|
|
|
طرح الدولة الثنائية.. هل هو رد فعل على الجدار؟
|
ما
أن انقضى الأسبوع الأول من العام الجديد
2004 حتى طلع علينا السيد أحمد قريع، رئيس
الوزراء في السلطة الفلسطينية، بتصريح
خطير.. جاء في إطار الارتباك الذي ساد
أوساط السلطة، بعد إعلان شارون في 18-12-2003
عن خطته لفك الارتباط مع الفلسطينيين من
طرف واحد.
وكان
رئيس الوزراء الفلسطيني قد قال في
تصريحه هذا: "إن الفلسطينيين قد
يتحولون للمطالبة بدولة ثنائية القومية
على كل أراضي فلسطين التاريخية، بدلاً
من مطالبتهم بدولة فلسطينية مستقلة في
حدود الأراضي المحتلة منذ عام 1967"،
لكن قريع نفسه ما لبث أن تراجع بسرعة عن
تصريحه هذا، واصفًا إياه بالشخصي،
وبأنه لم يكن نتاج تنسيق مع قيادة
السلطة.
من
جهتها سارعت اللجنة التنفيذية لمنظمة
التحرير بالتنصل من تصريح رئيس
الوزراء؛ لكنها أكدت في الوقت ذاته على
حق الفلسطينيين في الإعلان، من طرف
واحد، عن قيام الدولة الفلسطينية في
حدود 1967. ولما كان التصريح حول الدولة
ثنائية القومية فريدًا وغير مسبوق، ولم
يكن في أي وقت من الأوقات مدرجًا على
الأجندة الفلسطينية -لا على مستوى منظمة
التحرير، ولا على مستوى أي من الفصائل
أو الحركات أو الأحزاب الفلسطينية- فإن
هذا الأمر، حتى وإن كان في إطار
المناورة، فإنه يستوجب فتح تحقيق جدي
حول ثلاث مسائل تخص هذا المشروع للدولة
الثنائية.
المسألة
الأولى في تصريح الدولة ثنائية
القومية، تخص البحث في العلاقة بين حدود
المناورة السياسية وعلاقتها بالخيارات
الإستراتيجية للشعب الفلسطيني.
والمسألة
الثانية تتعلق بكنه وماهية مشروع
الدولة ثنائية القومية، وخلفياته
وقواعده وشروطه.
أما
المسألة الثالثة فهي تبحث في موقع
الدولة ثنائية القومية من الخيارات
الإستراتيجية الأخرى، من منظور التحليل
المقارن.
"الدولة
الثنائية" بين التكتيك
والإستراتيجية
قد
يكون من الضروري هنا إعادة التأكيد على
أن عوامل هزائم الشعوب قد تكون راجعة،
في أصولها، إلى انعدام وجود إستراتيجية
موحدة وواضحة، أو أن يكون ذلك راجعًا
إلى تنازع إستراتيجيتين، واستقطاب
وانقسام الأمة بهما وبينهما، أو أن
يكون الأمر ذاته عائدًا إلى الخلط بين
ما هو تكتيكي، ويقبل المناورة، وما هو
إستراتيجي ويستلزم قدرًا أعلى، بما لا
يقاس، من التماسك والثبات النسبي.
ومن
هذه العوامل أيضًا، أن تكون هناك
إستراتيجية موحدة وتحظى بالإجماع، إلا
أن القيادة تخفق في حشد طاقاتها التي
تتناسب مع أهداف هذه الإستراتيجية؛ أو
أن تخطئ هذه القيادة في تخطيط وتطبيق
المراحل المفصلة لهذه الإستراتيجية؛ أو
أن ترسم إستراتيجية "طوباوية"، غير
قابلة للتحقق في ظل غياب الشروط
الموضوعية والذاتية لإنجاز هذا التحقق..
إلى آخر ما يقرره علم الإستراتيجية، وما
تقره تجارب كل شعوب العالم بما في ذلك
تجربة الشعب الفلسطيني.
في
ضوء ذلك يبدو جليًا أن ما صدر عن رئيس
الوزراء الفلسطيني من حديثه عن الدولة
ثنائية القومية، هو لأسباب عديدة، لم
يكن يعدو كونه مجرد مناورة محدودة،
لكنها كانت مناورة مشوشة أيضا؛ لأنها
افتقدت لكل مقومات المناورة ذاتها.
