|
|
الأسد وجول أثناء خروجهما من مطعم بأنقرة |
مقال
اليوم مشغول بتطورات مهمة جرت على
صعيد العلاقات السورية ـ التركية،
وبتفاعلات أخرى
لها أهميتها على
مستوى
العلاقات المصرية ـ الإيرانية. ويجتهد
المقال،
من وجهة نظر كاتبه،
في تحليل هذه التطورات والتفاعلات. وهو يرى
أن حجم ونوعية التهديدات المحيطة في منطقة
الشرق الأوسط تشكل حافزا قويا لتقارب هذه
العواصم الأربع. ويعتبر نجاح كل من أنقرة
ودمشق في إدارة علاقاتهما
- رغم مشكلات خلافية يتصل
بعضها بأزمة حدودية
(لواء الأسكندرون) أو
بتوجهات سياسية متباينة
- مثالا للانتقال بالعلاقات
من مستوى
الصراع إلى
مستوى
التنسيق والتعاون،
ما يلقي بظلاله على
مستقبل العلاقات المصرية ـ الإيرانية،
بعد تراجع وزن أسباب تعثرها،
سواء على
المستوى
الأمني أو السياسي.
ولا يستبعد الكاتب أن يصبح التطور المأمول في
علاقاتهما الثنائية،
حافزا لشبكة جديدة من العلاقات الإقليمية،
تتسع لسوريا وتركيا،
تحول دون بروز استقطاب مناهض تريده أمريكا
وتسعى
إليه إسرائيل. وينوه في هذا السياق بطلب كل
من أنقرة وطهران الحصول على
عضوية مراقب في جامعة الدول العربية.
بعد
الزيارة الناجحة للرئيس السوري بشار الأسد
إلى تركيا،
أجرى
رئيس حكومتها وزعيم حزب العدالة والتنمية رجب
طيب أردوغان تقييما مطولا لنتائج الزيارة.
فأوضح أن علاقات البلدين سجلت تطورات مهمة
جدا في السنوات الأخيرة،
وأن الزيارة تثبت المستوى المهم الذي وصلته
العلاقات،
وأن كونها أول زيارة لرئيس سوريا منذ
استقلالها،
جعلها تاريخية. وقد لعب الشعبان اللذان
يتقاسمان كثيرا من الروابط المشتركة
كالتاريخ والثقافة والدين دورهما في
تطوير علاقات الدولتين. أضف إلى ذلك،
معرفتنا جيدا بالإمكانات الاقتصادية الكبيرة
لهذه العلاقات. وأنا مؤمن تماما بالدور
الكبير المهم لزيارة الرئيس الأسد في تطوير
علاقاتنا الثنائية في جميع المجالات. ونحن
في تركيا متفائلون جدا بنتائج الزيارة،
وانعكاساتها على
الوضع الإقليمي عموما.
وهذا
التقييم مملوء بالمعاني والدلالات.
وأهمها إمكانية تكرارها مرة أخرى،
ولكن على لسان الرئيس الإيراني محمد خاتمي
عقب زيارة نأمل في أن تتم قريبا للرئيس حسني
مبارك. فهل يمكن أن تتم هذه الزيارة؟
عندها..
سيكون بمقدورنا الحديث عن شبكة جديدة من
التفاعلات والعلاقات الإقليمية بين مصر
وإيران،
وسوريا وتركيا،
آخذين في الاعتبار خصوصية ومتانة العلاقات
الثنائية لأكثر من عاصمة بين هذه العواصم
الأربع،
ما يؤذن بأن يشكل أفق هذه التفاعلات،
رافعة وقاطرة للعلاقات الإقليمية المأزومة
والمحبطة،
والتأهل لملء فراغ سياسي يديره الآن في
المنطقة لاعب واحد،
من خارجها،
هو الولايات المتحدة الأمريكية،
بسياساتها ومطامعها الإمبراطورية.
