 |
|
إسلاميو المغرب متمسكون بشعاراتهم |
تشهد
المغرب يوم الجمعة 12 من سبتمبر 2003 أول
انتخابات محلية في عهد الملك محمد السادس،
وثاني انتخابات من نوعها منذ وصول العاهل
الشاب إلى السلطة؛ حيث نظمت السلطات المغربية
قبل عام تقريبًا انتخابات تشريعية، كانت
مفاجأتها الكبرى تحول "حزب العدالة
والتنمية" الإسلامي إلى القوة السياسية
الثالثة في البلاد، بعد حزبي "الاتحاد
الاشتراكي للقوات الشعبية" و"الاستقلال".
ويؤكد
المهتمون بالشأن المغربي أن "حزب العدالة
والتنمية" كان مؤهلا إلى يوم 15 مايو 2003
لتعزيز مكانته السياسية وتحقيق انتصار جديد
في الانتخابات المحلية (أو الجماعية كما هو
الاسم المستعمل في الأوساط السياسية
والإعلامية المغربية)، إلا أن وقوع ما أصبح
يعرف بـ"أحداث الدار البيضاء" في 16 مايو
2003 قلب الطاولة -فيما يبدو- على الإسلاميين
المغاربة، وحولهم في لحظة من منتصرين ترفرف
رايتهم بقوة في مختلف أرجاء المملكة إلى
محاصرين هدفهم الرئيسي الحفاظ على وجودهم،
والخروج من المعركة المفروضة عليهم بأقل
الأضرار والأخطاء.
وفي
حين شددت الصحف ووسائل الإعلام المغربية
والدولية على وقوف جماعات إسلامية محلية
متشددة -قيل: إن أياديَ لها صلة بتنظيم
القاعدة- وراء التفجيرات التي أودت بحياة ما
يقارب 40 مدنيا من المغاربة الأبرياء؛ فإن
أبرز خاسر من وقوع هذه التفجيرات كان التيار
الإسلامي بعامته، و"حزب العدالة والتنمية"
على وجه الخصوص.
أما
الرابح من هذه الأحداث الدامية فقد كان
أطرافًا ثلاثة: أولها الجهات الراغبة في
تمرير "قانون الإرهاب"، وهو قانون سيئ
السمعة في أوساط السياسيين والحقوقيين
والإعلاميين على السواء، وثانيها المراكز
المتحمسة لإعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل؛
باعتبار ذلك خير وسيلة للتقرب من الولايات
المتحدة. وثالثها الأحزاب والنخب والقوى
العلمانية التي حولت بفضل التفجيرات "الإرهاب"
إلى "قميص عثمان" لتبرير حرب شعواء على
الحركة الإسلامية، وإقصاء الإسلاميين من
خلال الدعوة إلى حل حزبهم عن الحياة السياسية.
مشاركة
محدودة
لقد
اختار "حزب العدالة والتنمية" مواجهة
العاصفة التي فجرتها "أحداث الدار البيضاء"
بالانحناء لها، والقبول بنصائح أطراف نافذة
في السلطة -كما تذكر مصادر مطلعة- دعت
الإسلاميين إلى "تهدئة اللعب" لتفويت
الفرصة على دعاة الاستئصال الذين ألقوا بكل
ثقلهم في معركة غير متوازنة، من خلال تكثيف
الدعوات عبر وسائل الإعلام لتحميل مسئولية
تفجيرات العاصمة الاقتصادية للحزب الإسلامي،
والإصرار على وضع الإسلاميين كافة على اختلاف
اتجاهاتهم في سلة الإرهاب.
وتجلت
استجابة الإسلاميين لنصائح السلطة في
الاكتفاء بتغطية ما نسبته 19% فقط من الدوائر
الانتخابية المطروحة، في حين كانت قواعد "حزب
العدالة والتنمية" تتوقع زيادة نسبة
التغطية أخذا بمبدأ التدرج الذي يلتزمه الحزب
في التعامل مع الاستحقاقات الانتخابية؛ حيث
كان قد غطى ما نسبته 56% من الدوائر خلال
الانتخابات التشريعية.
وقد
برر قادة الحزب تراجعهم هذا بأنهم "وضعوا
مصلحة البلاد فوق مصلحة الحزب؛ ففي حال ترشيح
كثيف من قبل العدالة والتنمية، وتحقيق فوز
كبير في الانتخابات المحلية؛ فإن أطرافًا
كثيرة داخلية وخارجية ستعمل على إثارة فزاعة،
والزعم بأن المغرب قد وقع تحت سيطرة
الإسلاميين؛ وهو ما سيعطل حركة الاستثمار
التي تعول عليها البلاد كثيرا في التنمية،
كما سيثير زوابع في الحياة العامة، لا فائدة
ترجى من ورائها".
