|

|
|
المافيا البلقانية تهدد أوربا
|
لم
يَعُد
تعبير "المافيا" مقصورًا
على
العصابات الإيطالية التي روعت الواقع
السياسي الإيطالي،
وما زالت تؤرقه حتى اليوم؛ ذلك أن البلقان الذي يعيش
حالة تحول سياسي واقتصادي منذ قرابة عقد
من الزمان أصبح بمثابة "الجامعة" العالمية للمافيا.
فمع اندلاع الحروب في البلقان،
ومع بداية التحول السياسي في الدول التي
لم تشهد حروبًا
بالمعنى
العسكري،
وإن شهدت اضطرابات سياسية مثل ألبانيا
ومقدونيا..
بدأت تنشط منظمات وعصابات محلية ذات
طابع "مافياوي"؛
أي أنها لا تكتفي بعمليات سلب ونهب
وسرقة كما هو معروف،
بل امتد نشاطها لكي يتضمن تهريب البضائع
وعلى
رأسها السجائر والنفط، إضافة إلى
غسيل الأموال، كما تضمن نشاط تلك
العصابات القتل السياسي،
كما حدث مع رئيس وزراء صربيا والجبل
الأسود "زوران
دينديتش"
و"عظيم
حيدري"
السياسي الألباني الموالي للرئيس
الألباني السابق صالح بريشا.
وتنوعت
أشكال تلك العصابات وأحجامها؛
فبعضها قائم على
ما يمكن أن نسميه "صبية
المافيا"
المتمركزين في إيطاليا
واليونان، والبعض الآخر أصبح مؤسسات
مافيا قائمة بذاتها،
بعيدًا
عن مواقع التأثير من خارج البلقان.
صحيح أن بعضها بدأ صغيرًا،
لكنه ما لبث أن تحول إلى
منظمات كبيرة ومتعددة الجنسيات.
فبحسب التقارير الأوربية الحديثة فإن
أحدث العصابات التي تؤرق البلقان
وتنتشر حتى خارج حدود البلقان والتي
تدعي منظمة "زيمون"
امتد نشاطها إلى
بعض الدول الإسكندنافية،
مثل السويد التي اعتقلت إحدى
قيادات هذه العصابة "داركو
ميليسفيتش"
المتهم بقتل رئيس الوزراء الصربي
السابق.
المافيا
والسياسة
التقت
المافيا والسياسة في البلقان بشكل لم
يسبق له مثيل في دول أوربا على
وجه التحديد (حتى في إيطاليا
منبع المافيا). والفضل يعود في ذلك إلى
الشذوذ السياسي للقادة السياسيين في
معظم دول البلقان؛
الأمر الذي دفع بعضهم إلى
السماح لبعض أنصارهم بممارسة أنشطة
التهريب كطريق سريع لجمع الأموال
لتمويل أنشطتهم السياسية ولجمع مزيد من
الأنصار.
ولقد شهدت ذلك بنفسي في ألبانيا؛
حيث كانت كل حكومة تسمح لأنصارها بتهريب
البضائع والبشر، وكل ما يمكن تهريبه
للداخل والخارج،
بشرط أن تقدم هذه العصابات الدعم
المطلوب للحزب
أو الحكومة.
وقد
اشتهرت عصابات الصرب -وعلى رأسها عصابة أركان
الصديق المقرب للرئيس الصربي
ميلوسوفيتش الذي يحاكم في لاهاي بتهمة
جرائم الحرب في البلقان- بأن لها دورًا
في السياسة؛
خصوصًا
أن بعض تلك العصابات كانت تمتلك صحفًا
يومية تناهض بها التيارات السياسية
المخالفة (عصابة زيمون كانت تمتلك صحيفة
تسمى
الهوية).
