بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

إفريقيا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


فرنسا ضحكت على الأفارقة بالملف العراقي

23/02/2003

بدر حسن شافعي**  

الرئيس الفرنسي يحيي رئيس زيمبابوي

تشكِّل القارة السمراء إحدى أهم دوائر السياسة الخارجية الفرنسية، وهو الأمر الذي عبَّر عنه الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران في القمة الفرنسية الأفريقية التي عقدت في بيارتيز بفرنسا (نوفمبر 1994)، حيث أكَّد للحاضرين أنه بدون أفريقيا لن يكون لفرنسا تاريخ في القرن الحادي والعشرين. فالقارة السمراء كانت مجد فرنسا ومنطقة نفوذها التاريخية؛ لذا فمن الصعب تخيل قيام رئيس أو حكومة فرنسية -أيًّا كانت توجهاتها- بالتخلي عن أفريقيا.

ويبدو أن هذا الإدراك ليس مقصورًا على ميتران فقط، بل هو استمرار لسياسة ثابتة، حيث سبقه في ذلك الجنرال ديجول، الذي أرسى تقليدًا لا يزال ساريًا، يشرف بموجبه رئيس الدولة الفرنسية -بمعاونة مستشارين في قصر الإليزيه- على ملف الشؤون الأفريقية، ويصنف هذا الملف على أنه "بالغ السرية". كما تم في منتصف التسعينيات من القرن الماضي ربط وزارة التعاون الدولي مع أفريقيا بوزارة الخارجية؛ لضمان فاعلية التواصل مع قضايا القارة(1).

ومن هنا يمكن فهم أسباب اهتمام الحكومة الفرنسية الحالية بالقارة الأفريقية. هذا الاهتمام الذي تجلى بوضوح في القمة الفرنسية الأفريقية الأخيرة التي عقدت على مدار ثلاثة أيام في الفترة من 19-22 فبراير 2003، ورفعت شعار "من أجل الشراكة مع أفريقيا"، وشارك فيها وفود 52 دولة (42 رئيسًا، 10 على مستوى الوزراء والسفراء). ومن ثَم فهي مثلت كل الدول الأفريقية باستثناء الصومال؛ نظرًا للصعوبات المادية في التنقل. ومن ثَم فهي تُعَدّ أكبر تجمع أفريقي على مستوى القارة.

الأهداف الفرنسية في أفريقيا

تسعى السياسة الفرنسية في أفريقيا إلى تحقيق عدة أهداف، أهمها:

* الهيمنة على أفريقيا، حتى وإن بدا من التصريحات الرسمية غير ذلك، وهو ما أكَّده مستشار الرئيس السنغالي السابق عبده ضيوف؛ حيث أشار إلى أن لفرنسا قواعد عسكرية تفوق قوتها وقدراتها القتالية كفاءة الجيوش الأفريقية الوطنية، وأنها تمثل تهديدًا لأمن واستقرار المنطقة.

* مواجهة النفوذ الأمريكي المتزايد في القارة، خاصة بعد الحرب الباردة، وبعد تراجع مكانة بريطانيا.

* الاحتفاظ بمصالحها الاقتصادية مع أفريقيا؛ حيث يبلغ حجم الصادرات الفرنسية 13.5 مليار دولار سنويًّا، فضلاً عن المشاريع الاقتصادية الهائلة في الدول الأفريقية، مثل شراء شركات المياه والكهرباء والهواتف في السنغال، واستثمارات النفط في الكونجو برازافيل، التي تقوم بها شركة "أو- إل- إف إكيستان"، ويتراوح حجم استثماراتها خلال العقدين القادمين بين 40 و60 مليار دولار.

مشروع أفريقيا

إن السياسة الفرنسية الحالية -بشقيها السياسي والاقتصادي- تنبع من المشروع الذي أعدته وزارة الخارجية الفرنسية عام 1997، وعُرِف باسم "مشروع أفريقيا"، وكانت أهم ملامحه: 

1- تأييد إقامة أنظمة سياسية جديدة في الدول الأفريقية وفق مبادئ الديمقراطية (بالطبع وفقًا لمعايير المصلحة الفرنسية).

2- دعم العلاقات بأنواعها مع الحكومات المدنية، والعمل على تقليص دور المؤسسات العسكرية في أفريقيا.

3- إعداد كوادر سياسية واعية من الشباب، وتثقيفهم وتدريبهم سياسيًّا وحزبيًّا؛ لكي تكون النخبة السياسية الحاكمة في المستقبل تابعة لباريس.

4- دعم برامج التنمية والإصلاح الاقتصادي، مع التركيز على الدول التي تمتلك بنية أساسية معقولة.

