة نافعة
*
كاتب
وصحافي تونسي مقيم في هولندا، وفائز
بمقعد في المجلس البلدي لبلدية روتردام
– المركز
|