لكنها مع ذلك لم تخل من بعض الجوانب
الجانبية الإيجابية، التي ربما كان
من أهمها أنها حثت الجميع على إجراء
مناقشة معمقة لمشروع الدولة ثنائية
القومية في إطار النظر في كل المشاريع
السياسية المطروحة، وضرورة التوصل إلى
إجماع بشأن صياغة إستراتيجية فلسطينية
موحدة.
ماهية
الدولة "الثنائية".. شروط مستعصية
من
جهة ثانية تطرح علينا هذه المناورة
ضرورة التعريف بكنه وماهية مشروع
الدولة ثنائية القومية هذه، في ظل
افتقاد الثقافة العربية، على نحو عام،
إلى مرجعيات سياسية بشأن هذا المشروع.
وفي هذا الإطار فإنه يمكن تعريف الدولة
ثنائية القومية، بأنها تلك الدولة
التي تنشئها جماعتان قوميتان National
Communities، وفق ترتيبات جماعية مشتركة
للعيش معًا في دولة واحدة ضمن نظام
سياسي واحد.
ويترافع
كثيرون ضد هذا المشروع، بدعوى عدم وجود
ما يكفي من نماذج ناجحة له في المجتمع
الدولي المعاصر، ربما باستثناء نموذجي
سويسرا وبلجيكا؛ فيما يضيف البعض أيضًا
-مع كثير من التحفظ- نماذج أخرى أكثر
حداثة، مثل جنوب أفريقيا والبوسنة
وأيرلندا الشمالية.
وفيما
يتعلق بالمسألة الفلسطينية، فإنه يجدر
إعادة التأكيد على أنه لم يسبق، ولا في
أي وقت من الأوقات، أن طرحت أو تبنت هذا
المشروع أي جهة اعتبارية أو تمثيلية
فلسطينية، باستثناءات معدودة فقط،
كانت وردت في متون مقالات أو دراسات
لنفر من المفكرين والسياسيين
الفلسطينيين (حيدر عبد الشافي، محمود
درويش، إدوارد سعيد، أسعد غانم). ومن
الوجهة التاريخية، كان مشروع الدولة
ثنائية القومية قد طرح، في صياغة
متكاملة، لأول مرة في شهر مارس عام 1946،
عندما كانت اللجنة الأنجلوأمريكية تزور
فلسطين في حينه، لجمع المعلومات ووضع
تقريرها عن الأوضاع هناك. وكان حزب
العمال (هاشوميرها تسعير) اليهودي
الاشتراكي هو الذي دعا إلى إقامة هذا
المشروع في كتاب خاص، أصدره ووزعه على
هذه اللجنة وعلى نطاق واسع؛ ويتضمن هذا
الكتاب شرحًا مسهبًا وتفصيليًا لمشروع
إقامة دولة ثنائية القومية في فلسطين من
وجهة نظر هذا الحزب.
وكان
هذا الحزب قد اتحد مع حزب صهيوني آخر (أحدوت
هعفودا – بوعالي تسيون) رغم أن الأخير
كان يعارض مشروع إقامة دولة ثنائية
القومية في فلسطين، ويدعو إلى إنشاء وطن
قومي لليهود على كل أرض فلسطين؛ ومع ذلك
اتحدا، وشكلا في عام 1948 حزب (مبام)
المعروف. لكن احتدام الخلاف بين جناحي
حزب مبام، حول مشروع الدولة ثنائية
القومية، أدى إلى انقسام هذا الحزب عام
1954؛ وبمرور الوقت اضمحلت هذه الفكرة في
الأوساط الإسرائيلية.
ما
يهمنا هنا هو القول بأن مشروع الدولة
ثنائية القومية يواجَه في الوقت الراهن
برفض ومعارضة إجماعية وحاسمة في
إسرائيل، باستثناءات فردية من مثقفين
يساريين (مثل ميرون بنفنستي).
وكان
هذا الرفض واضحًا تمامًا في الرد الذي
خرج عن مكتب إريل شارون على تصريحات
قريع حول الدولة ثنائية القومية، والتي
جاء فيها ما نصه: "إن الفلسطينيين
قالوا دومًا إنهم بفضل الديموغرافيا
سيكونون أغلبية، وبالضبط من أجل هذا،
طرح شارون خطة فك الارتباط لمنع قيام
دولة ثنائية القومية".
وبشكل
عام، فإن الدولة ثنائية القومية تقوم
على المبادئ الأساسية التالية:
1-
إقامة ائتلاف سياسي واسع بين الممثلين
السياسيين للجماعتين القوميتين (أي
اليهود والفلسطينيين).