على
أن أخطر العصابات في البلقان على
الإطلاق هي تلك المتمركزة في صربيا،
والتي لم تتوقف باعتقال ميلوسوفيتش،
بل ازدهرت حتى في عصر رئيس الوزراء
المنتخب زوران دينديتش الذي اغتيل على
خلفية صراع سياسي تورطت فيه عصابات
المافيا،
وتحديدًا
عصابة "زيمون".
لقد
تنامت أذرع المافيا في صربيا؛ مما اضطر السلطات إلى
الاعتراف بوجود هذه المنظمات بعد إنكار،
واعترفت بأن لديها ما يقرب من خمسين
منظمة "مافياوية"؛ كما أن السلطات قدرت
أعداد المتورطين في واحدة من هذه
المنظمات (زيمون) بعشرات الآلاف.
وقد قامت في إبريل
ومايو الماضيين باعتقال عشرة آلاف
منتمٍ
لهذه العصابات،
وجهت اتهامات لحوالي 4500 منهم.
حرب
هنا وتعاون هناك
ومن
المفارقات أنه
في الوقت الذي يتصارع الصرب والألبان في
كوسوفا ورغم
الصراع في مقدونيا؛ فإن
المافيا البلقانية شهدت تعاونًا
وثيقًا
بين الصرب والألبان في هذا المجال،
وحسب ما ذكر مركز دراسات الحرب
والسلام IWPR في البلقان فإن عصابة زيمون
تضم في قيادتها أخطر العناصر الإجرامية
من الصرب والألبان،
وقد تجلى
ذلك في التعاون في تهريب
المخدرات،
وتحديدًا
الهيروين،
من مقدونيا إلى
دول الجوار.
مكافحة
نعم
.. استئصال
مستحيل
تسعى
الدول البلقانية عمومًا
لمكافحة الجريمة المنظمة،
والفضل في ذلك يعود إلى
الضغط الأوربي المتنامي والشروط التي
تضعها المؤسسات الأوربية كشرط لتقديم
العون الاقتصادي والاجتماعي لدول
البلقان. ورغم أن دولة كصربيا
اعترفت بوجود مافيا،
وقامت باعتقال عشرات الآلاف كما ذكرنا.. فإن
ذلك لم يكن كافيًا
لاستئصال المافيا،
وذلك باعتراف كبار السياسيين
الإصلاحيين في صربيا أمثال نيبوسيا
كوسيتش نائب رئيس الوزراء الصربي الذي
اعترف بأن هناك زواجًا
غير شرعي بين المافيا وبعض كبار الساسة
في بلاده.
وليس
سرًّا
أن اثنين
من مساعدي الرئيس اليوغوسلافي
السابق فيوسلاف كوستنيتشا -الذي
عرف بأنه إصلاحي-
اتهما بتعاونهما مع المافيا. وأعتقد
من واقع خبرتي أن صربيا ليست الحالة
الوحيدة في ذلك؛
فكل دول البلقان تعاني نفس الداء،
وإن كانت صربيا الأسرع في الاعتراف
بوجود المافيا على
أرضها؛
فإن ذلك لا يعني غيابها عن البقية.
فألبانيا -على
سبيل المثال-
تعاني حالة من الفوضى على
الحدود تسببت في أكثر من فضيحة؛
بسبب تهريب البشر عبر أراضيها وسواحلها
إلى إيطاليا
واليونان.
كما أن تهريب البضائع والمنتجات جزء من
الحركة اليومية للسوق في ألبانيا،
رغم محاولات الاتحاد
الأوربي دعم ألبانيا لمواجهة طوفان
المافيا.
ونفس
الأمر ينطبق بصورة أو بأخرى على
ما كان يعرف في السابق باسم جمهورية
الجبل الأسود، وينطبق بصورة كبرى
على
كوسوفا التي تعيش حالة ضياع الهوية
السياسية. ورغم أن هناك بداية جيدة
لمكافحة المافيا في البلقان فإن
ذلك لا يعني أبدًا
أننا بصدد التخلص من المافيا في البلقان؛
والأسباب في رأيي كالتالي:
-
تراجع المستوى
الاقتصادي قياسًا
بمستوى
المعيشة في أوربا،
وهذا يشكل عامل ضغط على
المواطنين؛ مما
يدفعهم إلى
الجريمة.
