|

|
|
صناديق الاقتراع لا تمتلئ للمرة الثالثة |
لم يحدث
في تاريخ أي انتخابات في العالم أن
أعيدت انتخابات الرئاسة 3 مرات بسبب عدم
بلوغ النصاب القانوني لنسبة المقترعين،
إلا في صربيا. فعلى مدار 13 شهرا، دعي
الناخبون لانتخاب أول رئيس لدولتهم بعد
زوال ميلوسوفيتش، وبعد أن اغتيل رئيس
وزرائها الناشط زوران دينديتش؛ حيث
أصبحت صربيا بلا رئيس، وبلا رئيس وزراء،
فلنا أن نتخيل الأمر.
ماذا
بعد الديمقراطية
بعد أن
زال ميلوسوفيتش وتمت محاكمته، استبشر
الأوربيون خيرا، وظنوا أن الأحزاب
الصربية ستنتهز الفرصة وتنطلق نحو عالم
من الديمقراطية والتسامح والتعايش؛
ولكن العكس هو الذي حدث؛ فقد تفكك تجمع
الـ15 حزبا، وتصارع الجميع ضد الجميع؛
الكل يريد أن يفوز بكعكة الديمقراطية
وحده.
فيوسلاف
كوستنيتسا الرئيس اليوغسولافي الذي حل
محل ميلوسوفيتش في رئاسة يوغوسلافيا
السابقة، والذي نال رضا الغرب بتسامحه،
دخل انتخابات الرئاسة الصربية وهو واضع
في اعتباره أنه سيفوز؛ لكن حزب المعارضة
الديمقراطي -والمعروف اختصارا بـ DOS- وقف
حجر عثرة في طريقه؛ فحرض الناخبين على
عدم المشاركة. وبدلا من تشجيع الناخبين،
قاد الحزب حملة لعدم التصويت. ورغم نجاح
كوستنيتسا في الانتخابات مرتين، فإن
عدم اكتمال النصاب تسبب في عدم فوزه
لتعاد الانتخابات مرة ثالثة في 16 نوفمبر
2003.
المعاملة
بالمثل
وفي
انتخابات نوفمبر الأخيرة، تخلى
كوستنيتسا عن الكرسي، وقرر مقاطعة
الانتخابات؛ فنظم حملة كبيرة
لمقاطعتها، معللا ذلك بأنه سيرد الصاع
صاعين لحزب المعارضة الرئيسي؛ وسيثبت
أن قوة حزبه أكبر بكثير من الأحزاب
المشاركة في السلطة. ونجح كوستنيتسا
بالفعل، ومعه أحزاب معارضة صغيرة في
إفشال الانتخابات للمرة الثالثة.
والسؤال المطروح هنا: هل كان الأمر مجرد
رد للطمة أو المعاملة بالمثل؟.
الإجابة:
بالطبع ليست ذلك فحسب؛ بل هناك أسباب
أخرى، أهمها أن البرلمان قد تم حله،
وأعلنت انتخابات برلمانية في 28 ديسمبر
المقبل بعد أن وصلت حالة الانسداد
الديمقراطي إلى مدى لم تعد فيه الحكومة
ولا البرلمان قادرين على تسيير الأمور
لا تشريعيا ولا تنفيذيا في بلد استطاع
شعبه وأحزابه إزاحة أكبر كابوس إنساني
في البلقان.
وكان
تعبير رئيسة البرلمان ورئيسة صربيا
بحكم رئاستها للبرلمان "نتاشا ميسيتش"
بليغا حين قالت: "لقد بذل البرلمان ما
في وسعه من أجل الإصلاح والتغيير
الديمقراطي، ولكنه أصبح عاجزا عن
الاستمرار؛ لذا فإن انتخابات جديدة قد
تعيد التناغم والحكمة للبرلمان".
ونفس المعنى تقريبا عبر عنه "زوران
زيفكوفيتش" رئيس الوزراء الذي قال:
"إن البرلمان قد فقد قدرته على اتخاذ
قرارات، ويمارس الابتزاز ضد الحكومة".
