|
على الرغم من مرور عام على أحداث 11-9-2001
وما شهدته الفترة الأخيرة من تحركات
عسكرية أمريكية واسعة على شكل تدريبات،
ومناورات، واستخدام أجواء، وتردد سفن
ودورات وغيرها، فإن واشنطن ما زالت تبحث
عن مرافئ آسيوية بحرية وجوية جديدة.. آخر
التحركات الأمريكية في هذا الصدد كان
توقيع اتفاقية بين محافظ مدينة وميناء
"بيتونغ" الإندونيسية والمستشار
الأمريكي فينسيت لاسلي في 31-8-2002،
وبموجبها ستشيد الولايات المتحدة
الأمريكية مسفنا لبناء وتجهيز وترميم
السفن العسكرية بشكل رئيسي، والسفن
المدنية أيضًا. ومن المقدر أن يكلف
المشروع 3 مليارات روبية، وأن يكون
جاهزا للتشغيل في عام 2005.
ولا
يمثل هذا بناء مسفن فحسب، بل يعطي مؤشرا
إلى عزم واشنطن استعادة حضورها العسكري
المؤثر في جنوب شرق آسيا، خصوصًا أن
المسفن نفسه كان من المقرر أن يشيد بدءا
بعام 1992، لكن رحيل القوات الأمريكية عن
قواعدها الدائمة بالفليبين في ذلك
العام، والتغيرات التي طرأت في بعض
جوانب السياسية الأمريكية تجاه
المنطقة، ثم التقلبات السياسية
والاقتصادية في أبرز دولها أخّرت البدء
بالمشروع، حتى جاء عهد مكافحة ما يسمى
بالإرهاب ليشكل متغيرًا يؤثر على
السياسية الأمريكية تجاه القارة
الآسيوية، خصوصا المناطق ذات الكثافة
السكانية المسلمة بإندونيسيا وماليزيا
والفليبين وجنوب تايلاند، بالإضافة إلى
مسلمي أواسط آسيا الذين تشهد مجتمعاتهم
صحوة لافتة لأنظار جهات عديدة.
لماذا
في بيتونغ؟
التوقيع
على اتفاقية تشييد المسفن شهده الملحق
البحري الأمريكي لدى إندونيسيا ريك
مارثينز؛ حيث إن 250 فنيا وخبيرا أمريكيا
سيشاركون في البناء مع 2500 من
الإندونيسيين، ولم يخف المستشار
الأمريكي سبب اختيار "بيتونغ"
لتكون المسفن الرئيسي؛ فموقع هذا
الميناء إستراتيجي لأبعد الحدود من
الناحيتين العسكرية والأمنية، ومناسب
جغرافيا من الناحية الاقتصادية
والملاحية؛ فالكونجرس والبيت الأبيض
وافقا على بناء المسفن عند السواحل
الإندونيسية بدلا من تشييده في جزيرة
"جوام" بعد 10 سنوات من البحث
والاستقصاء والمباحثات بشأن اختيار
مكان آخر.
ومن
الواضح جدًّا أن "جوام" التي
تحكمها الولايات المتحدة منذ عام 1898 -عدا
3 سنوات من حكم اليابانيين-، وتعد أهم
جزيرة أمريكية من الناحية الإستراتيجية
في منطقة شمال المحيط الهادي هي المكان
الأكثر أمنًا للمسفن الأمريكي؛ حيث تقع
في ثلاثة أرباع المسافة بين هاواي
والفليبين، وتعد مركزا مهما لانطلاق
الطائرات الأمريكية ومعبرا ومرفأ
لأساطيل أمريكا بما فيها التي شاركت في
حربي الخليج وأفغانستان، لكن تشييد
المسفن فيها لن يحقق لواشنطن عدة أهداف
تريد تحقيقها، خصوصًا أنه سيكون مرفأ
لسفن حلفاء واشنطن أيضا، كالسفن
العسكرية الأوروبية واليابانية
والأسترالية التي ستدخل المياه
الإندونيسية بعلة الترميم والتجهيز!
وفي المقابل فإن محافظ بيتونغ لم يشر
إلا إلى الفائدة الاقتصادية والسياحية
لسكان المنطقة من بناء المسفن
الأمريكي، وهي التغطية المعهودة للكثير
من هذه المشاريع. ويرى البعض أن هذا
الموقع أقل الطرق جذبًا للأنظار، ويسمح
بتدخل أمريكي هادئ على خلاف ما قامت به
واشنطن من ضجة واسعة النطاق عندما تدخلت
في الفليبين أو قصفت أفغانستان.