ويجمع
بين دوافع العمل على إعادة العلاقات المصرية
ـ الإيرانية رسميا،
كثير من التهديدات المحيطة ومن الحوافز التي
تضغط باتجاه تفعيلها. وربما باتجاه ما هو
أكثر،
وذلك رغم تركة من الشكوك المتبادلة،
خاصة في الجانب الأمني من الطرف المصري،
وبعض القضايا السياسية الخلافية الإقليمية
والدولية العالقة،
غير أن حجم ونوع التهديدات المختلفة التي
تواجه البلدين،
ودول الشرق الأوسط وبالذات الدول العربية،
يشكل
حافزا قويا للتقارب بين البلدين. ذلك أن
الأصل في إقامة العلاقات الدولية هو صراع
وتنافس المصالح،
وإلا كان العالم قد تحول إلى دولة واحدة.
غير أن الهدف من إقامة العلاقات بين الدول،
هو توفير وسائل سلمية لحل الصراعات والخلافات.
ولهذا تنشأ العلاقات الثنائية والإقليمية
والدولية وتبنى
مؤسساتها،
لتتويج نجاح الدول في الانتقال بالعلاقات من
الصراع إلى التنسيق والتعاون.
ويعد
النموذج السوري ـ التركي الذي بين أيدينا
الآن مثالا على نمط ناجح لإدارة العلاقات
الدولية والثنائية،
حيث نجحت الدولتان بإرادة وطنية مستقلة
مشتركة في تجاوز فجوة المعوقات،
من خلال مشوار طويل من جهود بناء الثقة بينهما،
ووضع أسس حقيقية ومتينة للتعاون والاعتماد
المتبادل التي يمكن أن تجعل من أي محاولة
للعودة إلى أجواء التوتر والصراع خطوة
محفوفة بالمخاطر على المصالح الوطنية لكل
منهما.
فقد
كانت تركيا،
ولا تزال،
محسوبة على المعسكر الأمريكي. وكانت أنقرة
ترى
أن سوريا من أهم المعاقل السوفيتية المناوئة
للمخططات التي تشارك فيها تركيا كلا من
أمريكا وإسرائيل تجاه المنطقة. مثلما كانت
سوريا ترى
في تركيا معقلا للمخاطر الأمريكية وحليفا
للعدو الإسرائيلي. وكذلك كانت دمشق وأنقرة
تعيشان أزمة حدودية،
تصل إلى مستوى الاحتلال التركي للواء
الأسكندرون. ناهيك عن عقود طويلة من تاريخ
الاتهامات المتبادلة عن إيواء الإرهابيين،
وضغوط المياه،
وعن تهديد كل منهما للأمن الوطني للطرف الآخر..
لكن الاتفاق الأمني الموقع بينهما عام
1998 ساعد كثيرا على فتح صفحة
جديدة للعلاقات.
وقد
شهدت السنوات الأخيرة زيارات
متبادلة كثيرة لكبار الوزراء والمسئولين؛
وهو ما أدى
بالجانب التركي إلى إغلاق الملف الأمني الذي
كان يشكل معوقا كبيرا من قبل. مثلما دفعه
إلى تجنب حديثه المتكرر عن مسألة لواء
الأسكندرون. والملاحظ أن الرئيس بشار
الأسد،
خلال زيارته لأنقرة،
حرص على شرح الفرق بين موقفي بلاده من قضيتي
مرتفعات الجولان والأسكندرون،
لكيلا يفهم أحد أن سوريا بدأت مزاد التنازلات
عن أراضيها،
حيث أوضح أن سكان الأسكندرون لم يتغيروا منذ
آلاف السنين. أما الجولان فواقعة تحت
احتلال استيطاني قام بتغيير التركيبة الديموغرافية
لها. ولهذا فإن قضية الأسكندرون خلاف
حدودي قابل للحل مستقبلا ببساطة،
بينما احتلال الجولان مرتبط بصراع مركب بين
العرب وإسرائيل.