صراع
القوى
إن
هذه الحالة من الفشل لثلاث مرات، وخصوصا
في المرة الأخيرة، عكست مدى الصراع
القوي في صربيا. فكثيرون في المعارضة
يرون ألا وزن للمنصب الرئيسي، وأن
العبرة بالغلبة في البرلمان. لذا فقد
كانت الأحزاب المتنافرة ترسل رسالة
للشعب الرافض بأننا الأقوى، وأن ساحة
التنافس ليست على منصب الرئيس ذي
الصلاحيات المحدودة التي يمكن الحد
منها عبر الأغلبية البرلمانية، إنما
الصراع الحقيقي على الأغلبية
البرلمانية وتشكيل حكومة حزب أو أحزاب
مجتمعة تكون مدعومة تحت قبة البرلمان،
وليس كما عليه الحال اليوم.
وهذا
التصرف بهذه الطريقة -وإن بدا انتهازيا
في عيون البعض- إلا أنه يعكس جموحا
وتطرفا في التعامل مع الديمقراطية
كآلية لصناعة نظام سياسي مستقر؛ والبعض
يراه خطوة على الدرب الطويل الشاق نحو
ديمقراطية حقيقية.
شيء
جميل لا يمكن نكرانه
دع
عنك كل هذه المظاهر، ولنتأمل المشهد
السياسي في صربيا بتجرد، فسنجد أنه مشهد
حر صريح واضح، وشفاف في نفس الوقت. فلا
قيود على التعبير، ولا شرطة تتدخل، ولا
جيش يهدد. لقد نجح الصرب، رغم هول الصراع
على السلطة، في تحييد قوى الأمن
والمخابرات والجيش؛ وبدت الساحة خالية
لممارسة ديمقراطية على الطريقة الصربية
(ممارسة بلا مشاركة شعبية).
زهد
شعبي أم ماذا؟
جرت
العادة أن تندفع الشعوب نحو الانتخابات
مع أول انفراجة ديمقراطية. لكن ما حدث في
صربيا غير ذلك، وكأن الشعب -كما قلت في
مقال سابق- يريد أن يعاقب الساسة في
الطيف السياسي الواسع من أقصى اليمين
إلى أقصى اليسار.
لم تنجح
الأحزاب الصربية الجديدة في دفع الشارع
نحو الانتخابات، ولا في إقناعه بأن
التحالف الحكومي جدير ومؤهل لقيادة
صربيا؛ فالواقع المعيش يقول بأن صربيا
تتراجع، رغم مواردها الطبيعية وثروتها
البشرية وعلاقاتها مع أوربا التي بدأت
في التحسن بعد زوال ميلوسوفيتش.
والبطالة وصلت إلى 30%، وتراجعت العملة
الوطنية، وخاب أمل الناس في برامج
الخصخصة، في الوقت الذي لا يزال المواطن
يشاهد بشكل يومي ممل التناحر السياسي
بين أحزاب وقادة يريدون أن يصعدوا إلى
السلطة.
حالة
فريدة
حالة
صربيا ليست حالة عادية يمكن المرور
عليها مر الكرام، فما حدث من الشعب حين
خرج ليطرد ميلوسوفيتش كان شيئا لا يصدق؛
واعتقدنا ساعتها أن الصرب سيمارسون
حياة ديمقراطية تكون نموذجا بلقانيا،
ولكن ما حدث مؤخرا يعكس مزاجا شعبيا غير
راغب في الديمقراطية بالطريقة الحالية،
ومتذمرا ورافضا للاعبين الأساسيين في
الملعب، ولكنه في نفس الوقت رسالة إلى
من يهمه الأمر بأن الديمقراطية لا يمكن
تطبيقها بلا شعب؛ وأن الديمقراطية ليست
رداء يقي الشعوب من كل داء، بل هي نظام
وآلية لكي تمارس الشعوب حقها في التعبير
عن قضاياها ومشكلاتها وآرائها، فإن لم
تعكس الديمقراطية هذه الهموم فلا معنى
ولا قيمة لها. ربما أراد الصرب أن يقولوا
للأوربيين: لقد أزحنا الديكتاتور
واعتذرنا عن الحروب والجرائم، ولكننا
ما زلنا نعاني اقتصاديا، فمتى ستصلنا
مساعداتكم لكي نكون قادرين على الذهاب
للتصويت؟.
اقرأ
أيضاً:
** مستشار "إسلام أون لاين.نت"
لشئون البلقان.
|