 |
|
الألمان
يدوسون على العلم الأمريكي
|
إن
التمرد الأوروبي على الأمريكيين يمثّل
تطورًا ثابت الاتجاه
يتكامل مع مواقف دولية أخرى بدرجات
متفاوتة، ولا يتوقع له إلا أن يزداد
ظهورًا وقوة، عامًا بعد عام، وحدثًا بعد
حدث، سواء وقعت الحرب الأمريكية ضد
العراق، أم أوقفت الآلة العسكرية في
اللحظات الأخيرة. ومن المؤكد هنا أيضا
أن الدول العربية والإسلامية أصبحت -بهذا
المنظور- أقرب سياسيًا إلى أوروبا،
شريطة عدم فهم الاقتراب السياسي بأسلوب
التبعية السياسي. وهذا بعض ما يفسر
الإلحاح المتزايد تدريجيا من جانب
الأوروبيين، أن تتخذ الدول العربية
–على الأقل- مواقف أقوى سياسيًا في مثل
قضية العراق.
التمرد
الأوروبي المتصاعد
من
هنا ينبغي عدم النظر في الموقف الألماني
والفرنسي -تجاه الحرب العدوانية
المحتملة ضد العراق- على أنه حدث قائم
بذاته؛ فهو جزء من مسلسل التمرد
الأوروبي المتصاعد على الهيمنة
الأمريكية العالمية، أو ما يمكن وصفه
بمرحلة جديدة على طريق الطلاق الأطلسي.
ولا
ريب في أن مثل هذا التباعد المتزايد بين
الحلفاء على جانبي المحيط الأطلسي يمثل
حدثًا كبيرًا، عند النظر إليه بمنظار
أربعين عامًا سبقته من التحالف المستقر
في حقبة الحرب الباردة، ولهذا فمن
الطبيعي أن يحتاج تاريخيا إلى فترة
زمنية طويلة نسبيا؛ وبالتالي لا يصح
تقويمه دون المقارنة بين الأوضاع
والعلاقات الثنائية على فترات زمنية
متباعدة. كذلك فمن الطبيعي أن تشهد
مرحلة التحول الحالية انقسامات
أوروبية، ما بين مؤيد ومعارض لذلك
التباعد..
ومثل
هذه الانقسامات كشف عنها التعامل
الحالي مع قضية العراق. ولا ينفي ذلك أن
الفراق بين الجانبين آت آجلاً أو
عاجلاً، ولن يتوقف هذا التطور -أو
يتعرقل قليلا- إلا إذا حدثت في الولايات
المتحدة الأمريكية نفسها تطورات
داخلية، تُلجم القوى المسيطرة حاليا
على صناعة القرار، والتي جعلت من هدف
الهيمنة العالمية المطلقة هدفًا ثابتًا.
ويرصد
الغربيون التحولات الجارية داخل
التركيبة الفكرية والسياسية في
الولايات المتحدة الأمريكية، فيقدرون
أن ما يجري في قضية الحرب العدوانية ضد
العراق يمثل "جانبًا واحدًا" من
جوانب عديدة وخطيرة على مختلف أنحاء
العالم بما في ذلك أوروبا.
وفي
مقدمة ما بدأ الحديث الأوروبي العلني
عنه أن الحملة الأمريكية الجديدة
للهيمنة لم تنطلق بعد تغيرات نيويورك
وواشنطن، كما يقال أحيانًا، إنما
كانت الصياغة الأولى لهذه الحملة قد
وضعت بغض النظر عن أي حدث "استفزازي".
وقد بدأ هذا التخطيط عقب نهاية الحرب
الباردة مباشرة، ولا ينفصل عن السياسة
الرسمية المتبعة في واشنطن في الوقت
الحاضر.
يا
لها من وثيقة!
وكان
في مطلع ما ثبّت توجيهَ السياسة
الأمريكية نحو الهيمنة العالمية
المطلقة، وثيقة أعطيت عنوان "صيغة
الإستراتيجية الأمريكية للقرن الجديد"،
وكانت من وضع بول وولفويتس، نائب وزير
الدفاع الأمريكي رونالد رامسفيلد
حاليا، وذراعه اليمنى منذ بداية فترة
رئاسة جورج بوش الابن في مطلع عام 2001،
ولكن الوثيقة نفسها اكتملت ونُشرت
للمرة الأولى عام 1991، ثم خفت النقاش
العلني حولها فترة من الزمن ليعود ما
يُعرف بتيار المحافظين إلى تبنيها
ونشرها رسميًا. وكان ذلك مع نهاية
عام 2000، أي قبل وقوع تفجيرات نيويورك
وواشنطن بحوالي 10 شهور.
الأوربيون
يعلمون أن السياسة العدوانية الحالية
لا تجد التبرير الصحيح عند تصويرها
ردًّا على "حدث كبير" كتفجيرات
واشنطن ونيويورك، أو ردًّا على "خطر
كبير" كما يجري الحديث عن العراق مما
يردده الأمريكيون (والمتأمركون) غالبا..