5- إعادة تنظيم التواجد العسكري الفرنسي في أفريقيا؛ بحيث يضم الخبراء والمستشارين أكثر مما يضم وحدات عاملة. وبالفعل قامت فرنسا بتقليص عدد قواعدها العسكرية في القارة إلى 6 قواعد فقط في دول: جيبوتي، تشاد، السنغال، كوت ديفوار، الكاميرون، الجابون. وكانت آخر قاعدة تمت تصفيتها هي قاعدة بونجي في أفريقيا الوسطي أواخر عام 1997، وذلك بعدما كانت تُستخدم للهيمنة على مناطق أفريقيا الوسطى والبحيرات العظمى(2). ويلاحظ أن هذه الخطة التي اعتمدتها فرنسا -ويظهر منها حرصها الرسمي على الالتزام بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان– جاءت بعد الانتقادات الدولية الحادة التي تم توجيهها لحكومة باريس؛ بسبب إصرارها على دعم الأنظمة الفاسدة.

القمتان: الأفريقية والفرانكفونية

هناك فارق بين المنظمة الفرانكفونية والقمة الفرنسية الأفريقية. صحيح أن الأهداف تكاد تكون واحدة فيما يتعلق بإيجاد رابطة بين فرنسا والدول التي استعمرتها، استنادًا إلى الروابط الثقافية والاقتصادية بالأساس، إلا أنه تظل هناك فروقات بين التنظيمين.

فمنظمة الفرانكفونية ذات طابع رسمي، ولها أهمية بالغة فيما يتعلق بالتواصل بين فرنسا والدول الناطقة بالفرنسية على مستوى العالم، وليس أفريقيا فحسب.

فكما يتضح من المعنى الحرفي للكلمة في قاموس أكسفورد أن الفرانكفونية تعني الصوت الفرنسي؛ لذا فهي –أي المنظمة- بمثابة مشروع يخضع لإشراف الدولة التي تديره؛ بهدف تحقيق أهداف خاصة؛ لذا فهي تخضع لإشراف مؤسسة الرئاسة، ووزارة الخارجية، والمخابرات الفرنسية(3).

ويلاحظ أن نشأة الفرانكفونية ارتبط بالأساس بأفول نجم فرنسا أوائل الستينيات من القرن الماضي. ففكرت في إيجاد رابطة جديدة على غرار رابطة الكومنولث البريطاني؛ حيث كان عمادها الأساسي الجنيه الإسترليني؛ مما أثار تطلعات الرئيس الفرنسي الراحل ديجول الذي سعى لإيجاد بديل فرنسي على غرار الكومنولث. ولكن نظرًا لضعف الفرنك الفرنسي آنذاك، فإن اللغة الفرنسية طرحت نفسها كبديل. وهكذا ظهرت الفرانكفونية كمنظمة رسمية عام 1970، قاعدتها الأساسية اللغة والثقافة الفرنسية(4).

أما القمة الفرنسية الأفريقية فهي تُعَدّ دعمًا لجهود ديجول في توطيد أواصر الصداقة مع الدول الأفريقية تحديدًا، حيث كان يعتبر أفريقيا بمثابة الفناء الخلفي لبلاده. وأدرك أن عليه الاستجابة لنداء الشعوب الأفريقية بشأن الاستقلال، وإلا سارت في طريق الاستقلال بمفردها. ومنذ استقلال هذه الدول بدأت اللقاءات على مستوى القارة. وفي عام 1976 تم دعوة عدة دول من المتحدثين بالبرتغالية للمشاركة كمراقبين؛ فتحول اللقاء منذ ذلك الحين من قمة فرانكفونية إلى قمة أفريقية فرنسية. وفي عام 1981 تحولت رسميًّا إلى اسم "مؤتمر رؤساء فرنسا وأفريقيا"، وفي عام 1989 تم الاتفاق على عقد القمة كل عامين بالتناوب بين فرنسا والدول الأفريقية. وقد أخذ عدد الدول المشاركة يتزايد منذ الثمانينيات، حتى شاركت جميع الدول -باستثناء جزر القمر- في قمة ياوندي رقم 21 بالكاميرون (20-21/1/2001)(5).

القمة وقضايا الساعة

ويلاحظ أن القمم السابقة كانت تحمل عنوانًا يتناسب مع أبرز القضايا المثارة في حينها. ومنذ التسعينيات تركزت القمم على قضايا التنمية الاقتصادية وعلاقتها بالأمن. فالقمة العشرون في باريس (26-28/12/1998) كان شعارها "الأمن في أفريقيا"، وقمة ياوندي التي تلتها كان شعارها "العولمة وأفريقيا". والقمة الأخيرة كان شعارها "المشاركة مع أفريقيا في ضوء مبادرة التنمية الجديدة في أفريقيا"، والمعروفة باسم "نيباد"، التي تقوم بالأساس على اعتماد الأفارقة على أنفسهم في عملية التنمية. ويلاحظ أن المناقشات داخل هذه القمم تتم بصورة غير رسمية، أي أنها بمثابة منتدى للحوار فقط.

توقيت القمة الأخيرة

اكتسبت القمة الأخيرة أهميتها من عدة نقاط:

* أنها تأتي في ظلّ انشغال فرنسا بالملف العراقي، والمواجهة مع خصميها اللدودين بريطانيا والولايات المتحدة في مجلس الأمن بشأن العراق. وكانت فرنسا حريصة على عقدها في وقتها، بل طرحت ملف العراق -غير الأفريقي- عليها؛ أي وكأنها استهدفت إظهار قوتها أمام خصومها؛ وكانت القمة بمثابة استفتاء إفريقي بشأن الموقف الفرنسي من العراق.