وأيا
ما كان فهمنا لهذا التحليل،
فإنه يعد محاولة سورية جادة لتجاوز الخلافات
مع تركيا التي هي حليف لأمريكا وصديق
لإسرائيل.
ومن جانبها،
حرصت تركيا على وضع تحالفها مع أمريكا في
الحدود التي لا تتعارض مع مصالحها في
علاقاتها الإقليمية،
وعلى الاستفادة من صداقتها لإسرائيل لتطوير
علاقاتها مع سوريا والعرب. مثلما سعت
للوساطة بين سوريا وإسرائيل بشأن رغبة دمشق
في استئناف المفاوضات حول الجولان.
إن
كثيرا من صانعي السياسة الخارجية التركية
باتوا يدركون،
عند الحديث مثلا عن الأزمة العراقية،
أن سوريا أقرب بكثير لبلادهم من الولايات
المتحدة. لأن هناك نقطة التقاء بل ومصلحة
واضحة بين سوريا وتركيا في إبقاء العراق
موحدا دون أي تغيير في حدوده الراهنة. وتمثلت
رؤية حكومة أنقرة للموقف الأمريكي من العراق
في:
1 ـ
أنه لا ثوابت أمريكية محددة سوى
الحفاظ على مصالح واشنطن التي تبدو متحركة
وغامضة،
بل ومثيرة للشكوك.
2 ـ أن
أمريكا قد تقدم على مغامرات جديدة في المنطقة
تضر بمصالح تركيا المباشرة. وعلى سبيل
المثال،
فإن أي تهديد أمريكي لإيران أو سوريا أو
كليهما سيكون له أضراره الخطيرة على المصالح
الوطنية التركية.
3 ـ أن
العلاقات الأمريكية ـ التركية تعرضت لهزة
عميقة،
لرفض البرلمان التركي السماح بنشر الآلاف من
الجنود الأمريكيين في تركيا عشية الحرب ضد
العراق لفتح ما كانت تسميه واشنطن بـالجبهة
الشمالية،
الأمر الذي أثر سلبيا على التقييم الأمريكي
للدور التركي.
وبدافع
هذه الرؤية،
تحركت أنقرة للعمل على مسارين: الأول هو
الحفاظ على علاقاتها مع أمريكا والنهوض بها،
وفق ضوابط لحدود الاستقلال والتبعية،
بمعيار المصالح الوطنية التركية. والمسار
الثاني هو تطوير منظومة جديدة من العلاقات
الإقليمية،
وبالذات مع سوريا وإيران بخصوص الأزمة
العراقية،
ومع مصر والسعودية وسوريا بخصوص الصراع
العربي ـ الإسرائيلي.
هذا
النموذج السوري ـ التركي لإدارة العلاقات
الثنائية والإقليمية بين بلدين بينهما
خلافات،
يلقي بظلاله على مستقبل العلاقات المصرية ـ
الإيرانية. خصوصا أن الكثير من أسباب تعثر
العلاقات أخذ وزنه النسبي في التراجع.
فعلى ما
يبدو،
هناك تحريك إيجابي للملف الأمني بين مصر
وإيران،
ومن المأمول أن تتزايد صفحاته. كما أن هناك
إدراكا إيرانيا للوزن الحقيقي الذي يمثله ملف
كامب ديفيد في السياسة المصرية الآن،
في وقت تلعب فيه مصر الدور الأساسي البارز في
دعم نضالات الشعب الفلسطيني. وهناك إدراك
إيراني لسوء تقدير وزن تأثير العلاقات
المصرية الأمريكية على القرار المصري نحو
إيران.
الأهم
من ذلك،
أن إيران تدرك الآن أن توقيع دولة عربية على
اتفاقية سلام مع إسرائيل
لم يكن
عائقا أمام طهران لتطوير علاقاتها مع تلك
الدولة العربية
(الأردن مثلا). كما أنها
تقيم علاقات قوية مع دمشق،
دون أن يضعف منها رغبة الأخيرة في استئناف
المفاوضات مع إسرائيل. ومعروف أن لإيران
علاقات مميزة مع دول خليجية،
إضافة إلى اتفاقيات أمنية ودفاعية،
في الوقت الذي تحتفظ فيه هذه الدول باتفاقيات
أمنية ودفاعية مع الولايات المتحدة.
