بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الإستراتيجية الأمريكية.. منع الحرب قبل اندلاعها!!*

12/07/2002

دونالد رامسفيلد**  

ترجمة: شيرين حامد فهمي - إسلام أون لاين.نت

رامسفيلد: كيف نحول الجيش الأمريكي؟

اقرأ في هذه الوثيقة:

خبرات من مزار شريف

في العام الماضي - وتحديدًا قبيل إجازة عيد الميلاد- قمت بالسفر إلى أفغانستان وإلى الدول المجاورة، حيث سنحت لي الفرصة لكي أقضي وقتًا لا بأس به مع القوات الأمريكية المتواجدة على جبهة الحرب. ومن ضمن الجنود الذين قابلتهم كانت هناك مجموعة متميزة، تلك المجموعة التي انخرطت في الهجوم على "مزار شريف".

وتكتسب تلك المجموعة تميزها من أنها أقدمت سريعًا على التأقلم مع الظروف والأوضاع "الأفغانية" منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها أقدامها أرض أفغانستان. فقد أطلقوا اللحى، وتغطوا بالتلفيعات التقليدية، وركبوا الخيل المدربة على الجري في وسط لهيب الرصاص والنيران. ولم يقتصروا على ذلك، بل استخدموا البغال لنقل أمتعتهم عبر تضاريس جبلية (تُعَدّ من أقسى وأصعب التضاريس في العالم) في ظلام حالك؛ يمرون على حقول الألغام من ناحية، وعلى الطرق الجبلية الملتوية من الناحية الأخرى. ومما يصعّب الأمر أن معظمهم لم يتعود على ركوب الخيل ولم يتعلم ذلك من قبل.

ومن خلال معايشتهم لحلفائهم -القوات المناهضة لطالبان- استطاع هؤلاء الجنود المتميزون أن يتعلموا الكثير عن حقائق الحرب على الأراضي الأفغانية، وهو ما أهّلهم بعد ذلك لتخطيط الهجوم على "مزار شريف".

ففي اليوم الموعود، تسلَّل أحد الجنود من الفرقة الخاصة، واختبأ خلف خطوط العدو، مستعدًّا لإرسال إشارة البدء. وعندما جاءت اللحظة الحاسمة أعطوا الإشارة إلى السلاح الجوي. وفي ثوان معدودة، ومن حيث لا نعلم، انهال كمٌّ عظيم من القنابل، الموجه بمنتهى الدقة، صوب مراكز طالبان والقاعدة.. لقد كان صوت الانفجارات مدويًا؛ وكان التوقيت مُحددًا بمهارة فائقة، لدرجة أن مئات الفرسان الأفغان – كما يصف الجنود الأمريكان – ظهروا من بعد الانفجارات مباشرة؛ خارجين من خلف الدخان، يدهسون "العدو" بخيلهم في وسط سحب الضباب والشظايا الطائرة. لقد أدى الاثنان - الأفغان والأمريكان معًا - الهجوم بمنتهى البطولة.. بطولة الفرسان.

لقد كان أول هجوم يقوده سلاح الفرسان الأمريكي في القرن الحادي والعشرين. والغريب أنه بعد المعركة قام جندي أمريكي ليقصّ علينا قصة محارب أفغاني، جاءه وقد بدأ في إخراج رجله من السروال، "لقد اعتقدت أنه يريد أن يريني بعض الإصابات"، ولكن المحارب أراه شيئاً آخر؛ لقد أراه رِجلاً صناعية.. لقد دخل المحارب الأفغاني المعركة برجل واحدة!!

إن انتصارنا في معركة "مزار شريف" - التي أدت بعد ذلك إلى سقوط طالبان – كان ثمرة التلاحم بين عبقرية القوات الأمريكية المتميزة (التي أظهرت صلابة الترسانة الأمريكية) وبسالة وشجاعة الفرسان الأفغان الذين امتطوا خيلهم برجل واحدة.

في ذلك اليوم المشهود - يوم انتصارنا في "مزار شريف" - الذي شهدته سهول أفغانستان، كانت لحظة التقاء القرن التاسع عشر مع القرن الحادي والعشرين.. أدت إلى التغلب على "عدو خطير".. إنه نصر عظيم.