* أنها تأتي في توقيت حرج بالنسبة لفرنسا، التي فشلت في إحلال السلام في كوت ديفوار، وهي من أهم الدول الفرانكفونية في القارة، وترتبط باتفاقيات أمنية ودفاعية مع باريس، كما يوجد بها إحدى القواعد الست التي تحتفظ بها فرنسا في القارة؛ لذا لا غرابة في أن تأخذ أزمة كوت ديفوار جانبًا كبيرًا من المناقشات، تمامًا كما حدث في قمة ياوندي السابقة، والتي تم تخصيص جانب كبير منها لمناقشة الأزمة في الكونغو الديمقراطية بعد اغتيال لوران كابيلا الأب(6).

وقد ناقشت القمة عدة قضايا اقتصادية وسياسية، منها: سبل الوقاية من النزاعات، تنمية المصادر الطبيعية وحمايتها خاصة المياه والزراعة، مناقشة القضايا الخاصة بالصحة والتعليم، بحث سبل تقوية المنظمات الإقليمية في مجال حفظ السلم والأمن. وكان واضحًا في مناقشات الوفود مدى إحساس الدول الأفريقية بضآلة المساعدات الفرنسية المقدمة لهم في مجال التنمية. ولعلّ هذا ما دفع الرئيس شيراك كعادته إلى التأكيد على استمرار تدفق هذه المساعدات.

ملاحظات حول القمة

* القمة لم تكن إفريقية خالصة؛ بمعنى أنها لم تقتصر على مناقشة قضايا القارة –وما أكثرها وأعقدها- وإنما امتدت لمناقشة قضايا المنطقة العربية، خاصة الملفين العراقي والفلسطيني. بل أكثر من ذلك فقد أصدرت القمة بيانًا منفصلاً بشأن الأزمة العراقية يُعَدّ بمثابة صورة كربونية للموقف الفرنسي من الأزمة. ولا شك أن هذا جاء على حساب قضايا القارة التي عادة لا تأخذ حظها من المناقشة المستفيضة.

* كثرة المحادثات الجانبية على هامش القمة بين رؤساء الدول والوفود الذين يعملون على استغلال هذه المناسبة من أجل التباحث في القضايا الثنائية، وليست القارية.

* خلو البيان الختامي من جوانب عملية فيما يتعلق بحل المشاكل المطروحة على جدول الأعمال. ولعلّ هذا قد يكون راجعًا -في جانب كبير منه- إلى رغبة فرنسا في عدم تحمل مسئولية أكبر تجاه القارة.

* التأكيد في البيان الختامي على أهمية مبادرة النيباد بشأن التنمية الأفريقية، والتي تعني بالأساس اعتماد الأفارقة على مواردهم الطبيعية والبشرية. لكن هذا الأمر يمكن تحقيقه بعد فترة انتقالية وليس الآن؛ ومن ثَم ينبغي أولاً استمرار المساعدة، بل وزيادتها في الفترة القادمة، حتى تخرج الدول الأفريقية من عنق الزجاجة. ويبدو أن فرنسا تحذو حذو واشنطن -كلينتون- الذي رفع شعار "المشاركة بدلاً من المساعدة". ومن هنا يمكن فهم أسباب اتخاذ هذا الشعار عنوانًا للقمة الأخيرة، أي أن فرنسا ترغب في استمرار تبعية أفريقيا لها بأقل تكلفة.

الخلاصة إذن أن فرنسا سعت في القمة الأخيرة إلى توجيه رسالة لكل من واشنطن ولندن؛ مفادها أنها بمثابة قوة كبيرة لا يمكن الاستهانة بها، وأنها قادرة على حشد الأفارقة في هذا الشأن. كما نجحت أيضًا في الحصول على تفويض من هؤلاء في دعم موقفها بالنسبة للملف العراقي. لكن في المقابل فإن السؤال هو: ما الذي استفاده الأفارقة من القمة؟ أو بمعنى آخر: ما الذي دفعته فرنسا لهؤلاء؟  


الهوامش والمراجع:

  1. بدر حسن شافعي، في البحيرات العظمى.. فرنسا ترتدي ثوبًا أمريكيًّا

  2. د/ إجلال رأفت، السياسة الفرنسية في أفريقيا جنوب الصحراء، السياسة الدولية (القاهرة: مؤسسة الأهرام، عدد 145، يوليو 2001)، ص 10-11

  3. سفير جلال عبد المعز عبد الرحمن، المنظمة الحكومية الفرانكفونية، دورية آفاق إفريقية (القاهرة: الهيئة العامة للاستعلامات، العدد السابع، خريف 2001) ص 7

  4. نفس المرجع السابق، ص 7-8

  5. ليلى حافظ، القمة الفرنسية الأفريقية رقم 22 تعقد في مناخ عالمي وإقليمي متوتر، الأهرام 17-2-‏2003‏

  6. د/ عبد الملك عودة، قمة فرنسا وأفريقيا بين الأفراح ورجع النواح، الأهرام 21-2-2001.‏

اقرأ أيضًا:


** باحث في الشئون الأفريقية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع