|
على
الرغم من تأكيدات الرئيس النيجيري أوليسيجون
أوباسيجو في أعقاب توليه الرئاسة لفترة ثانية
أواخر مايو 2003 أن أولوياته خلال هذه المرحلة
ستنصب على القضايا الداخلية، وعلى رأسها
ترسيخ الديمقراطية لشعبه(1).. فإنه يلاحظ أن
هناك قضيتين أساسيتين برزتا على الساحة
النيجيرية خلال الآونة الأخيرة تحتاجان
تفسيرا في هذه التأكيدات:
القضية
الأولى داخلية تتمثل في اضطرابات "دلتا نهر
النيجر" الغنية بالبترول والموارد
الطبيعية في الجنوب الغربي، وهي اضطرابات
قديمة جديدة، مع اختلاف بعض الفاعلين؛ حيث إن
هذه المنطقة شهدت في منتصف تسعينيات القرن
الماضي اضطرابات شعب "الأوجوني" ضد
النظام بسبب التأثيرات السلبية لمصافي
وأنابيب البترول على الثروة السمكية، إلا أن
الجنرال الراحل ثاني أباتشا استخدم أسلوب
الحسم العسكري مع هؤلاء؛ وهو ما أدى إلى وفاة
المئات، واستمرار المشكلة قائمة -وإن كان
يبدو أنها كامنة- حتى وقتنا هذا(2).
وهذه
المرة الخلاف داخلي بين قبيلتين هما "الأبجاو"
و"إيتسكيري" في مدينة "واري" عاصمة
دلتا نهر النيجر، وذلك بسبب الخلاف على بيع
النفط المسروق من ناحية، فضلا عن تمييز
الحكومة وشركات البترول لقبيلة "إيتسكيري"
على حساب القبيلة الثانية، وهو ما اعترف به
محافظ الولاية؛ وهو ما أدى إلى نشوب
المواجهات بينهما، ووفاة ما لا يقل عن مائة
شخص، بينهم عدد كبير من رجال الشرطة التي فشلت
في السيطرة على مقاليد الأمور، واضطر النظام
إلى تشكيل قوة تدخل سريع تابعة للجيش من أجل
السيطرة على الموقف عسكريا(3).
أما
القضية الثانية فخارجية، وتتمثل في إرسال
قوات حفظ سلام إلى ليبيريا المجاورة ضمن قوات
الإيكواس -مرة ثانية- بالرغم من أن الرئيس
أعلن أنه لن يتدخل في الشئون الداخلية لدول
الجوار، كما أن التدخل النيجيري الأول منذ
اندلاع الحرب الأهلية هناك 1989 أثار عدة شكوك،
خاصة من قبل دول الفرانكفون -وتحديدا "كوت
ديفوار" و"بوركينا فاسو"- حول أهداف
هذا التدخل، وما إذا كانت نيجيريا تسعى من
خلاله إلى بسط هيمنتها الإقليمية على غرب
إفريقيا، أم أن مشكلات البلاد الداخلية وعجز
النظام عن مواجهتها دفعا به إلى الهروب مرة
أخرى إلى الساحة الخارجية.
اهتمام
داخلي ولكن..
إن
المتأمل في توجهات نظام الرئيس أوباسيجو منذ
توليه الحكم يلاحظ أنه -على خلاف سابقيه-
يحاول التعامل مع القضايا الداخلية، وإيجاد
حلول لها، بدلا من التركيز على القضايا
الخارجية. ولقد تمكن بالفعل خلال فترة ولايته
الأولى من تحقيق عدة نجاحات على الصعيد
الداخلي، من أهمها: (4)
1-
تجميد كل الاتفاقات التجارية التي وقعها
الحاكم العسكري السابق عبد السلام أبو بكر،
وقيامه فور توليه الحكم بتشكيل لجنة لمراجعة
هذه العقود والتثبت من مدى صلاحيتها.
2-
إلغاء 16 عقدا لاستغلال البترول كانت ممنوحة
للعسكريين، كما قام بإلغاء 43 عقدا لتصدير
البترول الخام للأسباب ذاتها.
