 |
|
قادة الأحزاب الإسلامية يشكرون الله على الفوز
|
هناك
نكتة سياسية حقيقية يتداولها المراقبون
منذ ظهور نتائج انتخابات باكستان تقول
إن الجنرال مشرف (حاكم باكستان) ساعد
أمريكا لقلب نظام حكم طالبان في
أفغانستان، فجاءوا إليه - في صورة تحالف
الأحزاب الإسلامية الستة المؤيد
لطالبان- ليحكموا باكستان ذاتها بعد
فوزهم في الانتخابات؟!
صحيح
أن "قاضي حسين" أمير حزب الجماعة
الإسلامية الباكستاني حرص على تأكيد أن
التحالف الإسلامي الذي جاء في المركز
الثالث في الانتخابات الأخيرة "ليس
نسخة" من حركة طالبان بقوله:“We are not
Taliban’s reincarnation…”، في حوار مع صحيفة
باكستانية نشره موقع التحالف الإسلامي
"MMA" على الإنترنت (http://www.mma.org.pk/)،
إلا أن بقية الأحزاب الخمسة الأخرى
المتحالفة مع الجماعة الإسلامية لم
تنكر تأييدها لطالبان وقناعتها
بتجربتها في أفغانستان.
فلم
يواجه الرئيس الباكستاني برويز مشرف
مأزقا منذ توليه السلطة عقب انقلاب سلمي
في 1999 مثلما يواجهه الآن في أعقاب ظهور
النتائج النهائية لثامن انتخابات
برلمانية تجرى في باكستان منذ
الاستقلال، وتبوؤ خصومه في الأحزاب
الإسلامية (تحالف الأمل) المرتبة
الثالثة، ليتمكنوا بذلك من تشكيل
حكومات محلية في ولايتين قريبتين من
أفغانستان (سرحد وبلوشستان)، والمشاركة
في الحكومة المركزية المقبلة.
وعلى
الرغم من العلاقة الوثيقة بين
الإسلاميين الباكستانيين عموما والجيش
منذ أيام الجنرال الراحل ضياء الحق، عمد
الجنرال مشرف إلى تهميش هذه القوى
الإسلامية، خصوصا عقب 11 سبتمبر وتحالفه
الإجباري مع واشنطن ضد حكم طالبان في
أفغانستان، ووصل به الأمر إلى التقليل
من شأنهم، واعتقال 20 من قادتهم، وزعم
أنهم لا يشكلون سوى 3% من القوى السياسية
الباكستانية.
وتعمقت
القطيعة أكثر عقب الحملات الأمنية ضد
الأحزاب الإسلامية الستة، واعتقال
قادتها الذين خرجوا بالآلاف للاحتجاج
والعصيان ضد مشاركة باكستان في ضرب
أفغانستان، حتى إن تحالف الإسلاميين
رفع عددا من الأهداف في حملته
الانتخابية، منها: انسحاب باكستان من
التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ووقف
التعاون بين القوات المسلحة
الباكستانية والعسكريين الأمريكيين
الذين يطاردون تنظيم القاعدة.
والأهم
من كل ذلك أن تحالف الإسلاميين وعد بأن
يثير قضية وصول الجنرال مشرف نفسه إلى
الحكم، مشككا في الاستفتاء الذي تم وفاز
فيه مشرف والذي تحدث الإسلاميون عن
تزويره (مولانا أحمد شاه نوراني ونائبه
القاضي حسين أحمد أكدا أنهما سيثيران
الأمر في البرلمان عقب انعقاده)، كما لا
يزال قادة التحالف يعلنون تأييدهم لحكم
طالبان وبن لادن.
بعبارة
أخرى: ليس أمام الجنرال مشرف سوى القبول
بنتائج الانتخابات التي صوّت عليها
الشعب، خصوصا أن هناك ضغوطا غربية
وشعبية للمطالبة بعودة الديمقراطية
المجمدة منذ 1999، ولكنه سيضطر في هذه
الحالة للتعامل مع طالبان أخرى (الأحزاب
الإسلامية) في الحكم بعدما لعب دورا في
إسقاطها بأفغانستان!.
صحيح
أن مشرف لا يزال يملك الكثير من أوراق
اللعب (غير قوة الجيش) وسعى لتعديل
الدستور الباكستاني – كإجراء احتياطي-
معطيا نفسه الحق في إقالة الحكومة
المنتخبة وحل البرلمان معا، إلا أن هذا
التعديل لا بد أن يقره البرلمان المقبل؛
ما قد يعني صداما مبكرا مع الإسلاميين
ومعارضيه من حزبي الشعب والرابطة
التابع لنواز شريف.