ويؤكد
د.محمد خليل -عضو الأمانة العامة لـ"حزب
العدالة والتنمية"- "أن خطوة الترشيح
المحدود التي أقدم عليها حزبه تتماشى مع
منهجيته في العمل السياسي، كما تدخل في
إستراتيجيته التي تعتمد مبدأ التدرج؛ ففي سنة
1996 -يقول القيادي الإسلامي- شاركنا في
الانتخابات التشريعية، وامتنعنا عن انتخابات
المجالس البلدية والقروية والغرف المهنية،
فيما اكتفينا خلال الانتخابات التشريعية
لسنة 2002 بتغطية نصف الدوائر، وبالرغم من ذلك
جاء فوزنا مدويا، وهو ما أرعب خصومنا".
النجاعة
بديلة عن الاكتساح
وبحسب
محللين سياسيين مغاربة فإن توجهات "حزب
العدالة والتنمية الإسلامي" ربما جرى
تغييرها من قبل القيادة السياسية للحزب بناء
على تقديرات داخلية ونصائح خارجية؛ ليتم
التركيز على عامل النجاعة بدلا من التفكير في
الاكتساح العددي، خصوصا مع إدراك قادة الحزب
تواضع قدرات غالبية المرشحين الإسلاميين
العملية بالنظر إلى افتقادهم لتجارب سابقة في
إدارة المجالس البلدية والقروية.
ويعول
قادة "العدالة والتنمية" -على نحو ما صرح
بعضهم- على أن تفضي انتخابات 12-9-2003 إلى وصول
عدد كبير من المستشارين الإسلاميين إلى مقاعد
المجالس الجماعية سيكون بمقدورهم أن يعوضوا
نقصهم العددي وصغر كتلهم داخل الهيئات
المنتخبة بفاعليتهم السياسية، واستقامتهم
الأخلاقية، وذكائهم في بناء تحالفات سياسية
تمكنهم من تمرير مقترحاتهم ومشاريعهم، وبما
يخدم مصالح ناخبيهم ويساهم في تنمية مدنهم
وقراهم بشكل ملموس.
ويلاحظ
المتتبعون للحملة الانتخابية لـ"حزب
العدالة والتنمية" أن عددا من مرشحي الحزب
وقادته بدءوا -حتى قبل الإعلان عن فوزهم- في
بناء علاقات خاصة مع قادة ومرشحي بعض الأحزاب
الذين يقدر أنهم مرشحون للدخول معهم في
تحالفات مستقبلية، سواء عند اختيار الهيئات
الإدارية للمجالس، أو ساعة بدء المناقشات
والمصادقة على القرارات والمشاريع.
وبحسب
عدد من خبراء الشأن المغربي؛ فإن محاولة "حزب
العدالة والتنمية" الانفتاح على مكونات
سياسية أخرى وبناء تحالفات انتخابية ناجعة
يبرز أكثر في المدن الكبرى كـ"الدار
البيضاء" و"الرباط" و"مراكش" و"طنجة"
و"فاس"، وغيرها؛ حيث تبدل شكل إدارة
المدينة من نظام المقاطعات الحضرية أو
المجالس البلدية الجزئية المتعددة إلى ما
أصبح يعرف بنظام "وحدة المدينة"؛ حيث
سيجري انتخاب مجلس مركزي يقوم بإدارة
المدينة، ويتعاون في ذلك مع مجالس جزئية
تواصل عمل المقاطعات الحضرية السابقة، دون أن
تكون لها الصلاحيات المستقلة ذاتها.
ويتوقع
المهتمون بالانتخابات المغربية أن يعمد
أعضاء "العدالة والتنمية" في المجالس
البلدية للمدن الكبرى إلى لعب دور المرجح
لهذا المرشح أو ذاك من المتنافسين على الظفر
بمنصب "عمدة المدينة" (المنصب الجديد
الذي جاء به القانون المستحدث في تنظيم
المجالس البلدية والقروية)؛ وهو ما سيحولهم -برأي
هؤلاء- إلى محور للعمل الجماعي والبلدي في
كثير من المدن والقرى المغربية.
التزام
بالمرجعية الإسلامية
غير
أن اللافت في سيرة "حزب العدالة والتنمية"
-على الرغم من بروز مؤشرات التحجيم الذاتي
للمشاركة الانتخابية- هو تمسك الحزب الإسلامي
بالشعارات ذاتها التي رفعها خلال الانتخابات
التشريعية الماضية، وتكييفها مع متطلبات
الانتخابات المحلية التي تركز عادة على تسجيل
نقاط واضحة ذات علاقة بالقوانين المحددة
لصلاحيات المجالس البلدية والقروية.