سرعة التعلُّم

عندما استدعاني الرئيس جورج دبليو بوش للعودة إلى البنتاجون - بعد ربع قرن من الزمان – طلب مني إعداد إستراتيجية جديدة للدفاع، بالرغم من أنه يعرف جيدًا أنني رجل أنتمي إلى العالم القديم. هل يمكن لبوش أن يتخيل، ولو لمدة ثانية، الرجوع ثانية إلى حرب الفرسان؟

ها نحن في عام 2002م، نخوض أول حرب في القرن الحادي والعشرين، مستخدمين الخيل؛ الأمر الذي يعكس أننا بصدد ثورة حقيقية في الشئون العسكرية؛ وأننا في أمسِّ الحاجة إلى إيجاد طرق جديدة في التفكير وأساليب مختلفة في القتال، أكثر من احتياجنا إلى إيجاد أسلحة أكثر تطورًا وتقدمًا.

ففي الحرب العالمية الثانية مثلاً، قامت ألمانيا بإحداث طفرة حقيقية في نظام الحرب، من خلال الضربات الرعدية المفاجئة، أو ما يسمى بالـ Blitzkrieg. لقد رأى الجيش الألماني أن مستقبل الحرب لا يتعلق بالجيوش الكبيرة؛ إنما يتعلق بقوات صغيرة العدد، ولكنها على درجة عالية من الفعالية، بحيث تكون متخصصة في إحداث ضربات جوية خاطفة.

باختصار، لقد طوَّر الألمان توليفة فريدة من نوعها، تشتمل على دبابات شديدة السرعة، مشاة ميكانيكية، قاذفات انقضاضية. كل ذلك تركز لينصبّ مرة وحدة على العدو.. وهو ما جعل الأثر مريعًا.

إن الجديد في الـBlitzkrieg لم يتمثل في القدرات الجديدة التي استخدمها الجيش الألماني؛ إنما يتمثل في الأساليب غير المسبوقة وغير المعهودة التي خلطوا فيها التكنولوجيا الحديثة بالتكنولوجيا القائمة حينذاك.

وكذلك كان الأمر بالنسبة لمعركة "مزار شريف" التي أظهرت تحولاً ملموسًا في آلية الحرب. فقد قامت قوات التحالف باستخدام جميع الإمكانات العسكرية الموجودة - من أكثر الأسلحة تطورًا، مثل أسلحة الليزر، إلى أكثر الأسلحة قدماً وعتاقة، مثل أسلحة الـ     B-52s التي يصل عمرها إلى أربعين عامًا، إلى أكثر الأسلحة بدائية، رجل يمتطي فرسًا، قامت باستخدامها جميعًا في وقت واحد وبطرق غير مألوفة.

وهذا بالطبع ليس معناه أن تصير "تلك التوليفة" نموذجًا يُقتدى به في الحروب القادمة، فالدرس من الحرب الأفغانية ليس الغرض منه هو أن يبدأ الجيش الأمريكي في تخزين المواد الأولية للحرب. وإنما الدرس الذي يجب أن نعيه جيدًا هو: أن الإعداد للمستقبل سوف يتطلب طرقًا جديدة في التفكير، كما سيتطلب تنمية القدرات والإمكانات التي تستطيع أن تتأقلم سريعًا مع التحديات الجديدة والظروف غير المتوقعة. إن القدرة على التأقلم سوف تكون ذات أهمية قصوى، في عالم يتصف بالمفاجأة وعدم الأمان.

في خلال الحرب الباردة واجهنا العديد من المخاطر المتوقعة. لقد كنا نعلم قدرًا كبيرًا من المعلومات عن عدونا وعن قدراته، وعلى هذا الأساس قمنا بتنمية الإستراتيجيات والإمكانات المطلوبة لردع ذلك العدو.. وكانت النتيجة أننا أظهرنا قدرًا كبيرًا من الإنجازات: فأنشأنا ترسانة نووية، ودخلنا عصر الطائرات النفاثة، وبنينا غواصات وسفنا مزودة بالقوة النووية، وأنشأنا أول صاروخ عابر للقارات.. بالإضافة إلى القوات الضخمة التي قمنا بحشدها داخل أوروبا من أجل منع أي اقتحام سوفيتي على الحدود الشمالية الألمانية.

وكذلك انتهجنا إستراتيجية "الاحتواء" من خلال بعث الخبراء العسكريين بهدف زعزعة الحكومات "الببغاوية" الخاضعة للاتحاد السوفيتي، وأيضا من خلال تدعيم الأنظمة الموالية والمهددة من قِبل الاستعمار السوفيتي.