2-
احتفاظ كل من ممثلي الجماعتين بحق النقض
فيما يتعلق بالمسائل الجوهرية في
الدولة.
3-
العمل في هذه الدولة وفق مبدأ التمثيل
النسبي في كل ما يتعلق بتوزيع الأرض،
والثروات، والمنافع الاجتماعية
والاقتصادية، والمؤسسات السياسية
والعامة.
4-
توفر هذه الدولة قدرًا عاليًا من
الاستقلال الذاتي لكل مجموعة قومية في
إدارة شئونها الخاصة، بما في ذلك صياغة
دستور لكل جماعة، بحيث يكون جزءًا من
الدستور العام للدولة، وإقامة برلمان
محلي وإدارة ذاتية واستقلالية في إدارة
شئون التعليم والصحة... وغيرها.
5-
إقامة نظام سياسي واحد، وإدارة مركزية
للدولة ودستور موحد، وبرلمان اتحادي
ومؤسسات سيادية موحدة.
ويبدو
واضحًا من كل ما تقدم أن هذا المشروع -حتى
بالنسبة لأكثر المدافعين عنه حماسة- هو
حل بعيد المدى، إن لم تقل بعيد المنال؛ حيث
يتطلب توافر شروط تمهيدية عسيرة
ومضنية، وتحقيق تحولات رئيسية وتاريخية
في المجالات التربوية والاجتماعية
والسياسية. وكذلك تحقيق تحولات
رئيسية في إعادة النظر إلى أسس الصراع
القومي، والتوصل إلى حلول وسط، وإحداث
تغييرات بنيوية في المفاهيم
والأيديولوجيات السائدة، وفي أنساق
التنظيم الاجتماعي والسياسي لدى كل
جماعة أو شعب من الشعبين. وربما كان
الأهم من ذلك كله، أن مشروع إقامة
الدولة ثنائية القومية، في الحالة
الفلسطينية، يستوجب التعاون الوثيق مع
الجماعة اليهودية، أو على الأقل مع
النخب السياسية المؤثرة والحاكمة في
إسرائيل؛ لأن هذا المشروع لا يمكن
إقامته إلا على أساس الإدارة المشتركة
للجماعتين القوميتين: اليهود
والفلسطينيين.
"المناورة"
فرصة لدراسة الخيارات بعمق
على
مستوى ثالث فإنه يجدر بالفلسطينيين، في
هذه اللحظة التاريخية، أن يقوموا
بإعادة تفحص وتقويم خياراتهم، وكل
المشاريع السياسية المطروحة منهم أو
عليهم، بما في ذلك إجراء دراسات معمقة
لهذه المشاريع من منظور التحليل
السياسي المقارن.
وفي
هذا الإطار فإنه يمكن رصد المشاريع
الإستراتيجية للتسوية المطروحة على
الفلسطينيين على النحو التالي:
كان
هناك أولاً المشروع الأساسي، الذي
تبنته منظمة التحرير الفلسطينية منذ
تأسيسها في العام 1964، وكذا أغلب الفصائل
الفلسطينية، والذي يرتكز على
المطالبة بتحرير كل أراضي فلسطين
الانتدابية باعتبارها وحدة جغرافية
واحدة. وحسب دعاوى أغلب هذه الفصائل
فإن هذا المشروع ما يزال قائمًا، ولو
على نحو مضمر لدى البعض منهم، الذين
يؤمنون بأن تبني إستراتيجية الحل
المرحلي لا ينفي إستراتيجية استعادة كل
فلسطين. وتنحصر الخلافات الفلسطينية -فيمن
يتبنون هذه الإستراتيجية- في شكل وطبيعة
الدولة والنظام السياسي الذي سيقام على
كامل التراب الوطني الفلسطيني من النهر
إلى البحر.
كما
يندرج في نفس سياق الخيارات
الإستراتيجية للفلسطينيين مشروع
الدولة الديمقراطية العلمانية، الذي
كانت منظمة التحرير أعلنت عنه إبان
انعقاد الدورة الثامنة للمجلس الوطني
الفلسطيني في القاهرة في 5-3-1971.
وتضمنت قرارات المجلس، في هذه الدورة،
الإعلان عن أن الكفاح المسلح الفلسطيني
ليس كفاحًا عرقيًا أو مذهبيًا ضد اليهود.