ولهذا
أعتقد أن العلاقات المصرية ـ الإيرانية مرشحة
لأن تشهد تطورا ثنائيا ملحوظا. ومن غير
المستبعد أن تكون في حينه حافزا لشبكة جديدة
من التفاعلات والعلاقات الإقليمية تتسع
لسوريا وتركيا،
لتكون قاطرة تقود التعاون الإقليمي،
وتواجه التحديات والتهديدات في المنطقة،
وتحول دون بروز استقطاب مناهض تريده الولايات
المتحدة وتسعي إليه إسرائيل،
من خلال إيجاد تحالف يضم العراق الجديد
وتركيا مع إسرائيل،
كقاعدة للتمركز الأمريكي لبناء شرق أوسط جديد.
ومن
مؤشرات ذلك:
1 ـ
التهديدات الأمريكية والإسرائيلية لسوريا
وإيران.
2 ـ
السيطرة الأمريكية على العراق،
والتغلغل الإسرائيلي الاستخباراتي والسياسي
والاقتصادي في العراق.
3 ـ
مخاطر التقسيم التي تهدد العراق بتفهم
الأمريكيين لدعوة الأكراد للفيدرالية
العرقية،
في ظل نوايا أمريكية مؤكدة لإطالة أمد وجودها
العسكري ونفوذها السياسي بالعراق.
4 ـ
تنامي المساعي الإسرائيلية المدعومة أمريكيا
للتغلغل في كثير من دول المنطقة،
في إطار ما تناولته المعلومات عن محادثات
سرية مع عدد من دول المنطقة. فضلا عن
تطورات جارية بشأن جنوب السودان من جهة،
وأخرى
تثير القلق عند مناطق منابع النيل والقرن الأفريقي.
5 ـ
تهديدات فرض حل إسرائيلي من جانب واحد على
حساب حقوق ومصالح شعب فلسطين،
فضلا عن مواصلة ارتكاب مجازر بشعة ضد
الفلسطينيين لتهجيرهم واستجلاب مهاجرين يهود
جدد.
كل هذه
التطورات الخطيرة تحمل دول المنطقة،
خاصة مصر وإيران،
مسئولية ضخمة لضرورة الإقدام على خطوة
تاريخية لا تؤسس فقط لعهد من التعاون الثنائي،
بل ولوضع ركائز جديدة لعلاقات تعاون إقليمي
يمكن أن تكون بدايته جذب التعاون السوري ـ
التركي الجديد إليه. وليس سرا أن إيران
كانت حريصة على التنسيق الكامل مع سوريا حول
زيارة الرئيس بشار الأسد إلى تركيا،
وبالذات حول قضايا العراق وفلسطين وأسلحة
الدمار الشامل الإسرائيلية. وهي القضايا
الثلاث المرشحة لأن تكون محور اهتمام تلك
الشبكة الجديدة المأمولة
للعلاقات الإقليمية،
في وقت تتنامى
فيه المطالب التركية والإيرانية للحصول على
عضوية مراقب في جامعة الدول العربية لتحقيق
المزيد من علاقات التعاون.
وهو تطور جديد،
خاصة بالنسبة لإيران التي ظلت لسنوات طويلة
عازفة عن المشاركة في علاقات تعاون جماعي مع
العرب،
سواء ضمن إطار الجامعة العربية،
أو غيرها من منظمات التعاون العربية.
اقرأ
أيضًا:
*
نقلا عن جريدة الأهرام المصرية بتاريخ 28/1/2004 **
رئيس وحدة الدراسات الخليجية ووحدة دراسات الثورة المصرية، ورئيس تحرير مجلة مختارات إيرانية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام- مصر.
|