ويأتي
الاتفاق على بناء المسفن بعد أن تعهدت
واشنطن يوم 1-8-2002 بمنح إندونيسيا معونة
مالية وتدريبية للجيش ولأجهزة الأمن
الإندونيسية في مجال مكافحة الإرهاب
بكلفة 50 مليون دولار وسط تحذير الأوساط
الإسلامية والقومية من خطورة ذلك على
سيادة واستقلالية بلادهم.
تحديات
تواجه الملاحة الجوية الأمريكية
مشروع المسفن الأمريكي في بيتونغ
الإندونيسية لا يمثل سوى مثال لمحاولة
واشنطن البحث عن مرافئ جديدة لها في
القارة الآسيوية وخصوصا في شرقها؛
فمنطقة آسيا والمحيط الهادي ما زالت
تشكل تحديًا أمام وصول الطائرات
الأمريكية بشتى أنواعها ولمختلف
الأغراض، بصورة تجعل اليد الأمريكية
تطال أي منطقة من مناطقها. والسبب يعود
إلى أن واشنطن ما تزال تفتقد ما تراه
العدد الكافي من خيارات القواعد الجوية
والأرضية والبحرية في حالة القيام
بعمليات عسكرية بالمنطقة، وهي المشكلة
التي لقيت اهتمامًا واضحًا من قبل معهد
راند الأمريكي (أبرز معاهد الدراسات
والتحليل والتخطيط الذي يساعد على
صناعة قرار الأذرع الجوية للجيش
الأمريكي منذ عام 1946، وأحد المؤسسات
المؤثرة في صناعة سياسات البنتاجون)،
معتبرًا أن إيجاد حل لهذا التحدي الذي
يواجه الطائرات الأمريكية مهمة ليست
بالسهلة.
الحذر
من الصين
وليس من الغريب أن تنظر الولايات
المتحدة إلى آسيا على أنها أكثر مناطق
العالم احتضانًا لإمكانات مشاركة الجيش
الأمريكي في أي حروب مستقبلية، أو حتى
عمليات عسكرية وتدريبات مشتركة محدودة.
وقد كان ذلك واضحًا في العديد من
التقارير والدراسات الأمريكية في
الأعوام القليلة الماضية، وتزايدت هذه
التوقعات في الفترة الأخيرة؛ ففي عام 2000
أصدر أحد مكاتب البنتاجون دراسة عن "آسيا
عام 2025"، رفضت الرأي القائل بأن
العلاقات الصينية الأمريكية ستتطور
بشكل مثمر وغير متعثر. وفي دراسة أخرى
لمعهد راند صدرت العام الماضي بعنوان:
"الولايات المتحدة وآسيا.. نحو
إستراتيجية ووضع عسكري جديدين"، قالت
بأن على الولايات المتحدة -مع ضرورة أن
تسعى لتفادي استعداء الصين- أن تأخذ في
الوقت نفسه بعين الاعتبار كيفية تنفيذ
خطط حروب في شرق آسيا وسط معارضة صينية
لذلك.
وفي عام 2001 الماضي أثارت المراجعة
العسكرية الأمريكية التي تصدر كل 4
سنوات قضية محدودية الوصول إلى مناطق في
آسيا، مشيرة إلى أن تركز القواعد
المتوفرة وحضور الجيش الأمريكي في
أوروبا الغربية وشمال شرق آسيا (كوريا
الجنوبية واليابان) هو "غير مناسب
للبيئة الإستراتيجية الجديدة"، ودعت
الدراسة سكرتير القوات الجوية "جيمس
روك" إلى "رفع إمكانات استخدام
قواعد في حالات الطوارئ في المحيطين
الهادي والهندي والخليج العربي"،
ومنذ ذلك الوقت والدراسات تجرى وتتوالى
حول ترتيب بدائل لحل هذه المعضلة،
وتسارعت وتيرة الاهتمام الأمريكي
بمنطقة جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي
بعد إسقاط نظام طالبان.
وفي دراسة حديثة للبنتاجون باسم "التقرير
السنوي حول القوة العسكرية لجمهورية
الصين الشعبية" -أول تقرير يصدر عن
اللجنة الأمنية الأمريكية الصينية-
تكرر التحذير من القوة الصينية
المتنامية.
وفي
دراسة جديدة لمعهد راند بعنوان: "قوة
الولايات المتحدة الجوية والفضائية في
القرن الحادي والعشرين" شارك في
تحريرها "زلماي خليل زاد" عضو مجلس
الأمن القومي الأمريكي.. جاء الحديث في
أحد أقسامها عن ضرورة توفير إمكانات
وصول القوات إلى أهدافها؛ وذلك باقتراح
اتباع سياسية متعددة الأوجه تنبني على
بناء قواعد وتسهيلات جديدة داخل
الولايات المتحدة وفي أراضي الدول
الأخرى. ولا تبدي الدراسة تفاؤلا حول
الحصول على موافقة عدد كافٍ من الدول
بتشييد قواعد أمريكية دائمة؛ ففي حالة
العراق –كمثال- ترى الدراسة أن "محاولات
معاقبة الرئيس صدام حسين طالما عُوِّقت
بسبب ضعف تعاون الحلفاء والأصدقاء"،
سواء كان ذلك في عام 1996 أم 1998 أو في الوقت
الحالي، وهو ما يمكن أن يكون عليه موقف
الدول التي ستطالبها واشنطن بالتعاون
معها لاستهداف دولة غير العراق أيضًا.