وعلى امتداد نصف قرن أدى ذلك المزج بين كل من الإستراتيجية والقدرات والقوات إلى خلق السلام والإبقاء عليه؛ بالإضافة إلى المحافظة على الحرية. أما الآن.. فقد انقضت الحرب الباردة، واندثر الاتحاد السوفيتي، ومعه البيئة الأمنية التي نشأ عليها شعبنا وترعرع. فكما تعلمنا من أحداث سبتمبر المؤسفة، أصبحت تحديات القرن الجديد مفتقدة لأية توقعات، بعكس القرن الماضي.

من كان يتوقع، منذ شهور مضت، أن يُقدم الإرهابيون على ضرب البنتاجون ومركز التجارة العالمي، تاركين آلاف القتلى والضحايا؟ ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد.. ففي السنوات القادمة سنفاجأ بأعداء جدد، يهاجمون بطرق غير متوقعة. وبما أنهم سيكونون أكثر سيطرة وهيمنة على السلاح، فستكون الخسائر بالتالي فادحة، بل أكثر فداحة من خسائر 11 سبتمبر.

إن التحدي الذي نواجهه في هذا القرن الجديد إنما هو تحدٍّ صعب، بل في غاية الصعوبة. إنه يستلزم منا الدفاع عن بلادنا ضد كل ما هو غير معروف؛ ضد كل ما هو غير مضمون؛ ضد كل ما هو غير مرئي؛ ضد كل ما هو غير متوقَّع. وقد يتبادر للذهن، منذ أول وهلة، أن تدخل هذه المهمة في نطاق المستحيل.. ولكن الحقيقة غير ذلك. فكل ما علينا هو أن ننأى جانبًا عن "الأسلوب المريح" سواء في التفكير أو في التخطيط؛ وأن ننتهج بدلاً منه "الأسلوب غير المألوف" فنركب الصعاب ونخوض المخاطر، ونجرّب كل ما هو جديد حتى يتسنى لنا ردع أعدائنا، بل وهزيمتهم، من قبل حتى أن يظهروا علينا.

سحقًا للقديم

قبل أحداث 11 سبتمبر، كان القادة الأمريكيون، سواء في المجال المدني أو العسكري، منخرطين في خطة "معهودة" للدفاع. ولكن في ظل مراجعة تقرير الدفاع الأمريكي الذي يتم إعداده كل أربع سنوات، بدأت نظرتنا إلى البيئة الأمنية حولنا تصير أكثر إمعانًا وتركيزًا، وهو ما أوصلنا إلى ضرورة تبني إستراتيجية جديدة.

لقد قرَّرنا أن ننأى بأنفسنا عن منظومة "وجود قوتين أساسيتين على مسرح الحرب"؛ التي كانت تنادي إلى الحفاظ على قوتين عظميين للاحتلال، تتمكنان من اقتحام دولتين عدوتين في لحظة واحدة. ولا غبار على أن هذه الفلسفة قد نفعتنا نفعًا كبيرًا في فترة ما بعد الحرب الباردة؛ أما الآن.. فهي تشكل تهديدًا لنا؛ إذ تتركنا مستعدين استعدادًا فوق اللزوم تجاه صراعين محددين، بينما تتركنا على الوجه الآخر غير مستعدين تمامًا لأي من تحديات القرن الحادي والعشرين غير المتوقعة.

ومن أجل ضمان توافر الموارد التي تؤهلنا للتأقلم مع المستقبل، ومن أجل مواكبة التحديات الجديدة التي تهدد أمننا الداخلي، صرنا في أمسّ الحاجة إلى تقييم أكثر واقعية وأكثر اتزانًا لكل ما نحتاجه في حروبنا المستقبلية. فبدلاً من الحفاظ على قوتين للاحتلال، قررنا أن نركِّز أكثر على آلية الردع. كما قررنا الاستغناء عن قوة واحدة من القوتين، حتى نوفر جهودنا ومواردنا "للآخر" الذي هو في طريقه إلى التربص بنا.

قرَّرنا كذلك هجْر الإستراتيجية القديمة القائمة على "التهديد"، تلك الإستراتيجية التي ظلت مسيطرة على خططنا الدفاعية لأكثر من نصف قرن.. والبدء في انتهاج اقتراب جديد قائم على "القدرات"، حيث يتصف الأخير بسياسة أقل تركيزًا على من يمكن أن يهددنا، أو أين، وأكثر تركيزًا على كيف يمكن أن يهددنا، وكيف يمكن أن نصده ونردعه.