إنما هي سياسة هيمنة لا تتورع عن أي شيء
لتحقيق هذه الغاية.. وهو ما يظهر من
المحاور الرئيسية للوثيقة المشار إليها:
*
العمل على منع بروز أي قوة إقليمية
منافسة عالميا، مثل اليابان أو ألمانيا
اللتين نصت الوثيقة على ذكرهما بصورة
مباشرة كمثالين.
*
نشر عدد كبير من القواعد العسكرية
الأمريكية في آسيا وأفريقيا، ومعروف
أنه نُشر بالفعل في هذه الأثناء زهاء 30
قاعدة عسكرية جديدة في منطقة الخليج
وجنوب آسيا، بالإضافة إلى القواعد "الأطلسية"
والأمريكية في شرق أوروبا وجنوبها
الشرقي.
*
منع أي دولة -مشكوك في ولائها المطلق- من
امتلاك أسلحة الدمار الشامل، بحيث تصبح
الهوة الفاصلة بينها وبين سواها غير
قابلة لأن تتجاوزها أي جهة أخرى.
*
الوصول بالقوات الأمريكية تسلحًا
وقيادة إلى مستوى خوض أكثر من حرب في وقت
واحد.
*
الأخذ بمبدأ ما يُسمى "الحرب
الوقائية" وتوجيه ضربات عسكرية قاصمة
لكل من العراق وإيران وكوريا الشمالية.
*
السيطرة المباشرة على منابع النفط
الخام وطرق إمداداته إلى العالم الغربي.
*
اعتبار النظام العالمي -الذي قام بعد
الحرب العالمية الثانية حول محور
المنظمة الدولية وفروعها- غير ملزم
للولايات المتحدة الأمريكية، وفرض
الإرادة السياسية الأمريكية على أساس
نشر القيم الأمريكية عالميا.
من
يطّلع على مثل هذه الأهداف لأول مرة،
ويستحضر أنها وضعت منذ عام 1991، يتشكك في
إمكانية تحقيقها أصلاً. وبالتالي
يتساءل عن أسلوب تفكير واضعيها
وتصوراتهم.. فقد ورد في الوثيقة أن هذه
الأهداف غير قابلة للتحقيق خلال فترة
وجيزة، إلا إذا وقعت "كارثة كبرى
من قبيل بيرل هاربور"، إشارة إلى
الهجوم الياباني على الأسطول الأمريكي،
والذي أدى في حينه إلى الإعلان الأمريكي
عن الدخول في الحرب العالمية الثانية.
وكان هذا النص أحد المرتكزات التي دفعت
حتى بعض الأمريكيين إلى التشكيك في
الصيغة الرسمية بشأن المسؤولية عن
تفجيرات نيويورك وواشنطن، دون مشاركة
من أعلى المستويات من داخل الولايات
المتحدة الأمريكية نفسها.
أمام
هذه الخلفية ينبغي النظر إلى المعارضة
الراهنة للحرب الأمريكية ضدّ العراق على
أنها معارضة لمحطة من المحطات
الأمريكية على طريق هيمنة عالمية.
ويعزز ذلك أن هذه المعارضة لم تبدأ، كما
يتردد حاليا بالموقف الألماني في نهاية
عام 2002، بل بدأت في مطلع ذلك العام نفسه،
عندما طرح وولفويتس نفسه في منتدى
ميونيخ للشؤون الأمنية -بعد انتهاء
الموجة الرئيسية من الحملة العسكرية ضد
أفغانستان مباشرة- خطة توجيه ضربة
عسكرية للعراق.
كذلك
فالخطوات الأوروبية الرافضة للهيمنة
الأمريكية عمومًا لم تبدأ بالمواقف
الفرنسية-الألمانية بشأن الحرب ضد
العراق، وإنما بدأت فور سقوط
الشيوعية، ومساعي التميز الأوروبي
أمنيًا عن الولايات المتحدة الأمريكية،
وتشكيل فيلق عسكري أوروبي خارج نطاق حلف
شمال الأطلسي، الأمر الذي سجل مزيدًا
من الخلافات، كما حدث على سبيل المثال بشأن:
*
الأسلوب الأمريكي في التعامل مع حروب
البلقان.
*
الخلاف حول تعيين قيادات أوروبية في
الجناح الأوروبي من حلف شمال الأطلسي.
*
حرب كوسوفا الأخيرة ضد صربيا وحظر
معلومات وصور فضائية أمريكية عن
الحلفاء الأوروبيين.
*
مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي.
حرب
منزوعة الشرعية
وهنا
تأتي تهديدات الحرب الأمريكية الراهنة
ضد العراق لتعزز مخاوف الأوروبيين
ومواقفهم، لا سيما بعد أن ظهرت المساعي
الأمريكية لتطويق أوروبا الغربية
بالدول الأوروبية الشرقية الراغبة في
الحصول على مساعدات مالية وعسكرية
غربية.