بحر
الصين ومنطقة آسيان
ويتكرر
التحدي في مناطق آسيا الشرقية تحديدًا
حسبما ترى إحدى دراسات معهد راند التي
تقول: "وفي منطقة آسيا تُعد أكبر
مشكلة للقوات الجوية الأمريكية هي
افتقادها للقواعد الكافية في منطقة بحر
الصين الجنوبي ومنطقة جنوب شرق آسيا"،
وعند معالجة عوامل النقص هذه يتضح أنها
تنطوي على مشاكل صعبة وطويلة المدى،
وبينما تعد "جوام" ثروة إستراتيجية
مهمة وهي تحت السيادة الأمريكية، فإن
الجزيرة بعيدة عن غالبية النقاط
الساخنة للصراعات المحتملة في شرق
آسيا، وعلى النحو نفسه فإن القوات
الأمريكية في كوريا الجنوبية واليابان -ومع
أنها تتمركز في مواضع مناسبة للأهداف
التي أسست لها لردع كوريا الشمالية-
فإنها أيضًا تقع بعيدة لحد ما عن مضيق
تايوان وبحر الصين الجنوبي.
وترى
دراسة معهد راند أن الوضع أكثر سوءًا
بالنسبة للقوات الجوية الأمريكية في
منطقتي جنوب شرق آسيا (آسيان)، وجنوب
آسيا (شبه القارة الهندية)؛ حيث إن
العلاقات الأمريكية بهذه الدول لم تصل
إلى حد التطور الذي شهدته علاقاته بدول
شمال شرق آسيا في الوقت الذي تتزايد فيه
إمكانات اندلاع صراعات في المنطقتين،
فما سمحت به تايلاند وسنغافورة على سبيل
المثال يظل في حدود معينة لاعتبارات
محلية.
ومع
تزايد التدريبات المشتركة في الفليبين،
فإن ذلك يظل دون إرجاع قواعد عسكرية
دائمة بشكل علني ومستقر بسبب المعارضة
الواسعة النطاق بين مسيحيي ومسلمي
البلاد على حد سواء. ومع أن ماليزيا سمحت
للطائرات الأمريكية باستخدام أجوائها
لأكثر من 1000 مرة كل عام، وتضاعف هذا
الرقم منذ أحداث سبتمبر 2001 حسبما كشف عن
ذلك وزير دفاعها في شهر يونيو الماضي،
بالإضافة إلى 75 زيارة لسفن عسكرية
أمريكية خلال عامين ونصف مَضيَا،
والقيام بالعديد من التدريبات المشتركة
في الأراضي الماليزية - فإن واشنطن تطمح
إلى قواعد أكثر ضمانًا بالنسبة لها يمكن
استخدامها على أساس ترتيبات ثنائية
أكثر استقرارا من الترتيبات التي على
أساسها قامت واشنطن بحربها على
أفغانستان باستخدام السواحل الهندية
والباكستانية، وهي علاقة بين واشنطن
وهاتين الدولتين يصفها المحللون
الأمريكيون بـ"غير المستقرة"،
وخصوصًا أن بُعدَيْ الدين والرأي العام
في هذه الدول يظلان يؤثران على مواقف
الدول إزاء رغبة واشنطن في شنّ هجمات أو
القيام بعمليات تحت ذريعة "مكافحة
الإرهاب"، أو استهداف دول أو جماعات
تتهمها واشنطن بتهديد أمنها ومصالحها.
وتتعدى
أنظار واشنطن شرق آسيا إلى وسطها؛ حيث
التنازع على ثرواتها الكامنة بين
العديد من القوى الإقليمية والدولية.
ومع استخدام القوات الأمريكية حاليًا
لأراضي أفغانستان وقيرغيزستان فإنها
تتطلع لاستخدام قواعد سوفيتية سابقة في
أوزبكستان -كبرى دول آسيا الوسطى مساحة-،
لكن العيب في هذه المنطقة أنها بعيدة عن
مسارات التموين التي تحتاجها واشنطن،
ولذلك تعود الدراسة إلى ذكر أهمية منطقة
شرق آسيا والمحيط الهادي.
اقرأ
أيضًا:
**كاتب متخصص في شؤون شرق آسيا
|