وقد يشبهنا هذا الأمر بلصوص المنازل. فأنت لا تستطيع أن تعلم من الذي يريد اقتحام بيتك، أو متى سيقتحمه.. ولكن يمكن أن تعرف كيف يمكن أن يقتحم بيتك. فإذا علمت أن بإمكان اللص أن يسرق مفتاحك، فعليك على الفور أن تضع مزلاجًا صلبًا شديد الإحكام على بابك. وإذا علمت أن بإمكانه أن يقتحم النافذة فيكسرها، فعليك أن تضع آلة إنذار. وأنت تعلم بالطبع أنه من الأفضل منع اللص ووقفه من قبل أن يدخل إلى بيتك؛ ولذلك فأنت بحاجة ماسة إلى قوة أمنية، لتحرس المنطقة وتمنع الصبية الأشرار من الاقتراب.

والمنطق نفسه يمكن أن نطبقه على سياسة الدفاع القومي، فبدلاً من حشد القوات المسلحة، وإعداد الخطط لمحاربة هذه الدولة أو تلك، علينا أن نتجه إلى اختبار مواطن ضعفنا.. وأن نسأل أنفسنا، كما قال الملك فريدريك الأعظم في كتابه القواعد العامة للحرب، "ماذا كنت سأفعل لو وضعت نفسي مكان العدو؟". ومن ثَم، نؤقلم قواتنا كأحسن ما يكون، في سبيل التغلب على ذلك التهديد.

نعلم مثلاً أن القوة الأمريكية لا تضاهيها أية قوة في العالم، سواء في مجال الجو أو البحر أو الأرض؛ ولذا يكون من الغباء المفرط أن يتجه العدو المفترض إلى مبارزة الولايات المتحدة مباشرة في أي من تلك المجالات. ولقد أدرك أعداؤنا جيداً من خلال حرب الخليج أن تحدي قواتنا المسلحة لن يأتي عليهم إلا بالهلاك. ومن ثَم فبدلاً من أن يتجه أعداؤنا إلى إقامة جيوش وأساطيل منافسة، سيتجهون أكثر إلى الدخول في تحدٍّ غير متناسق؛ وذلك من خلال البحث عن مواطن ضعفنا، محاولين استغلالها بقدر الإمكان.

إن أعداءنا يعلمون جيداً أن الولايات المتحدة الأمريكية كمجتمع مفتوح تعتبر "هشّة" إلى درجة يمكن أن تعرضها لأشكال جديدة من الإرهاب. فهم مثلاً يشكون أن ممتلكاتنا الفضائية وشبكاتنا المعلوماتية قابلة للاختراق. وهم يعلمون أن اقتحامنا لأي ركن بعيد في العالم، إنما يعتمد على قواعد خارجية هشة. وهم على علم أيضًا بأنه ليس لدينا دفاع ضد الهجمات الصاروخية الباليستية، وهو ما يشجعهم على إيجاد أسلحة تدمير شامل، وإيجاد السبل لنقلها.

ومن هنا فإن علينا نغلق جميع المنافذ التي تمكّن الأعداء منا، وهو ما يحتم علينا إعداد أنفسنا لأنواع جديدة من الإرهاب، التي يمكن أن تتضمن التالي:

الهجوم على الممتلكات الفضائية الأمريكية، الهجوم الشبكي على شبكاتنا المعلوماتية، الهجوم على صواريخنا الباليستية وصواريخ الكروز، وأخيرًا الهجوم على الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية. وفي الوقت نفسه، على الولايات المتحدة أن تهتم بتطوير المجالات التي تتميز فيها، مثل قدراتها الحربية في الفضاء والمعلومات، ودقة أسلحتها في الضرب، وقدرتها في استخدام حروب عسكرية بعيدة المدى.

إستراتيجية سداسية

قبل الهجوم الإرهابي على نيويورك وواشنطن، كنا قد أخذنا في قرارة أنفسنا، أنه من أجل الحفاظ على السلام والدفاع عن الحرية يجب على وزارة دفاعنا أن تحقق ستة أهداف إلزامية:

1) حماية الداخل الأمريكي، وحماية قواعدنا في الخارج.

2) الإبقاء على مستوى قوتنا في الأماكن البعيدة.

3) إفهام أعدائنا أنه ليس لديهم مأوى يحميهم منا؛ فيتأكدون أنه ليس هناك ركن، ولا جبل، ولا كهف سيمنعهم منا.

4) حماية شبكاتنا المعلوماتية من أي اختراق.

5) استخدام التكنولوجيا المعلوماتية لربط القوات الأمريكية المختلفة، وهو ما يؤهلها للقتال معًا في صف واحد.