ولئن
تبدل الموقف الفرنسي مثلا، فقد يتبدل
فقط نتيجة حرص فرنسا على ألا تصل
القطيعة بينها وبين واشنطن إلى درجة
المواجهة المطلقة في مجلس الأمن الدولي
وخارج نطاقه، أي إلى شبيه ما كان بين
المعسكرين الغربي والشرقي. وقد يكون
ذلك أقرب إلى قبول فرنسا بالحرب كارهة،
من أن تجد نفسها أمام حرب تزيل أرضية
النظام الدولي التي ما تزال تقف عليها
كدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن
الدولي.
ولهذه
المخاوف الفرنسية ما يبررها.. فالتحرك
العسكري الأمريكي -سواء بمشاركة
بريطانية فقط أم بمشاركة أوسع- يبقى
خارج نطاق "الشرعية الدولية"
بمختلف المقاييس. فالمادة 24 من ميثاق
الأمم المتحدة توكل لمجلس الأمن الدولي
مهمة "الحفاظ على السلام العالمي
والأمن الدولي"، ولا تذكر شيئا عن
إمكانية أن يعرضهما المجلس للخطر. أما
الآليات التي يقررها الميثاق كإجراءات
وقائية، فهي الجهود الدبلوماسية لا
العسكرية بطبيعة الحال.
وبغض
النظر عن واقع القوى الدولية وأثره على
مجلس الأمن الدولي، يبقى من الثابت - إن
لم يثبت حتى اليوم- حالة "خرق السلام
الدولي" إلا ثلاث مرات: عندما اقتحمت
قوات كوريا الشمالية أراضي كوريا
الجنوبية، وفي أزمة فولكلاند، وعندما
غزا العراق الكويت. كما وردت حالات أخرى
اعتبرها المجلس "خطرًا على السلام"،
وهي الهجمات التي تعرضت لها نيويورك
وواشنطن، ثم خرق حقوق الإنسان على نطاق
واسع كما جرى في البلقان. ولكن لم
يتخذ المجلس قرارًا بالحرب في تلك
الحالات، بل لم يصدر عنه مثل هذا
القرار؛ كذلك فإن تعبير "الحرب
الوقائية" غير وارد في نص الميثاق،
ولا في أي نص آخر معتمد لدى "الأسرة
الدولية".
وعلى
أساس هذه المعطيات يؤكد كثير من الخبراء
في القانون الدولي أنه حتى لو صدر قرار
عن مجلس الأمن الدولي بالحرب، فإنه لا
يعطيها صفة "المشروعة" بمفهوم
القانون الدولي. ومن هؤلاء مثلاً عالم
القانون الدولي المعروف بروفيسور "توماس
بروها" من جامعة هامبورج، الذي اعتبر
أن القرار المنتظر منه لا يتعلق بالعراق
فقط، بل بمستقبل الأمم المتحدة نفسها.
فتحويل المجلس إلى أداة في يد الولايات
المتحدة الأمريكية يوجد وضعًا لا يمكن
أن تثبت عليه شبكة المنظمة الدولية
طويلاً.
وأكد
الخبير في شؤون القانون الدولي أن
المجلس ليس مطلق الحرية في اتخاذ
قراراته، بل يجب أن يراعي فيها مبادئ
أساسية، مثل رفض الحرب وحماية حقوق
الإنسان.. وأضاف أنه "إذا أقدم بوش -دون
قرار من جانب المجلس- على شن حرب ضد
العراق، فسيؤدي ذلك إلى نهاية النظام
العالمي الحالي" و "إخضاع الحق
للقوة".. وأكد أيضا ضرورة التزام حرب
أمريكية بالقواعد المنهجية للقانون
الدولي.. فالعمليات العسكرية
محظورة، إلا في حالة الرد على هجوم وقع،
أو يوشك أن يقع، أو بتفويض واضح من جانب
مجلس الأمن الدولي.
كما
أبرز بروفيسور "بروها" أن صدور
قرار بالحرب من جانب المجلس لا يحمل صفة
الشرعية الدولية إلا في حال ظهور أدلة
جديدة واضحة يؤخذ منها أن العراق يشكل
بالفعل خطرًا على السلام.
وقال
إنه في حالة خضوع المجلس للولايات
المتحدة الأمريكية سيحمل المجلس نفسه
المسؤولية عن نظام خاضع للهيمنة
الأمريكية، "وسيكون لدينا آنذاك نظام
سلام أمريكي مثل نظام السلام العتيق من
عهد الرومان". فقبل ألفي عام أعلنت
روما وجوب "أن يخضع الجميع
للإمبراطورية حفاظًا على السلام.. وهذا
ما تصنعه الولايات المتحدة الأمريكية
الآن".
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب عربي
مقيم في ألمانيا
|