وفي
السياق ذاته كان أحد التيارات البارزة
في الحركة السياسية لفلسطينيي 1948 (الاتجاه
الذي يمثله النائب العربي في الكنيست
الدكتور عزمي بشارة) قد بادر في السنوات
الأخيرة إلى طرح مشروع يدعو لإقامة
"دولة واحدة لكل مواطنيها" على
أساس المساواة والتماثل في حقوق
المواطنة للجميع في هذه الدولة
الليبرالية.
في
المقابل كان التيار المركزي في منظمة
التحرير قد طرح وتبنى إستراتيجية "الحل
المرحلي" بدءًا من الدورة الثانية
عشرة للمجلس الوطني التي انعقدت في
القاهرة في 9-6-1974. ويرتكز هذا الحل
على إقامة الدولة الفلسطينية القومية
على قسم من أراضي فلسطين الانتدابية؛
وكان إعلان منظمة التحرير عن إقامة
الدولة الفلسطينية المستقلة في الدورة
التاسعة عشرة (غير العادية للمجلس
الوطني التي انعقدت في الجزائر في
15-11-1988)، استندت في هذا الإعلان إلى قرار
التقسيم رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة
في 29-11-1947؛ لكن القيادة المتنفذة في
المنظمة عادت فوافقت في اتفاقات أوسلو (الموقعة
في واشنطن في 13-9-1993) على إقامة هذه
الدولة الفلسطينية في حدود الأراضي
التي احتلتها إسرائيل عام 1967، أي الضفة
والقطاع والقدس المحتلة. وحظي هذا
المشروع على موافقة أغلب الفصائل
الفلسطينية، رغم تباين منطلقاتها
واختلاف شروطها لإقامة هذه الدولة [كان
الشيخ أحمد ياسين قد أعلن في مطلع هذا
العام، أن حركة حماس لا تعارض إقامة
دولة فلسطينية في حدود 1967، لكن من دون
الاعتراف بإسرائيل، وأن حماس قد تقبل
هدنة طويلة نسبيًا عندما يتحقق هذا الحل].
وفي
مواجهة هذه الإستراتيجيات ينهض مؤيدو
إستراتيجية الدولة ثنائية القومية،
فترتكز موافقتهم في هذا المجال على نفي
إمكانية تحقيق أي من هذه
الإستراتيجيات، فضلاً عن إشارتهم إلى
المثالب الداخلية الكامنة في هذه
الإستراتيجيات، مقارنة بمشروعهم
لإقامة دولة ثنائية القومية.
فيرون
أن الدولة الليبرالية -التي نادى بها
الدكتور بشارة- غير ممكنة. فهي تنفي
الطابع اليهودي عنها، وهي تنزع من
إسرائيل احتكارها الراهن للديمقراطية
الإثنية والتمييزية. كما أن إقامة هذه
الدولة الليبرالية تتطلب تخلي الشعبين
اليهودي والفلسطيني عن انتماءاتهما
القومية؛ لأن هذه الإستراتيجية ترتكز
على العنصر الشخصي-المدني للمواطنة في
تنظيم العلاقة بين هذه الدولة
ومواطنيها.
من
جهة أخرى يرى هؤلاء -أنصار الدولة
ثنائية القومية- أن إسرائيلية الحل
المرحلي وإقامة الدولة الفلسطينية هي
الأخرى غير ممكنة عمليًا؛ لأن إسرائيل
لن تسمح إلا بدولة منقوصة السيادة.
كما أنها لن تقبل، في إطار هذا الحل،
بالاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين
بالعودة، فضلاً عن قائمة أخرى من
الموضوعات الأساسية المتداخلة في
الفضاء الإسرائيلي/الفلسطيني الراهن (مثل
المياه، والمستوطنات، والعمالة... إلخ)
والتي قد يصعب معها توافر إمكانية إقامة
الدولة الفلسطينية المستقلة،
والانفصال عن إسرائيل على أساس جغرافي
وديموغرافي حقيقي.
وكما
أشرنا إلى تعقيدات وشروط إستراتيجية
الدولة ثنائية القومية، وعلى هذا النحو
من التداخل والتشابك والتعقيد، تبدو
صورة الخيارات الإستراتيجية
الفلسطينية، بما قد يفرض على الجميع
إعادة النظر في ترتيب الأولويات،
والشروع دون إبطاء في تقويم الأمر كله،
في ظل تسارع وتيرة المتغيرات من حولنا،
في عام جديد يبدو أنه سيكون حاسمًا أو في
أقل التقديرات مختلفا إلى حد بعيد.
اقرأ
أيضًا:
**
مدير
مركز مقدس للدراسات بغزة.
|