|

|
|
القذافي وطريقة جديدة للتعامل مع واشنطن |
حرص
الزعيم الليبي معمر القذافي على
استخدام لغة دبلوماسية هادئة للتعبير
عن موقفه من الغزو الأنجلو أمريكي
للعراق، انطوت تارة على تصريحات
تحذيرية للولايات المتحدة تقول بأن "الحرب
ستؤدي إلى فوضى شاملة في المنطقة"،
وتارة أخرى تعرض التوسط بين الرئيس
الأمريكي جورج بوش ونظيره العراقي صدام
حسين لحل هذه الأزمة.
ويبدو
أن هذه اللهجة الليبية غير المعهودة في
أزمات بهذا الحجم بين العرب وأمريكا،
تؤشر على أن ثمة تغييرا في السلوك
الليبي تجاه الدول الغربية وخاصة
أمريكا بما يجنب الوقوع في مأزق شبيه
بالعراق، لا سيما مع تردد أنباء عن أن
"الدور" سيأتي على بعض الدول
العربية حال الانتهاء من الحرب ومنها
ليبيا التي ما تزال تصنفها واشنطن ضمن
الدول المارقة. والسؤال الآن: هل
يمكن أن يحل الدور فعلا على ليبيا، وما
هي ملامح السلوك الليبي لتجنب مأزق
العراق؟
مبررات
الدور
الناظر
للمبررات الأمريكية لغزو العراق سيجد
أن جزءا كبيرا منها موجود في ليبيا،
فهدف نزع سلاح العراق يمكن أن تطبقه
أمريكا على ليبيا، خاصة لو علمنا أن أحد
أسباب وضع الأخيرة ضمن الدول المارقة هو
اتهامها بإنتاج أسلحة غير تقليدية،
خاصة الكيماوية.
أما
هدف الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين
لديكتاتورية نظامه، فنفس الاتهام تضعه
أمريكا لليبيا منذ أكثر من ثلاثة عقود.
كما
أنه إذا كان النفط العراقي هدفا أمريكيا
غير معلن من الغزو، فإن ليبيا هي الأخرى
تملك نسبة مهمة من النفط العالمي، فيصل
الإنتاج الليبي اليومي إلى 3.3 ملايين
برميل، كما وصلت الاحتياطيات المؤكدة
من النفط الخام نحو 29.5 مليار برميل عام
1996، هذا إلى جانب 1.3 تريليون متر مكعب من
الغاز الطبيعي.
يضاف
إلى ذلك أن الموقع الجغرافي لليبيا يمثل
أهمية لأمريكا، فمن يسيطر على ليبيا
يعني الاقتراب من أكبر مواقع إنتاج
المواد الخام في أفريقيا، كما تزداد هذه
الأهمية بعد الاكتشافات البترولية في
أنجولا ودول أفريقية أخرى.
من
جهة أخرى فإن الموقع الليبي يكتسب أهمية
أخرى من حيث إنه مدخل للهيمنة على ما
يحدث في المشرق والمغرب العربي، وكذلك
أوروبا عبر البحر المتوسط.
هذه
الأهمية قد تصبح مبررا في يوم ما
للعدوان على ليبيا خاصة أن الحالة
العراقية التي لم تعبأ فيها واشنطن بأي
معارضات، ربما تشجع الولايات المتحدة
على خوض عدوان آخر على دولة عربية.
سلوك
لدرء الشبهات
وقد
أدركت القيادة الليبية منذ سنوات
احتمالات أن تضعها واشنطن على قائمة دول
ستحتلها، والمبررات لأي عدوان قد تشنه
واشنطن على ليبيا ما زالت موجودة، ويمكن
استخدامها وتصعيدها حينما يتطلب الأمر
ذلك، مثل أزمة لوكيربي وأسلحة الدمار
الشامل؛ وهو الأمر الذي دفع ليبيا
لتغيير سلوكها لدرء أية ذرائع مستقبلية
ضدها.
ومن
أبرز المؤشرات في السياسة الليبية
لتلافي أي عدوان محتمل ما يلي:
1-
إبعاد شبهة امتلاك أسلحة نووية:
انتقل السلوك الليبي في التعامل مع هذه
القضية من مسألة النفي والدفاع ضد
الاتهامات الغربية إلى موقف الهجوم
والدعوة لنزع أسلحة الدمار الشامل
والظهور بمظهر العداء لهذه الأسلحة.
وربما كان تصريح القذافي ذا دلالة حينما
قال أثناء زيارته لمالي قبل بدء الغزو
للعراق بيومين: "نحن جميعا ضد أسلحة
الدمار الشامل، ويجب المباشرة بتدميرها
ابتداء من الولايات المتحدة". وسبق
ذلك بشهر واحد ما قاله القذافي أثناء
قمة الاتحاد الأفريقي بأثيوبيا حين سئل
عما إذا كان يعرض وساطته بين الطرفين
الأمريكي والعراقي، فقال: "هذا أمر
ضروري رغم كل شيء، أود أن أنقذ السلام
الدولي، أريد أن أتخلص من أسلحة الدمار
الشامل لا في العراق فقط بل في منطقة
الشرق الأوسط كلها، وبعد ذلك في شتى
أنحاء العالم".
ويذكر
أن تقارير المخابرات الأمريكية
المنشورة على الإنترنت خلال السنوات
الماضية تزعم أن ليبيا طورت كثيرا من
أسلحتها الكيماوية خاصة في بلدة
ترهونة، كما أجريت تجربة على صاروخ من
طراز MBIEF والذي يزيد مداه على 650 كم في
الصحراء الليبية. وتدعي هذه التقارير
أيضا أن ليبيا رصدت منذ سنوات مبلغ 30
مليون دولار للتعاون مع شركة صربية
متخصصة في مجال الإنتاج الحربي من أجل
الحصول على المساعدات الفنية والتقنية
لتطوير الصاروخ "الفاتح".
2-
محاولات تصفية أزمة لوكيربي: سعت
ليبيا خلال السنوات الأربع الماضية إلى
إغلاق ملف هذه القضية تماما، وكانت آخر
المحاولات في لندن في أواسط شهر مارس 2003
حين ترددت أنباء عن موافقة ليبية على
دفع تعويضات قدرها 2.7 مليار دولار لـ270
ضحية للطائرة بانام التي سقطت فوق
لوكيربي عام 1988.
غير
أن الاتفاق تعثر "مؤقتا" بسبب
إصرار واشنطن على اعتراف ليبيا في
الاتفاق بالمسئولية الجنائية عن إسقاط
الطائرة حتى يتم رفع عقوبات الأمم
المتحدة نهائيا، وكذلك رفعها من
القائمة الأمريكية لـ "الدول المارقة"،
لكن ليبيا رفضت ذلك؛ لأنه قد يرتب على
ذلك تداعيات وخيمة منها مطالبة جهات
أخرى مرتبطة بالقضية بمحاكمة مسئولين
ليبيين، كذلك فإن الاعتراف يمثل إدانة
مباشرة للنظام الليبي.
ورغم
أن واشنطن حولت شرط الاعتراف من
المسئولية الجنائية إلى المدنية لتكفل
لليبيا ضمانات بعدم ملاحقة أي مسئولين
فيها، فإن ليبيا رفضت أيضا لأن
المسئولية المدنية ستتضمن تعويضات
لأطراف أخرى في القضية خلافا للضحايا،
منها تعويضات لشركة الطيران (بان إم)
وتبعات إفلاسها، وكذلك دفع مصاريف
المحاكم وأتعاب محاميي أسر الضحايا.
ورغم
التعثر الذي واجهته مفاوضات لوكيربي
الأخيرة في لندن فإنه يتوقع أن يتفق
الطرفان على تسوية القضية؛ لأن السلوك
الليبي على مدار الأزمة اتسم بالمرونة،
فبعد أن كان يرفض في البداية تسليم
المتهمين الليبيين في القضية فإنه عاد
وسلمهما عام 1999. ويتوقع أن يتم الاتفاق
حال الانتهاء من غزو العراق.
3-
التعاون الأمني مع الولايات المتحدة:
حيث جاهر القذافي لمجلة نيوزويك في
منتصف يناير 2003 بوجود تعاون أمني ليبي
أمريكي للقضاء على تنظيم "القاعدة"،
ورغم أن القذافي لم يتحدث عن تفاصيل هذا
التعاون وفضل فقط الإعراب عن تفاؤله
بمستقبل العلاقات مع واشنطن، فإن كشفه
لتعاون من هذا النوع يعد مؤشرا قويا على
رغبة بلاده على إثبات حسن النوايا
لواشنطن، خاصة في أهم قضية على أجندة
الإدارة الأمريكية بعد 11 سبتمبر، وهي
قضية الإرهاب.
هذه
النوايا الحسنة ترافقت مع تأكيدات
ليبية بأن الصراع مع الولايات المتحدة
انتهى، وأن طرابلس تأمل في علاقة
إيجابية مع واشنطن، فالزعيم الليبي أكد
"انتهاء الصراع مع الإمبريالية
الأمريكية، وبدء مرحلة من التعاون،
وانتهاء مرحلة السلاح والبندقية".
كما قال في تصريحات أخرى عن الرئيس
الأمريكي جورج بوش في عام 2001: "بوش مثل
أبيه طيب، وليس شريرا، إنه يهتم ببلاده".
كما
مثلت أحدث 11 سبتمبر فرصة لتدعيم هذا
المناخ الإيجابي في علاقات البلدين،
فالقذافي أعلن أن أمريكا ليست وحدها في
مواجهة الإرهاب، بل إنه أيد حقها في "أن
تكافح الإرهاب".
4-
إصلاح العلاقة مع أوروبا: لقد عادت
العلاقات الدبلوماسية بين ليبيا
وبريطانيا في عام 1999 بعد إقرار طرابلس
بالمسئولية عن قتل الشرطية البريطانية
"إيفون فليتشر"، ودفعت مبلغ ربع
مليون جنيه إسترليني لعائلتها.
كما
استطاعت ليبيا أن تعيد علاقاتها مع
فرنسا، حيث قامت بتعويض ضحايا طائرة "يوتا"
التي أدانت محكمة فرنسية 6 ليبيين بينهم
صهر العقيد القذافي بتفجيرها فوق
النيجر عام 1989، ونفس الأمر حدث مع
إيطاليا وعدد آخر من الدول الأوروبية.
خلافا
لذلك فإن ليبيا نجحت في تشبيك العلاقات
الاقتصادية مع الشركات متعددة الجنسيات
في الغرب، وذلك من خلال الإعلان عن خطة
استثمارية قيمتها 20 مليار دولار للعقد
المقبل بعد تجميد العقوبات في عام 1999،
وبالطبع فسوف تستفيد هذه الشركات من
الخطة التي ستشمل قطاعات مختلفة بدءا
بالنفط وحتى الطيران. وتضغط الشركات
الأمريكية بقوة لإلغاء قانون داماتو
الذي يحظر على هذه الشركات التعامل مع
ليبيا.
5-
رؤية جديدة للصراع في فلسطين: تغيرت
الرؤية الليبية لهذه القضية من إزالة
إسرائيل ومقاومتها أينما ذهبت وخاصة في
أفريقيا، إلى الإيمان بضرورة وجود دولة
تجمع الشعبين، تسمح للإسرائيليين
والفلسطينيين بالتعايش في سلام،
وأسماها القذافي دولة "إسراطين".
كما
أوقفت ليبيا الدعم السياسي والمادي
للمنظمات الفلسطينية المناوئة لعملية
السلام بعدما اعتبرت أن منظمة التحرير
الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد
للشعب الفلسطينيين، وجاء ذلك ضمن وقفها
للدعم لكافة المنظمات الثورية، سواء في
أيرلندا أو غيرها من مناطق العالم.
6-
التواؤم مع قواعد اللعبة بالنظام
الدولي: استطاعت ليبيا التكيف مع
أدوات النظام العالمي، خاصة على صعيد
لعب دور سلمي في أفريقيا من خلال
التكتلات الإقليمية، فقد تزعمت القيادة
الليبية فكرة تطوير تحويل منظمة الوحدة
الأفريقية إلى اتحاد أفريقي قادر على
التواؤم مع التحديات الجديدة التي
يفرضها النظام العالمي، كذلك إنشاء
تجمع دول الساحل والصحراء في فبراير 1998.
7-
بناء صورة دولة السلام والقيم: بدأت
ليبيا في السنوات الأخيرة مشروعا
إعلاميا غير معلن لتدشين صورة إيجابية
عنها في وسائل الإعلام تقول بأنها دولة
السلام والقيم، فعلى الصعيد الإعلامي
يمكن لأي قارئ أن يفتح موقع www.algadafe.org
ليقرأ رؤية القذافي لعالم يملؤه السلام
والأمن، واستعراضه لحل أزمة كوريا
والتعامل مع الإرهاب.
كما
استطاعت ليبيا اكتساب احترام الرأي
العام العالمي من خلال توسطها لحل
الأزمات الدولية وأبرزها التوسط
للإفراج عن الرهائن الغربيين المحتجزين
لدى جماعة أبو سياف في جنوب الفليبين،
كما لعبت دورا في حل الأزمات بين الدول
الأفريقية.
في
الوقت نفسه أطلقت مؤسسة القذافي
العالمية للجمعيات الخيرية التي يديرها
سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الليبي
حملة دولية لمناهضة التعذيب تحت شعار
"لا للتعذيب"، من خلال جمعية حقوق
الإنسان التابعة لها. وتشمل الحملة دول
الشرق الأوسط على أن تكون ليبيا محطتها
الأولى. وتكلل هذا الجهد باختيار ليبيا
لرئاسة لجنة حقوق الإنسان في الأمم
المتحدة في يناير 2003.
رسالة
لواشنطن
هذا
السلوك الليبي الجديد مثّل رسالة
للولايات المتحدة بأن ليبيا بدأت تقبل
بقواعد وآليات النظام العالمي الجديد
وأنه لا مانع لديها من إقامة علاقات
تستند معها إلى المصالح المتبادلة، وقد
أتى ذلك بثماره إلى حد ما، خاصة على صعيد
استثنائها من الدول التي صنفتها أمريكا
ضمن "محور الشر" الذي أعلن عنه
الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد أحداث 11
سبتمبر وضم ( العراق- إيران- كوريا
الشمالية).
ورغم
أن تقارير الخارجية الأمريكية ما زالت
تضع ليبيا على قائمة الدول الراعية
للإرهاب، وتصفها بأنها "دولة مارقة"
مع 6 دول أخرى، وتقول إنهم يسعون لامتلاك
أسلحة دمار شامل ويوفرون المأوى
للمنظمات الإرهابية، فإن ذات التقارير
التي صدرت في الأعوام الثلاثة الماضية
2000- 2001- 2002 سلمت بأن طرابلس اتخذت خطوات
جادة لتحسين صورتها دوليا، وتضاءل
دعمها لأي تنظيمات متطرفة تعارض
السياسة الأمريكية.
على
أية حال فإن النظام الليبي انتهج في
السنوات القليلة الماضية سياسة مفادها
سد أي ذريعة لعدوان مستقبلي على بلاده
من خلال إنهاء المواجهة مع الولايات
المتحدة وانتهاج سلوك عقلاني يتكيف مع
مجمل قواعد اللعبة الدولية حتى لا يضع
نفسه يوما ما في موقف النظام العراق.
وربما
كان أبلغ دليل على ذلك ما قاله القذافي
في خطاب ألقاه في الذكري 33 لثورة
الفاتح، سبتمبر 2002: "لا يمكن إلا أن
ننصاع للقانون الدولي، ونستسلم للشرعية
الدولية مهما كانت مزورة من قبل أمريكا،
وإلا سنداس بالإقدام".
اقرأ
أيضًا:
**
باحث مصري في الشئون الأفريقية
|