6) الحفاظ على اتصال سهل وسلس بالفضاء الخارجي، وحماية قدراتنا الفضائية من أي هجوم غاشم.

وكانت تجربتنا في يوم 11 سبتمبر، وما تلاها من الحملة الأفغانية، حافزًا رئيسيًّا لنا لتحريك الدفاع الأمريكي في هذه الاتجاهات؛ ولهذا السبب تم تصميم ميزانية الدفاع لعام 2003م بناء على تقديم هذه الأهداف الستة، على أن تصاحبها زيادة واضحة في التمويل. فقد قمنا برفع حجم التمويل لكل من برامج التحديث التي تدعم التغيير والتطوير، وبرامج التنمية التي تمدنا بقدرات جديدة.

فعلى امتداد السنوات الخمس القادمة سنقوم بزيادة الإنفاق على الدفاع عن قواعدنا الداخلية والخارجية بمعدل 47%، وعلى المشاريع التي لن تمكّن العدو من الاحتماء بأي مأوى بمعدل 157%، وعلى البرامج التي تحمي التكنولوجيا المعلوماتية وتدعمها بمعدل 125%، على البرامج التي تخترق شبكات العدو المعلوماتية وتحمي شبكاتنا بمعدل 28%، وعلى البرامج التي تضمن اختراق قواتنا للمناطق البعيدة بمعدل 21%، وأخيرًا على البرامج التي ستدعم من قدراتنا الفضائية بمعدل 145%.

في الوقت ذاته اقترحنا إبطال عدد من الأنظمة التي لا تتواكب مع إستراتيجية الدفاع الجديدة، مثل المدمرةDD-21، وبرنامج البحرية الصاروخي للدفاع، وصاروخ الحفاظ على السلام. كما قمنا بإلغاء الإمكانات التي تستلزم تكاليف ضخمة للإبقاء عليها، مثل مقاتلة F16، و1000 هليكوبتر تعود إلى وقت فيتنام. إن هدفنا ليس تغيير الجيش الأمريكي كله في غضون عام واحد، أو حتى خلال عقد من الزمان. فهذا ليس فيه حكمة أو ضرورة.

كيف نُغيّر الجيش؟

إن تغيير الجيش ليس بحدث، إنما هو عملية دائمة لا تتوقف. ومن ثَم فلن تتواجد أبدًا اللحظة التي نستطيع أن نعلن عندها أن القوات الأمريكية قد تم "تحويلها". إن التحدي الذي نواجهه حاليًا هو كيف ندافع عن مدننا وأصدقائنا وحلفائنا وقواتنا، وكذلك ممتلكاتنا الفضائية وشبكات حواسيبنا من أشكال هجومية جديدة؛ بينما نكون مستعدين لاستخدام قواتنا في أقاصي الأرض للقضاء على أعداء آخرين. وهذا يتطلب طبعًا قوات مشتركة قادرة على الوصول إلى أبعد المناطق وبسرعة فائقة، لتحطم الأعداء تحطيمًا، سواء في الجو أو في البحر. وهذا أيضًا يتطلب قدرًا عاليًا من الذكاء المعلوماتي الذي يستطيع أن يؤهلنا للتصدي لقدرات الأعداء.

إن دورنا لا يتمثل فقط في خوض الحروب وتحقيق النصر، إنما يتمثل في منعها من الأصل. وفي سبيل تحقيق ذلك علينا أن نفتش عن كل الطرق التي تؤثر في مؤسسة اتخاذ القرار لدى أعدائنا المفترضين، علينا أن نردعهم، ليس فقط عن استخدام الأسلحة الموجودة، بل عن تدشين أي سلاح جديد يكون أكثر خطورة مما سبقه. وكما أن تواجد أسطولنا الأمريكي يثني الآخرين عن الاستثمار في إيجاد أساطيل أخرى منافسة، فإن علينا بالمثل أن نطور ممتلكات جديدة تجعل عدونا يعدل تمامًا عن فكرة التنافس معنا.

فمثلاً تنمية دفاعات صاروخية فعَّالة يمكنها أن تثني الآخرين عن الإقبال على شراء الصواريخ الباليستية؛ لأن الأخيرة لن توفّر لهم ما يحتاجونه. وكذلك تدعيم أنظمة الفضاء الأمريكية يمكن أن يثني الأعداء المحتملين عن تطوير أقمار صناعية "مدمرة" للقضاء على شبكات الأقمار الصناعية الأمريكية. وأخيرًا فإن استخدام الأسلحة الخارقة للأرض (مثل التي استخدمت مؤخرًا ضد طالبان والقاعدة في أفغانستان) سيجعل اختباء الإرهابيين تحت الأرض أمرًا مستحيلاً.

وبالإضافة إلى بناء قدرات جديدة يتطلب التغيير العسكري أيضًا إعادة توازن القوات والقدرات المتواجدة على الساحة؛ وذلك من خلال التركيز أكثر على ما ينادي به البنتاجون: ممتلكات ذات "كثافة منخفضة/ طلب مرتفع". فمثلاً، أظهرت التجربة الأفغانية إلى أي مدى يمكن أن تكون "الطائرات بدون قائد" ذات فعالية عظمى، ولكنها أظهرت أيضًا ضعف هذه الطائرات ومدى افتقادنا لها. لقد أدركت وزارة الدفاع منذ حين افتقادها لعدد كبير من الطائرات بغير قائد، لوحدات الدفاع الكيميائية والبيولوجية، لإمكانات الدفاع الجوية. ولكن للأسف بالرغم من هذا النقص الواضح فإن الوزارة أجّلت وأخرت الاستثمارات المطلوبة، وانشغلت بدلاً منها بما هو أقل قيمة.. هذا لا بد أن يتغير.

وبما أننا سنغيِّر أولوياتنا الاستثمارية، فعلينا أن نبدأ بنقل التوازن في ترسانتنا النووية بين القدرات الإنسانية وغير الإنسانية، بين الأجهزة ذات المدى البعيد والأخرى ذات المدى القصير، بين الأجهزة الخفية وغير الخفية، بين الأجهزة الهشة وغير الهشة؛ ولا ننسى أن نحقق وثبة عالية في عصر المعلومات الذي يعتبر هو الأساس لكل جهودنا التحولية.

بعد 11 سبتمبر اكتشفنا أن مسئولياتنا الجديدة في الدفاع عن البيت الأمريكي استنفرت واستثارت ما نعانيه من نقص. لا يجوز لرئيس أمريكي أن يختار بين حماية المواطنين في الداخل، وبين حماية القوات الأمريكية عبر البحار. لا بد أن نفعل الاثنين معًا؛ ولذا فإن فكرة إحداث تحول عسكري في ظل تخفيض الميزانية، تعتبر فكرة خاطئة وغير صحيحة.

وبالرغم من أن تحولنا العسكري يتطلب خلق قدرات جديدة وتوسيع الترسانات الحالية، فإنه يتطلب أيضاً خفض مخزون الأسلحة غير الضرورية. فدولتنا لم تعد بحاجة إلى قوة ضخمة لصد قوات الاقتحام السوفيتي التي كانت منتشرة أثناء الحرب الباردة، فساعتها كان الأمن الأمريكي معتمداً على قوة نووية ضخمة في سبيل البقاء ضد الضربة السوفيتية الأولى. أما الآن فقد تغير أعداؤنا، ومن ثم تغيرت حسابات الردع. فالإرهابيون الذين هاجمونا في 11 سبتمبر، لم يُردعوا على الإطلاق.. لم تردعهم ترسانتنا النووية الضخمة. ومن ثم فعلينا أن نفكّر في سُبل جديدة لردع أولئك الأعداء.

ولهذا اتخذ الرئيس بوش اقتراباً جديداً للردع: اقترابا يجمع بين تخفيض حاد في القوات النووية وبين تطوير القدرات التقليدية والدفاعات الصاروخية لحماية الولايات المتحدة الأمريكية وأصدقائها وقواتها وحلفائها من أي هجمة صاروخية، حتى ولو كانت محدودة.

وفي الوقت نفسه، بينما نحن نُخفض من عدد أسلحتنا في الترسانة النووية، فعلينا أن نعيد تحديثها مطورين بذلك أجهزة تقليدية جديدة تكون أكثر ملاءمة لردع الأعداء المحتملين. كما علينا أن نتأكد جيداً من فعالية أسلحتنا النووية ومصداقيتها.

ومن هنا.. يشكل هذا "الثلاثي الجديد" – الذي يشتمل على قوات نووية مُخفضة وقدرات تقليدية مُطورة، وعلى عدد من الدفاعات الجديدة المختلفة – نظرية ردعية جديدة. ولكن وصولنا إلى ذلك الثلاثي يتطلب منا اقتراباً جديداً لموازنة المخاطر. ففي الماضي كان الاقتراب القائم على التهديد يركز أساساً على المخاطر قريبة المدى. أما الآن فبناء جيش القرن الواحد والعشرين يتطلب منا موازنة جميع المخاطر القائمة؛ حتى نصير متأهبين للمخاطر الأقرب مدى.