3-
إقالة رئيس البنك المركزي والشرطة، فضلا عن
أكثر من 100 موظف من كبار القيادات في الجمارك،
وطرد أكثر من 100 من كبار ضباط الجيش الذين
يحتلون مناصب سياسية مهمة.
4-
تحقيق نجاحات في قطاع النفط –المورد الرئيسي
للدخل في البلاد- حيث تحتل نيجيريا المركز
السادس عالميا والأول إفريقيا في إنتاجه؛ فقد
زاد احتياطي البلاد من النفط من 26 مليار برميل
عام 1999 (تاريخ توليه الحكم) ليصبح 32 مليار
برميل العام الماضي، ويتوقع أن يصل إلى 35
مليار برميل العام القادم.
لكن
بالرغم من ذلك فإن هناك مجموعة من التحديات
التي ما زالت تواجهه، من أهمها(5):
1-
تحقيق نوع من المصالحة الوطنية الداخلية،
ومشاركة المعارضة في الحكم بدلا من استئثار
الحزب الحاكم بمقاليد السلطة، وقد برز بوضوح
في أعقاب الانتخابات الأخيرة؛ حيث طالبت قوى
داخلية عدة بإعادة الانتخابات من جديد، كما
طالبت قوى أخرى بتشكيل حكومة وطنية انتقالية
لمدة عام، تشارك فيها جميع الفصائل الوطنية،
من أجل التمهيد لإجراء انتخابات جديدة.
2-
وضع حد لأعمال العنف المتزايدة في الآونة
الأخيرة، خاصة عملية التصفية السياسية
للخصوم؛ حيث قاربت هذه العمليات في عددها تلك
العمليات التي تمت خلال حقبة الستينيات من
القرن الماضي، وكان من أشهرها تلك العملية
التي راح ضحيتها وزير العدل "جيف جيمس"
من قبائل "الإيبو" في 30 سبتمبر 2001.
3-
وضع حد لقضايا الفساد، خاصة بعد صدور تقرير
الشفافية الدولية لبرنامج الأمم المتحدة
للتنمية (الأونكتاد) في 11 أغسطس 2002 الذي جاء
فيه أن نيجيريا هي أكبر دولة في العالم من حيث
الفساد، كما أن 70 مليون نيجيري من إجمالي عدد
السكان البالغ 120 مليون نسمة يعيشون تحت خط
الفقر، فضلا عن تفشي البطالة بصورة كبيرة،
وعدم استغلال الموارد الاستغلال الأمثل.
في
هذا الإطار يمكن فهم أسباب تجدد الاضطرابات
في دلتا نهر النيجر؛ حيث إنها ليست جديدة، كما
أنها راجعة في جانب منها إلى قضية الفساد
المترتبة على سرقة البترول؛ حيث أشارت بعض
التقديرات الحكومية (تصريحات حاكم ولاية
النيجر في جريدة الحياة اللندنية في 2 أغسطس
الماضي) إلى أن إجمالي البترول المسروق في هذه
المنطقة يبلغ 100 ألف برميل يوميا؛ وهو ما
يتسبب في خسارة تبلغ 5.3 مليارات دولار سنويا.
ويلاحظ
أن هذه العصابات تتمتع بمساندة سياسية من قبل
بعض الشخصيات المهمة في البلاد. علاوة على ذلك
فإن أسلوب المحاباة وعدم عدالة توزيع الموارد
من شأنه استمرار المواجهات بين القبيلتين
المتنازعتين؛ لذا فإنه لا بد من وضع حلول لهذه
المشكلات، وأن التعامل العسكري فقط لن يساهم
في حلها، وهو ما عبر عنه صراحة رئيس أركان
الجيش "مارتن لوثر"؛ حيث أكد أن الهدف من
نشر وحدات تابعة للجيش في المنطقة هو تهيئة
الأجواء للسياسيين من أجل وضع حد للأزمة.