بل
لقد كشر مشرف مبكرا عن أنيابه وأبدى عدم
ارتياحه لفوز الإسلاميين بالقول - في
مؤتمر صحفي يوم 9 أكتوبر 2002 ردا على سؤال
عما سيفعله لو تم رفض تعديلاته
الدستورية: "ذلك سيقود لصراع بيني
وبينهم، وسنرى ساعتها من الذي سيبقى؟!".
تقدم
غير عادي للإسلاميين
واللافت
أن عدد المقاعد التي فاز بها الإسلاميون
في الانتخابات الأخيرة تضاعف عدة مرات،
بعدما وحّدت هذه الأحزاب الإسلامية
الستة جهودها لأول مرة، وبعد أن كان كل
حزب منها لا يزيد عدد مقاعده عن 10، حصد
هذا التحالف 53 مقعدا (يقول في موقعه على
الإنترنت إنهم أصبحوا 60 بعد ضمه عددا من
المستقلين).
أيضا
فازت الرابطة الإسلامية (جناح قائد أعظم)
بـ 77 مقعدا، ربما تزيد إلى 80
بالمستقلين، وإن كان يحسب هذا الحزب على
الجناح المؤيد للرئيس مشرف، ولكن بقية
القوى الأخرى الكبرى الفائزة من خصوم
الجنرال مشرف؛ مما يزيد مأزق الحكم.
فحزب
الشعب المعارض الذي ترأسه "بينظير
بوتو" فاز بـ63 مقعدا وجاء في المركز
الثاني، وحزب الرابطة الإسلامية الحاكم
السابق بزعامة نواز شريف فاز بـ 20
مقعدا، وهو ما يعني أن تحالف الأحزاب
الإسلامية الستة (المجلس التنفيذي
المتحد) سيكون له دور حيوي في أي حكومة
مقبلة، أو على الأقل سيمثل معارضة قوية.
وساعد
على الظهور القوي للإسلاميين أن
الأحزاب القومية اليسارية الباشتونية
مُنيت بخسارة كبيرة، ولم تحصل إلا على
عدد محدود من المقاعد، حتى إن كلا منها
حصل على مقعد واحد.
ومن
الواضح أن البطش الزائد من جانب حكومة
مشرف العسكرية أثمر مزيدا من التعاطف
الشعبي مع الإسلاميين لعدة أسباب، منها:
استمرار حالة الفقر والبطالة الحادة
وعدم تحقيق حكومة مشرف أي تقدم فيها رغم
المساعدات الأمريكية، وحملة
الاعتقالات غير المسبوقة خلال ضرب
الولايات المتحدة لأفغانستان، فضلا عن
رفع الإسلاميين شعارات إيجابية بشأن
تحسين أحوال الفقراء والأحوال
الاقتصادية، ورفض التحالف مع أمريكا.
بل
إن محللين باكستانيين يرون أن السبب
الرئيسي لفوز الأحزاب الإسلامية يرجع
إلى وضوح أهدافها، بعكس بقية القوى
السياسية الأخرى التي كانت شعاراتها
وأهدافها غير واضحة. فالتحالف الإسلامي
الذي سمّى نفسه "تحالف الأمل" أعلن
بوضوح رفضه الهيمنة الأمريكية على
الشئون الباكستانية، ورفع شعارات مؤيدة
للمقاومة في فلسطين وكشمير، كما أعلن عن
خطط ومشاريع لإنعاش الاقتصاد.
وساعد
على فوز الإسلاميين أيضا أن الحزبين
الكبيرين (حزبي بوتو ونواز شريف) يمران
بأصعب مراحل حياتهما بسبب اتهام رئيسي
الحزبين بالفساد، والاستيلاء على أموال
البلاد، حتى وصل الأمر إلى الحكم على
بوتو بالسجن هي وزوجها، وحرمانها من
العودة للبلاد، وفرص حصار على نواز شريف.
ولأن
النظام الانتخابي الباكستاني يخصص 10
مقاعد للأقليات غير المسلمة، و60 مقعدا
أخرى للنساء في البرلمان تختارهن
الأحزاب السياسية الباكستانية الفائزة
بأكثر من 5% من الأصوات، فسوف يكون من حق
التحالف الإسلامي أن يختار قرابة 20
برلمانيا آخرين متحالفين معه.