ويقول
المحلل السياسي المغربي "أنس مزور": "لقد
أثبت المهرجان الخطابي الذي نظمه حزب العدالة
والتنمية في الدار البيضاء مؤخرا أن كل ما
تفاعل على الساحة السياسية في الفترة الأخيرة
لم يؤثر بأي شكل من الأشكال على الخطاب الديني
للحزب؛ حيث يؤكد جل قادته على أن قوة الحزب
كامنة في مرجعيته".
ويضيف
مزور: لقد كانت الشعارات الإسلامية التي
رددها الحاضرون بقاعة المهرجان هي نفسها التي
ترددها الحركات الإسلامية، سواء داخل المغرب
أو خارجه، وحتى في الوصلة الدعائية التي
أعدها الحزب وبثها أثناء المهرجان بالصوت
والصورة؛ فقد تضمنت عبارة "نهضة إسلامية"،
وكل ذلك يثبت أن الأحداث الأخيرة قد عجزت عن
تحويل وجهة الحزب، ودفعه إلى التخلي عن خطابه
الإسلامي.
وبحسب
ما يؤكده قادة في حزب العدالة والتنمية فإن أي
حدث مهما كانت خطورته أو تأثيراته السلبية لا
يمكن أن يغير من مرجعية الحزب الإسلامية، وهي
مرجعية لا تشكل -كما يقول هؤلاء القادة- ميزة
للحزب عن غيره من الأحزاب فقط، بل هي كذلك
حاجة وطنية تتطلبها هوية المجتمع والتوازنات
السياسية والثقافية السائدة فيه؛ وهو ما يعني
أن العمل على إقصاء "الإسلام المعتدل" من
الساحة المغربية لا يصب في مصلحة البلاد، كما
لم يكن مطلبا عاما، بل مشروعا فئويا ضيقا، لا
يمكن للنظام أن يقبل به أبدا.
تكوين
رجال دولة وإدارة
من
جانب آخر يرى عدد كبير من قادة "العدالة
والتنمية" أن "قرار حزبهم تقليص دائرة
المشاركة -حيث اكتفى بترشيح 4268 مرشحا لما
يقارب 13 ألف مقعد هي مجموع عدد المقاعد التي
تتكون منها المجالس البلدية والقروية- لا
يعود فحسب إلى تفاعل مع تداعيات أحداث 16 مايو،
بل كذلك لكونه مرتبطا أيضا برغبة قيادة الحزب
في منح فرصة لقواعده للتدرب على إدارة الشئون
المحلية؛ حيث يفتقد الحزب الإسلامي -حديثُ
النشأة- إلى العدد الكافي من الأطر ذات
التكوين والخبرة".
ويقدر
قادة "العدالة والتنمية" "أن الدفع
بعدد كبير من أطر الحزب -وهي أطر شابة في
مجملها- إلى مواقع المسئولية قد يقود إلى
نتائج غير محمودة، ربما أثرت بشكل سلبي على
صورة الحزب الإيجابية لدى شرائح اجتماعية
واسعة؛ فالالتزام الأخلاقي ليس كافيًا وحده
للقيام بواجب المسئولية، ولا بد من رفده
بالخبرة اللازمة".
ويتوقع
خبراء الساحة السياسية المغربية أن يتمكن "حزب
العدالة والتنمية" من إيصال نصف مرشحيه -على
الأقل- إلى دائرة المسئولية؛ وهو ما يعني
تمكنه من تأسيس مدرسة سياسية ستضم أكثر من
ألفي طالب، سيزاولون تعليما سياسيا يجمع بين
التمرس النظري والخبرة العملية لمدة 6 سنوات
تقريبا، وهي فترة كافية لتخريج عدد كبير من
الكوادر المدربة التي سيحتاجها الحزب
الإسلامي لخوض معارك سياسية قادمة وحاسمة.
ويشير
الخبراء أنفسهم إلى أن حزب العدالة والتنمية
على الرغم من تحوله إلى قوة سياسية هامة ربما
يقترب حجمه من حجم أحزاب معارضة عريقة كحزبي
"الاتحاد الاشتراكي" و"الاستقلال"..
فإن الفارق يبقى كبيرا بينه وبين هذين
الحزبين على مستوى الكفاءات وعدد الكوادر
المؤهلة لتولي مناصب في إدارة أجهزة الدولة،
والقيام بالدور المطلوب منها.
اقرأ
أيضًا:
**خبير في شئون
المغرب العربي - لاهاي
|