لا بد أن نغير، ليس فقط قواتنا المسلحة، بل أيضًا وزارة الدفاع التي تسهر على خدمتها؛ وذلك من خلال تشجيع ثقافة الإبداع والتعامل مع المخاطر بحنكة وذكاء. لا بد أن نروِّج لاقتراب يشجع الناس على المبادرة وليس على رد الفعل.. على التعامل كرأسماليين مغامرين أكثر من بيروقراطيين مأمورين؛ على توقع المخاطر قبل ظهورها وإيجاد حلول لردعها، وليس انتظارها حتى تظهر.

وأخيرًا علينا أن نغير، ليس فقط إمكاناتنا وقدراتنا، بل نغير طريقة تفكيرنا في الحرب أيضا. تخيل ولو للحظة أنك استطعت العودة إلى الوراء زمانياً، فقابلت فارساً في محكمة الملك آرثر، وأعطيته M-16. فإذا أخذ السلاح، ورجع على فرسه، واستخدمه ليضرب به رأس عدوه.. فلن يُعد ذلك تحولاً. إنما يحدث التحول الحقيقي عندما يختبئ وراء شجرة ويبدأ في إطلاق النار. إن جميع الأسلحة التكنولوجية في العالم لن تفلح في تغيير القوات الأمريكية المسلحة إلا بعد أن يحدث تغيير مماثل في أسلوب تفكيرنا وقتالنا وممارستنا.

دروس حرب أفغانستان

البعض يعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية – في خضم حربها الصعبة والخطيرة على الإرهاب – ليس لديها القابلية لتغيير قواتها المسلحة، على افتراض أن التوقيت غير مناسب. أما أنا فأعتقد أن العكس هو الصحيح. فالوقت الحالي هو أنسب وقت لإحداث تلك التحولات. إن أحداث 11 سبتمبر تخلق بقوة حالة الفعل.

في كل يوم جديد تواجه وزارة الدفاع متطلبات ضرورية قريبة المدى، مما يخلق ضغوطاً كبيرة علينا.. فنضطر في النهاية إلى تركها للمستقبل. ولكن 11 سبتمبر جاء ليعلمنا أن المستقبل يحمل في جعبته الكثير من المخاطر غير المعروفة؛ فيصير عدم استعدادنا لها هلاكاً لنا. والتحدي الذي يواجهنا هو أن الوقت يمرّ أمامنا؛ فلا نستطيع أن نُرجع عقارب الساعة إلى الوراء.

لقد أعدّ البنتاجون نفسه للمهمة. ففي عام واحد – 2001م – استطعنا أن ننتهج إستراتيجية جديدة للدفاع، فقمنا بتبديل هيكل الحرب الثنائية التقليدية باقتراب أكثر اتساقاً مع القرن الواحد والعشرين. لقد انتهجنا إستراتيجية جديدة لموازنة المخاطر، وأعدنا تنظيم البحوث حول الصاروخ الدفاعي وبرنامج الاختبارات، متحررين من قيود اتفاقية الصواريخ الباليستية المضادة. وأعدنا تنظيم الوزارة لتكون أكثر تركيزاً على القدرات الفضائية. كما انتهجنا اقتراباً جديداً للردع الإستراتيجي يقوم على زيادة نسبة الأمن مع تقليل اعتمادنا على الأسلحة الإستراتيجية النووية. كل ذلك فعلناه في أثناء حربنا ضد الإرهاب – وهذا ليس بداية سيئة أبدًا لوزارة مثل وزارتنا، من المفترض أن تكون شديدة الرفض للتغيير.

وطبعًا، في أثناء التغيرات التي يجريها البنتاجون لا يجب أبدًا أن نعتقد أن تجربتنا في أفغانستان هي النموذج للحملة العسكرية القادمة. فإعادة الحرب الأخيرة هي خطأ يتكرر على مر التاريخ العسكري؛ ومن ثَم يجب علينا تجنبه. ولكن بالرغم من ذلك، يمكننا أن نأخذ الكثير من الدروس والعبر من تجاربنا الأخيرة، والتي يمكن أن نستفيد منها للمستقبل:

أولاً: حروب القرن الحادي والعشرين ستستنفذ كل طاقة الدولة: اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا وتمويليًّا وقانونيًّا واستخباراتيًّا. وأخيرًا جميع العمليات العسكرية، سواء المعلن عنها أو غير المعلن عنها. وقد قال كلاوتسفيتز Clausewitz: "الحرب هي تكملة للسياسة من خلال أساليب أخرى". وفي هذا القرن معظم تلك الأساليب ليست عسكرية.