دلالات
الانتخابات
هناك
أكثر من دلالة على نتائج هذه
الانتخابات، منها:
1-
"اتحاد الأمل" الذي يضم ائتلاف
الأحزاب الإسلامية حقق أفضل النتائج في
إقليمي سرحد وبلوشستان القريبين من
أفغانستان؛ ما يعني رفض سكان هذه
المناطق لحرب الإرهاب الأمريكية،
وتأييدهم لطالبان وبن لادن عمليا، حيث
كانوا يرفعون اللافتات ويقودون
المظاهرات المؤيدة لطالبان وبن لادن
ويحرقون الأعلام الأمريكية.
2-
سيضع فوز الإسلاميين واقترابهم من
السلطة الجنرال مشرف في حرج بالنظر إلى
خصومته الشديدة معهم من جهة، وحالة
التحالف التاريخية القديمة بين
الإسلاميين والجيش (جهاز المخابرات
العسكرية تحديدا) من جهة أخرى، بحيث قد
يؤدي مزيد من الصدام بين مشرف والقوى
الإسلامية إلى انقلاب جديد من أنصار
الإسلاميين في الجيش، وقد يؤدي لتغيّر
في خريطة القوى السياسية وإضعاف
الديمقراطية، في ظل سعي مشرف لتغيير
الدستور لتعزيز سلطاته، كما فعل من قبل
الجنرال ضياء الحق.
3-
لم يحصل أي حزب على أغلبية تؤهله
لتشكيل حكومة بمفرده أو بالتحالف مع طرف
واحد، وإذا قُدر للرئيس مشرف أن يختار
بين الإسلاميين وحزب بوتو فهو سيفضل
الإسلاميين لأسباب عديدة؛ ما يعني أنه
ستكون هناك فرصة أكبر للإسلاميين
لتشكيل الحكومة المقبلة مع حزب الرابطة
الإسلامية أكبر الأحزاب الفائزة.
4-
الشعب الباكستاني لا يزال متمسكا
بالخيار الإسلامي، على الرغم من عمليات
التغريب الواسعة وتغلغل النفوذ
الأمريكي، وهو حساس في الوقت نفسه تجاه
الفساد الذي يعد الوجه الثاني للمشاكل
الاقتصادية التي يعاني منها الشعب.
5-
وصول الإسلاميين للسلطة -ولو في إطار
تحالف- سيفرض على الرئيس مشرف قيودا
فيما يتعلق بالتعاون العسكري مع أمريكا
في المنطقة، وإن كان سيقوي الحكومة
الباكستانية أمام جاراتها اللدودة
الهند التي يحكمها تحالف هندوسي متطرف
بزعامة حزب بهارتيا جاناتا.
ذعر
غربي وطمأنات باكستانية
ولأن
فوز الإسلاميين بعدد كبير من المقاعد
كان مفاجأة للداخل والخارج؛ فقد توسعت
الصحف الأمريكية والغربية في تحليل ما
بعد هذا الفوز، وتنبأت بمستقبل مظلم
لباكستان، بحجة أن أنصار طالبان عادوا
للحكم .. ولكن هذه المرة في باكستان
نفسها!.
كما
بدأت مراكز الأبحاث الأمريكية تدرس
خيارات التحالف ضد "حملة الإرهاب"
الأمريكية بدون باكستان؛ الأمر الذي
دفع باكستان لنفي هذه التكهنات.
فقد
أكد "نزار ميمون" وزير الإعلام
الباكستاني أن "فوز الأحزاب الأصولية
الإسلامية في الانتخابات التشريعية
الباكستانية لن يعدّل من السياسة
الخارجية لباكستان وانتمائها إلى
التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب".
وقال
في 13 أكتوبر الجاري: إن النتيجة التي
حققها اتحاد مجلس الأمل (ائتلاف الأحزاب
الإسلامية الستة) لا تشكل تهديدا
لانضمام باكستان إلى الحرب ضد الإرهاب.