حفظ
سلام وليس تدخلا
يلاحظ
أن أوباسيجو يحاول أن يقدم بلاده على الصعيد
الإقليمي كدولة تسعى لتحقيق التعاون وليس
الهيمنة كما كان سائدا من قبل؛ فهي بمثابة "الأخ
الأكبر"، أو "الأب الروحي" الذي ينبغي
أن يقدم المساعدة بدلا من الدخول في علاقات
صراعية.
وقد
انعكس هذا التوجه في عدة أمور:
1-
إصدار قرار بتشكيل وزارة للتعاون الإقليمي؛
حيث يرى أن تشجيع هذا التكامل سينعكس على
المواطن النيجيري، خاصة بعدما ظل الساحل
الغربي لفترة طويلة منطقة للتجارة غير
الرسمية.
2-
محاولة احتواء الخلاف مع الكاميرون حول "جزر
باكاسي" الغنية بالبترول بالطرق السلمية،
وعدم تصعيد الأمور لمرحلة الحرب، خاصة بعد
الحكم الأخير لمحكمة العدل الدولية في هذا
الشأن؛ حيث أعلن أمام حشد جماهيري في 11-6-2003
أنه مصمم على حل الصراع بصورة ودية.
3-
العمل على سحب القوات النيجيرية العاملة ضمن
قوات "الإيكواس" في سييراليون من أجل
توفير النفقات التي كانت تكلف الخزانة
النيجيرية قرابة 10 ملايين دولار يوميا. ولم
توافق نيجيريا على البقاء في سييراليون إلا
بعد موافقة الأمم المتحدة على إرسال قوات
دولية إليها؛ أي أن العمل سيتم من خلال
المنظمة الدولية. وهو الموقف نفسه بالنسبة
للتدخل الأخير للقوات النيجيرية في ليبيريا؛
فهذه القوات تشكل الطليعة الأولى من القوات
الدولية متعددة الجنسية التي وافق مجلس الأمن
أوائل أغسطس الماضي على إرسالها إلى ليبيريا،
ويبلغ قوامها 767 جنديا من إجمالي 15 ألف جندي.
هذه
القوات مهمتها الأساسية كما أوضح رئيس
الأركان النيجيري هي حفظ السلام، وليس التدخل
-وفق المصطلحات العسكرية- فهي لن تتدخل في
مناطق الصراع، كما أن دورها سيقتصر على تأمين
المناطق المهمة؛ كالمطار، والميناء، ومقر
الحكومة، والعاصمة.. لحين قدوم القوات
الدولية. كما أشار إلى أن الهدف الأساسي هو
تحقيق الاستقرار في ليبيريا، وليس التدخل
فيها(7).
ولعل
هذه المهمة تتوافق مع توجهات أوباسيجو
الخارجية، ومحاولة التمهيد لتسوية سياسية
لهذا الصراع الذي يكشف بجلاء عن أن تحقيق
الاستقرار الداخلي لن يتم عبر الآلة
العسكرية، ولكن عبر الآلة الاقتصادية التي
ينبغي أن يكون من أبرز ملامحها التوزيع
العادل للموارد، والقضاء على الفساد بكل
أنواعه، وعلى مختلف مستوياته. ولكن يبدو أن
الطريق لا يزال طويلا.
اقرأ
أيضًا:
**
باحث في الشئون الإفريقية.
الهوامش:
1-Aruma,
Habib&Adindu,Godwin: Challenge for Obasanjo New Term, in: “Daily
Independent”,
6-9-2003
in: www.odili.net
2-Daily
Champion, (
lagos
)
5-9-2003
3-
صحيفة "الأهرام"، القاهرة: 23-8-2003.
4-
بدر حسن شافعي، "الانتخابات النيجيرية:
خطوة نحو الديمقراطية"، مجلة الديمقراطية،
عدد 11، يوليو 2003، ص 128-129.
5-
بدر حسن شافعي، "كيف تفكر نيجيريا في
دورها الإقليمي بغرب إفريقيا؟"، ملف
الأهرام الإستراتيجي، عدد 103، يوليو 2003، ص84.
6-
Daily Champion, o.p.c.i.t.
7-Ibid.
|