-
غياب المؤسسية في
معظم تلك الدول،
أو بمعنى
أدق غياب الدور المؤسسي الذي يمكنه
مواجهة مثل هذه النوعية من الجريمة التي
فشلت دول متقدمة -مثل إيطاليا-
في مواجهتها.
-
غياب الضغط الأوربي
القوي والمستمر، وغياب الدعم الاقتصادي
المطلوب لدعم اقتصاديات تلك الدول
البلقانية الفقيرة.
أوربا
والمافيا البلقانية
تعاني
أوربا من المافيا البلقانية ليس بسبب أن
أوربا ليست معتادة على
مثل تلك الأنشطة،
بل بسبب غياب المعلومات الأمنية والاستخباراتية
عن العناصر البلقانية المنخرطة في
عصابات المافيا.
وذلك يعود إلى أن المافيا في البلقان
نجحت في تجنيد المئات من الوجوه الشابة
من أنحاء متفرقة من البلقان؛
مما يزيد مهمة الأجهزة الأمنية في أوربا
صعوبة.
كما أن نوعية الأنشطة التي تقوم بها هذه
العصابات داخل بعض الدول الأوربية تهدد
السلم الاجتماعي في تلك الدول،
خصوصًا
مع انتشار ثقافة الجريمة على
يد تلك العصابات الوافدة،
ناهيك عن الكلفة الاقتصادية لبعض
الجرائم مثل ترويج المخدرات وتهريب
البضائع والمنتجات إلى
دول البلقان التي لا تتمتع بأجهزة
رقابية ولا أنظمة جمركية تؤهلها
لمكافحة التهريب.
ويكفي
للتدليل على
معاناة بعض الدول الأوربية أن نتصور
فقط حجم التهريب الذي
عانت منه دولة كالسويد التي استطاعت
المافيا تهريب 40 مليون سيجارة إلى أراضيها في عام واحد.
وتُعَدّ
السويد محطة ترانزيت للتهريب إلى
النرويج والمملكة المتحدة؛
ولا تتوقف المخاوف الأوربية على
الاختراقات التي أحدثتها عصابات
المافيا الصربية أو
البلقانية لبعض الدول الأوربية
المتقدمة،
بل من اختراقات محتملة لدول ستنضم
للاتحاد الأوربي قريبًا
(مثل بولندا وليتوانيا)، ولا تتمتع بنفس القدر من
المؤسسية والملاءة الأمنية التي تؤهلها
على
الأقل لرصد توغل تلك العصابات في
أراضيها.
وأعتقد
أن مصدر التخوفات الأوربية هو خشية
أوربا من
التحول إلى
ساحة لتصفية الحسابات السياسية
البلقانية. بالإضافة
إلى أن الاتحاد
الأوربي لا يرغب في بقاء الحلف الشيطاني
بين المافيا والساسة في البلقان؛
لأن ذلك من شأنه استمرار تلوث الواقع
السياسي لدول من المفترض أنها ستكون
شريكًا
مستقبليًّا
في الاتحاد الأوربي أو منظماته.
إضافة
إلى
أن استمرار هذا الحلف
بين المافيا والسلطة
يعني فشل أوربا في مواجهة قضية اجتماعية
واقتصادية تنخر في عظام واقعها اليومي، إضافة إلى
فشلها السياسي والعسكري.
وهذا يضع أوربا في مأزق أخلاقي لا يمكن
تبريره بالقول بأن الألبان أو الصرب
مثلا مجرمون بالفطرة.
صحيح أن تاريخ المافيا الأوربية سابق
لتاريخها في البلقان،
ولكن يبدو أن المافيا البلقانية أصبحت
الأكثر تجذرًا
وتشعبًا
وتأثيرًا.
اقرأ
أيضًا:
|