كما
سعى مسئولون في حكومة مشرف لتسريب أخبار
مضمونها أن مشرف سيتدخل بالضرورة – في
حالة تشكيل الإسلاميين للحكومة- لإعطاء
الحقائب الوزارية الحساسة لأنصاره،
وخصوصا وزارات: الدفاع والخارجية
والتعليم والداخلية، على اعتبار أن كل
وزارة من هذه الوزارات تقوم بمهمة معينة
ضمن الخطة الأمريكية لمكافحة الإرهاب؛
حيث تتكفل وزارة التعليم بتغيير نظام
التعليم الديني، والخارجية بالتعاون مع
التحالف الغربي في مواقف دولية،
والدفاع في ترتيب أمور القواعد
العسكرية الأمريكية في باكستان،
والداخلية في قمع معارضي النظام وضمان
السيطرة على الشارع.
والأهم
أن الإسلاميين أنفسهم سعوا لتصحيح
الصورة التي يرسمها الغرب لهم، ومن ذلك
التصريح السابق ذكره الذي قاله "قاضي
حسين" أمير الجماعة الإسلامية وشدد
فيه على أن تحالف الأمل ليس نسخة من
طالبان، وتأكيده مرة أن الأحزاب
السياسية الإسلامية لا تناهض الغرب
عموما، ولن تتخذ بالتالي سياسات مناهضة
للغرب بقوله: إن "التحالف سيتبع سياسة
ديمقراطية، وسيقيم علاقات ودية مع
القوى الأجنبية"، وإن كان شدد على
معارضته للقوات الأمريكية الموجودة في
باكستان، وفقا لما قاله للصحفيين يوم 21
أكتوبر الجاري 2002.
بل
إن قاضي حسين ألمح -في لقاء مع وكالة
الأنباء الفرنسية- إلى أن معارضة
التحالف لوجود القوات الأمريكية قابل
للتفاوض بقوله: "سنظهر مرونة، وسنتخذ
جميع الخطوات التي تتفق مع المصالح
القومية".
وعلى
الرغم من أنه لا علاقة حقيقية بين
غالبية أحزاب هذا التحالف الإسلامي
وطالبان، وأن هناك خلافات واسعة في
الأفكار والرؤى بين الإسلاميين في
باكستان وحركة طالبان، فمن الواضح أن
تصريحات الإسلاميين المطمئنة بأنهم
ليسوا نسخة من طالبان قد قرّبت أكثر بين
الإسلاميين وحزب الرابطة الإسلامية (جناح
قائد أعظم) الموالية للرئيس مشرف، وظهرت
بالفعل تصريحات من قادة الحزبين ترحب
بتشكيل ائتلاف حكومي مشترك.
وفي
هذا الصدد لم تُخفِ الرابطة الإسلامية
من جهتها إمكانية التحالف مع تحالف "الأمل
الإسلامي"، وأكد هذا "شودري شجاعة
حسين" رئيس الكتلة البرلمانية في
الرابطة الإسلامية بقوله: "أعتقد
أننا سنتحالف مع الإسلاميين".
كذلك
لم يخف الإسلاميون رغبتهم في التحالف مع
الرابطة الإسلامية، وأبدوا ترحيبا
بهذا، وإن لم يستبعدوا كلية التحالف مع
حزب بوتو أيضا، ولكنّ نفور الرابطة
الإسلامية المقربة من مشرف من حزب بوتو
قد يدفع في اتجاه تشكيل ائتلاف حكومي
بين الإسلاميين وحزب الرابطة المقرب من
مشرف، خاصة أن هناك أرضية دينية فكرية
مشتركة بين الطرفين.
ولكن
يظل السؤال: إلى متى يستمر هذا الائتلاف
إذا قام؟ وإلى متى ستصمد العلاقة
المتوترة بين الإسلاميين والجنرال
مشرف، خصوصا أن كل طرف يترصد للآخر
ويستعد لفتح الملفات له؟
نتائج
الانتخابات
|
الحزب |
عدد
المقاعد |
|
حزب
الرابطة الإسلامية (جناح قائد أعظم)
المقرب من الرئيس برويز مشرف |
77 |
|
حزب
الشعب - حزب بينظير بوتو |
63 |
|
المجلس
التنفيذي المتحد (التحالف الإسلامي) |
53 |
|
حزب
الرابطة الإسلامية (جناح نواز شريف)
رئيس الوزراء السابق |
20 |
|
الحركة
القومية المتحدة |
14 |
|
التجمع
الوطني |
12 |
|
عشرة
أحزاب صغيرة |
20 |
اقرأ
أيضا:
**
محلل
الشئون السياسية باسلام أون لاين. نت
|