ثانيًا: إن قدرة القوات على التعامل والاتصال مع بعضها البعض على أرض المعركة سيصير عاملاً أساسيًّا للنجاح. ففي أفغانستان رأينا فرق القوات الخاصة الأمريكية تعمل يدًا بيد مع القوات الجوية، والبحرية.. من أجل تعريف الأهداف وضبط توقيت الضربات الجوية. إن الدرس من هذه الحرب يتلخص في كون فعالية القتال تعتمد أساسًا على "الاشتراك والتعاون"، بما يعني القدرة على تنسيق قدرات الفروع المختلفة داخل الجيش، وذلك في أثناء اشتعال الحرب. وتحقيق ذلك التعاون في وقت الحرب يتطلب أيضًا تحقيقه في وقت السلم. فلا بدّ أن نتدرب كما نحارب وأن نحارب كما نتدرب.

ثالثًا: إن موافقتنا في هذه الحرب على قبول العون من أي دولة، والسماح للأخيرة بأن تحدد كيف ستكون مساعدتها (بدلاً من أن نكون نحن المحددين) تساعدنا على جني ثمرتين في نفس الوقت: زيادة مشاركة الدول الأخرى، وزيادة فعاليتنا ضد العدو.

رابعًا: الحروب يمكن أن تستفيد من تحالف النوايا والإرادات؛ ولكنها لا يجب أبدًا أن تُحارب عن طريق اللجان. فالمهمة هي التي يجب أن تحدد التحالف، وليس العكس.

خامسًا: إن الدفاع عن الولايات المتحدة يتطلب المنع.. منع الخطر. فمن المستحيل أن نقوم بمدافعة كل تهديد، في كل مكان وفي كل لحظة. إن المدافعة ضد الإرهاب والمخاطر الأخرى تتطلب منا أن نذهب بالحرب إلى العدو. ففي بعض الأحيان يصير أفضل دفاع هو الهجوم الفعَّال.

سادسًا: لا بد أن يفهم العدو جيدًا أننا سنستخدم كل حيلة وسنستنفذ كل فرصة للقضاء عليه.. وأننا على استعداد كامل بأن نقدم كل التضحيات الممكنة والضرورية من أجل تحقيق النصر.

سابعًا: إن جلب القوات الخاصة الأمريكية على أرض المعركة مبكراً - وبطريقة درامتيكية – يزيد من كفاءة الحملة الجوية. فأفغانستان أظهرت لنا أن القنابل الملقاة من السماء تكون أكثر فعالية إذا كنا ملازمين للأرض.. لكي نعطي للمُفجرين التوجيهات اللازمة لأماكن القصف وتحديدها بالضبط.

وأخيرًا: كونوا صرحاء مع الشعب الأمريكي، أخبروهم بالحقيقة وإذا لم تستطيعوا إخبارهم بأمر فقولوا لهم إنكم لا تستطيعون. إن الشعب الأمريكي يدرك جيدًا ما الذي نحاول تحقيقه وما الذي نحتاجه لإنجاز ما نرنو إليه، وأن ذلك لن يكون بالأمر الهين، وأنه سيكون هناك ضحايا. ولا بد أن يعرف جيدًا أنه مهما كانت الأنباء سيئة فسنخبرهم بالحقيقة. فالتأييد الشعبي لا بد أن يكون مزروعًا في أرض الثقة والفهم والهدف المشترك.

إن رجالنا ونساءنا في زيهم الوطني يقومون بمهمة عظيمة في حربهم ضد الإرهاب. فنحن نقدر مجهوداتهم ونفخر بهم. وأفضل طريقة لنريهم من خلالها تقديرنا لهم، هي أن نتأكد من توفر كل الموارد والقدرات لديهم التي لا تؤهلهم فقط لكسب الحرب الحالية، بل تؤهلهم أيضًا إلى ردعها إذا استدعى الأمر ذلك، والقضاء على الطغاة الذين سنواجههم حتما في هذا القرن الخطير.

اقرأ أيضًا:


* المقالة مترجمة بتصرف من مجلة: الشؤون الخارجية Foreign Affairs, Vol.81, No. 3 ، مايو 2002، وعنوانها الأصلي: Transforming the Military.


** وزير الدفاع الأمريكي.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع