|

|
|
اليمنيون يروجون لمرشحيهم
بطريقتهم الخاصة |
"هذه
الانتخابات ساخنة، وبدأت مبكرًا"..
عبارة دائمًا ما تتردد في كل انتخابات
برلمانية تشهدها اليمن. فالتعددية
الحزبية باليمن بدأت منذ عام 1990 عند
قيام الوحدة بين شطري البلاد؛ أي أن
الجمهورية اليمنية دولة فتية ولدت مع
أحزابها؛ لذا كانت انتخابات 1993 شديدة
السخونة باعتبارها أول انتخابات
برلمانية تشهدها البلاد. وبالرغم من أن
نتائج هذه الانتخابات أسفرت عن دخول طرف
ثالث للسلطة -وهو حزب التجمع اليمني
للإصلاح (توجه إسلامي)- جنبًا إلى جنب مع
حزبي السلطة: المؤتمر الشعبي العام
الحزب الحاكم للشطر الشمالي سابقًا،
والحزب الاشتراكي الذي كان يحكم جنوب
البلاد سابقًا فإن هذه النتائج كانت أحد
الأسباب الرئيسية لنشوب الحرب الأهلية
عام 1994.
أما
انتخابات عام 1997 فلقد جاءت في أجواء
ائتلاف حكومي بين حزبي "المؤتمر
الشعبي" و"الإصلاح"، حيث شهدت
الكثير من الخلافات الحادة بينهما
لتكون نتائجها سببًا في خروج حزب "الإصلاح"
من السلطة للمعارضة، وبذا تكون كل
انتخابات في اليمن قد كرست لمرحلة
مختلفة بعدها.
وفي
هذه المرة، اتفقت أحزاب المعارضة،
وشكلت تحالفًا قويًّا ضد الحزب الحاكم،
وكذلك شهدت البلاد حادثة اغتيال سياسي
بحجم حادثة اغتيال جار الله عمر، كل ذلك
في الوقت الذي صارت فيه اليمن إحدى
ساحات الحرب ضد الإرهاب، بالإضافة إلى
الأزمة الاقتصادية الحادة؛ كل هذه
عوامل كافية بالتأكيد لجعل الانتخابات
القادمة في السابع والعشرين من الشهر
الجاري لا تقل سخونة عن سابقاتها.
"لقاء
مشترك" بين الإسلامي والاشتراكي
يُعد
تحالف أحزاب المعارضة وتشكيلها ما يعرف
باسم أحزاب "اللقاء المشترك"، الذي
ضم أكبر أحزاب المعارضة اليمنية وعلى
رأسها حزب التجمع اليمني للإصلاح
والحزب الاشتراكي بالإضافة لحزب
الوحدوي الناصري -أحد أبرز ملامح هذه
الانتخابات.
فبالرغم
من أنه قد سبق وتكونت عدة تحالفات حزبية
في الانتخابات البرلمانية فإنها لم تكن
بقوة تأثير وفاعلية أحزاب "اللقاء
المشترك" الذي يعتبر تجربة فريدة
فعلاً نظرًا لالتقاء حزبين متناقضين
هما حزب "الإصلاح" صاحب المرجعية
الإسلامية، والحزب "الاشتراكي"
الذي كان في السابق يستند على الماركسية،
وبشكل واضح. فقد تجاوزا خلافاتهما
الفكرية وتاريخ الصراعات بينهما ليكونا
تحالفًا قويًّا، يهدف لتحقيق مصلحتهما
المشتركة في كسر الأغلبية الكاسحة التي
يتمتع بها حزب "المؤتمر العام" في
مجلس النواب، وتتجاوز الثلثين.
فحزب
"الإصلاح" تحول من حليف لحزب "المؤتمر"
إلى خصم له، بعد المواجهات الدامية التي
جرت بينهما في انتخابات المجالس
المحلية عام 2000 ولحقها تطبيق قانون
إلغاء المعاهد العلمية أو الدينية. أما
الحزب الاشتراكي، فقد قاطع انتخابات
عام 1997، ويسعى جاهدًا لاستعادة جزء من
مكانته كحزب حاكم في هذه الانتخابات،
خاصة بعد تعرضه لضربة قوية في صيف 1994،
ومنذ ذاك الحين لم يتحرك الحزب إلا في
إطار التحالفات.
عمليات
الشد والجذب
بعد
الانتخابات المحلية في عام 2000 أعلن حزب
"الإصلاح" طلاقه من حزب "المؤتمر
الشعبي العام"؛ حيث رفضت المعارضة
تعديل أجزاء كثيرة من قانون الانتخابات،
أبرزها ما كان يتعلق بتكوين اللجنة
العليا للانتخابات -الهيئة المشرفة
والمنظمة للانتخابات في اليمين- لجعل
أفرادها مستقلين. ونجحت المعارضة في ذلك،
مع موافقتها على منح رئيس الجمهورية
الحق في عزل أي من أعضائها، بشرط
استبدال آخر به من نفس الحزب.
ويعد
هذا بداية المعارك بين السلطة
والمعارضة، لتتجدد الخلافات فيما
بينهما مرة أخرى حول مسألة تقاسم مقاعد
اللجنة العليا الانتخابية ولجانها
الميدانية، حيث كان يريد حزب "المؤتمر"
توزيعها حسب نصيب كل حزب في مجلس النواب،
مما يعطيه أغلبية ساحقة، لكن أحزاب
المعارضة تصدت له.
وفي
محاولة من حزب "المؤتمر" لحل
إشكالية الحزب الاشتراكي واستمالته
بعيدًا عن بقية أحزاب المعارضة، عرض حزب
"المؤتمر" اعتماد نتائج انتخابات
1993؛ الأمر الذي رفضه حزب "الإصلاح"
وحزب "الوحدوي الناصري"، وساندهما
"الاشتراكي" في ذلك، مما أغضب
الأمين العام لحزب المؤتمر د. عبد
الكريم الإرياني ليحمل الحزب الاشتراكي
مسؤولية فشل الحوار. وتستمر محاولات
الشد والجذب، حتى توصلت الأحزاب
المختلفة أخيرًا إلى اتفاق بتشكيلها
بنسبة 52% للحزب الحاكم، ومعه مجموعة من
الأحزاب الصغيرة المحسوبة عليه، و40 %
لأحزاب المعارضة الرئيسية، و8 % للجنة
نفسها. ويعد هذا الاتفاق أحد أهم
المكاسب الناجحة التي حصلت عليها أحزاب
"اللقاء المشترك".
لقد
نجحت أحزاب "اللقاء المشترك" في
إنجاز عدة أمور بالتنسيق فيما بينها،
حيث دخلت انتخابات اتحادات الطلبة
واكتسحتها. ويستمر التحالف، بالرغم من
إصرار حزب "الإصلاح" على النزول
بمرشحين خاصين به حتى في الدائرة التي
يوجد بها مرشح لأحزاب "اللقاء
المشترك".
وبالرغم
من معارضة هذا الأمر للاتفاق ولروح
التحالف، فإن بقية أحزاب "اللقاء
المشترك" تقبلت الأمر نظرًا لحاجتها
الماسة بوجود حزب بحجم "الإصلاح"
ضمنها؛ وكذلك لحرج التوقيت وقربه من يوم
الانتخابات؛ لكن حزب "المؤتمر" لم
يفوِّت الفرصة دون إبراز هذا الأمر
والتأكيد على كونه تحالفا هشا ينتهي
بتحقيق المصلحة؛ ومع هذا كله، يعد نجاح
هذا التحالف واضحًا إذا ما علمنا أن
أمين عام حزب المؤتمر الدكتور عبد
الكريم الإرياني كان يؤكد في بداية
الانتخابات على ثقته بالحصول على
الأغلبية في المجلس، إلا أنه تراجع عن
تصريحاته مؤخرًا، قائلاً بأن حزبه سوف
يحصل على نتائج أقل من المدة الماضية
لقوة المعارضة.
"المؤتمر"
يصطاد في المياه العكرة
لكن
ما يستدعي الانتباه فعلاً، هو تمكن هذه
الأحزاب من تجاوز أزمة بحجم الأزمة التي
أثارها حادث اغتيال جار الله عمر.
فالحادثة لا تعود خطورتها لمنصب الرجل
كمسئول ثانٍ في الحزب الاشتراكي، بل
لشخص "جار الله عمر" الذي يعد أحد
أبرز وجوه السياسة اليمنية، وأكثر
الشخصيات اعتدالاً في الحزب الاشتراكي؛
كما كان يحظى باحترام واسع في الأوساط
السياسية اليمنية؛ وكان آخر ما قام به
هو نجاحه في ضم حزب "الإصلاح" لبقية
أحزاب المعارضة.
اكتسب
الحدث أهمية متزايدة لمدلولاته
الزمانية والمكانية. فوقوعه في المؤتمر
العام الثالث لحزب "الإصلاح" بشكل
جعل الحزب يتحمل مسؤولية العملية، يعطي
رسالة واضحة باستهداف هذا التحالف. لكن
يظل توقيت الحادث هو أكثر المدلولات قوة،
حيث تم في وسط استعدادات مجموعة
للانتخابات، وعقب عملية اغتيال الحارثي
ورفاقه في محافظة "مأرب" من قبل
صاروخ أمريكي؛ مما أدى لمهاجمة أحزاب
المعارضة الحكومة بشراسة؛ لأنها فرطت
في سيادة الوطن. ودقت إسفينا بين "الإصلاح"
والحزب الاشتراكي مستغلة العداوات
السابقة بينهما.
وبالرغم
من توصل الأحزاب المختلفة لوثيقة -تهدف
للاصطفاف الوطني- فإن البرامج
الانتخابية للأحزاب الثلاثة -المؤتمر،
الإصلاح، الاشتراكي- لا توحي بجديتها
فيما اتفقت عليه. فقد اتسمت البرامج
الانتخابية للأحزاب المختلفة بلهجة
هجومية شديدة، تشدد على إبراز أخطاء
بعضها البعض.
وإذا
كان هذا الحال في البرامج الانتخابية
فلنا أن نتخيل طبيعة الخطاب الذي تفسره
الصحف الحزبية؛ لعل أخطرها تلك التي
يروج لها حزب "المؤتمر" في وصف حزب
"الإصلاح" بالإرهاب والتطرف؛ وهو
ما يصب في مصلحة أطراف خاصة، تريد أن
تؤكد على صورة اليمن باعتبارها ساحة
يتحرك فيها الإرهابيين بحرية.
وقد
دأبت وسائل الإعلام الحكومية -منذ ذلك
الحين- بالتركيز على كون القاتل عضوا في
حزب "الإصلاح"، وأنه كان طالبًا في
جامعة الإيمان، وخرج من السجن بعد وساطة
بعض شخصيات حزب "الإصلاح"، وتشرب
منهم فكر التطرف؛ لتتجاوز هذه
الاتهامات الصريحة نطاق جرائد الحزب
والحكومة؛ لتتوجه "للإصلاح"
ضمنيًّا في تقرير الحكومة حول جهودها في
مكافحة الإرهاب، الذي قدمه رئيس
الوزراء عبد القادر باجمال لمجلس
النواب، متهمًا فيه أطرافًا حزبية
بحماية الإرهاب والتستر على عناصره.
استغل
حزب "المؤتمر" هذا الحادث لصالحه
حتى آخر رمق؛ فتمت المحاكمة للقاتل قبل
أيام قليلة من الانتخابات، فيما
اعتبرته المعارضة توقيتا سيئا للمحاكمة..
الهدف منه تذكير الناس بحادث يسيء لحزب
"الإصلاح" ولتجربة أحزاب "اللقاء
المشترك".
لطالما
ناشد الرئيس "علي عبد الله صالح"
الأحزاب للاتفاق على وثيقة للاصطفاف
الوطني نتيجة لخطورة ما تتعرض له البلاد
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، خاصة
بعد حادثة اغتيال الحارثي؛ لكن لم تلق
دعوته آذانًا صاغية من قبل أحزاب
المعارضة إلا بعد اغتيال "جار الله
عمر"، ربما لإحساسها بالأزمة
السياسية التي خلقها هذا الحادث.
مصير
أحزاب "اللقاء المشترك"
والآن
جميع الأحزاب اليمنية تتطلع لنتائج هذه
الانتخابات، فحزب "المؤتمر" لا
يزال يطمع على الأقل في الاستحواذ على
نصف المقاعد البرلمانية؛ مما يسمح له
بتحقيق أغلبية في المجلس، وكذلك
المحافظة على وضعه الحالي. أما "الإصلاح"،
فبعدما فك ارتباطه مع حزب "المؤتمر"،
يسعى جاهدًا لإثبات جدارته في الساحة
السياسية، وتحسين وضعه في المجلس بعدما
تجرع مرارة بقائه في وسط المعارضة. أما
"الاشتراكي" فهو ينظر إلى هذه
الانتخابات كتحد حقيقي له، بعد أن شغل
مكانه الطبيعي في المحافظات الجنوبية
والشرقية كل من حزبي "المؤتمر" و"الإصلاح".
وقد
أكد الدكتور عبد الكريم الأرياني
الأمين العام للمؤتمر الشعبي العام أن
حزبه حصل على أغلبية مقاعد مجلس النواب (البرلمان)
وفقا للنتائج الأولية للانتخابات التي
أجريت الأحد 27-4-2003. وأوضح أن المؤتمر
الشعبي -وهو الحزب الحاكم حاليا- يتقدم
بفارق شاسع عن منافسيه الرئيسيين:
التجمع اليمني للإصلاح، والحزب
الاشتراكي اليمني، وبقية الأحزاب
الأخرى.
كما
ذكر الأرياني في مؤتمر صحفي عقده
الإثنين 28-4-2003 في العاصمة صنعاء أن هناك
اتفاقا بين الحزب الحاكم والتجمع
اليمني للإصلاح على أن يحتفظ الشيخ عبد
الله بن حسين الأحمر بمنصبه كرئيس لمجلس
النواب القادم؛ لأنه شخصية وطنية أكبر
من أن يتم احتواؤها في حزب المؤتمر أو
الإصلاح، بل يمثل قاسما مشتركا لكل
الأحزاب اليمنية.
وعلى
أساس هذه النتائج سيتحدد شكل التحالفات
المستقبلية، وهل سيستمر تجمع أحزاب "اللقاء
المشترك" باعتباره تحالفا
إستراتيجيا؟ أم سوف تنفصل أحزابه؟
اقرأ
أيضًا:
**
كاتبة يمنية مقيمة بمصر
|