|
انقلاب السودان.. هل هو رسالة لأمريكا؟
|
|
القاهرة- محمد جمال عرفة**
|
30/03/2004
|
 |
|
الدكتور حسن الترابي |
رغم
ما أعلنته وكالات الأنباء، نقلا عن "مصدر
سوداني مسئول"، عن وأد انقلاب عسكري
في السودان الإثنين 29 مارس 2004 واعتقال
ما بين 10 إلى 12 ضابطا سودانيا، وإعلان
حزب الدكتور حسن الترابي المعارض (المؤتمر
الشعبي الوطني) أن 5 من كبار أعضاء حزبه
جرى اعتقالهم على خلفية "محاولة
الانقلاب"، فإن الخرطوم لم تعلن
رسميا عن هذا النبأ ولم يصدر أي بيان
رسمي يؤكد هذه المحاولة.
ووفقا
لما صرح به مصدر دبلوماسي سوداني لـ"إسلام
أون لاين.نت"، فلم تكن هذه المحاولة
مكتملة ولكنها كانت في مهدها وفي بداية
التخطيط لها ولم ترق لعملية عسكرية في
طور التنفيذ، ولهذا لم يتم الإعلان
عنها رسميا في الخرطوم؛ لأن محاولات من
هذا القبيل تحدث في الكثير من دول
العالم دون الإعلان عنها لعدم
ارتقائها إلى طور التنفيذ والفعل.
ويعني
ذلك، بحسب المصدر نفسه، أن ما حدث لم
يكن انقلابا حقيقيا بقدر ما هو رصد
للقاءات بين ضباط سودانيين معارضين
أغلبهم من إقليم غرب دارفور الذي تشتعل
فيه مواجهات بين الحكومة ومعارضين
يطالبون باهتمام الخرطوم بتنمية
وتطوير هذا الإقليم الذي يعاني من حالة
فقر مدقع، وأن المسألة التي تتعلق برصد
نوع من التعاطف من جانب بعض العسكريين
المحسوبين على إقليم غرب دارفور جرى
الاهتمام بها بشكل أكبر؛ لأن 5 من
المتهمين بالسعي لتدبير محاولة انقلاب
هم من الطيارين السودانيين الذين سبق
أن اتهمت منظمات إغاثة دولية ومبعوث
الأمم المتحدة للشئون الإنسانية
طائراتهم بالتسبب في حالات قتل ودمار
لمناطق في غرب دارفور.
تساؤلات
عديدة
وهنا
يثور التساؤل: لماذا سربت الخرطوم
أنباء مثل هذه المحاولة الانقلابية
البسيطة إلى وكالات الأنباء العالمية
ولم تعلن عنها رسميا؟ ولماذا جرى
اعتقال أعضاء في حزب الدكتور الترابي
لاستجوابهم بشأن هذه المحاولة، وهل
لذلك علاقة باتهامات سابقة من الحكومة
لحزب الترابي بالوقوف وراء تمرد
دارفور؟ ولماذا لم يتم اعتقال الترابي
نفسه إذا كان حزبه متورطا في انقلاب -إذا
صحت الاتهامات- رغم أنه سبق اعتقاله من
قبل لفترة طويلة لمجرد الاشتباه في
وقوف حزبه وراء تمرد دارفور؟!
من
أجل تخفيف الضغوط؟
 |
|
سودانيات يعانين من أوضاع إنسانية صعبة في منطقة دارفور - أ ف ب |
ويبدو
أن هدف الخرطوم من تسريب هذا النبأ
الآن هو إرسال رسالة واضحة للإدارة
الأمريكية تطالبها ضمنا بتخفيف ضغوطها
على الخرطوم من أجل التعجيل بإبرام
اتفاق سلام مع متمردي الجنوب بأي شكل
دون النظر لمخاطر الاستقرار في
السودان ورغبة الحكومة في الالتفات
إلى ملفات أخرى حساسة وخطيرة مثل الوضع
المتوتر في غرب دارفور.
ورغم
نفي مسئول دبلوماسي سوداني هذا الربط
بين محاولة الانقلاب ومفاوضات السلام
بين الخرطوم والجنوبيين في نيفاشا
بكينيا، فإن هناك مؤشرات على أن إعلان
محاولة الانقلاب -بصرف النظر عن
حقيقتها- ربما يكون ورقة سودانية
لمطالبة واشنطن بتخفيف ضغطها الشديد
على الخرطوم لإنجاز أي اتفاق مع حركة
التمرد بقيادة جون جارانج وتقديم
المزيد من التنازلات على النحو التالي:
1-
من المفترض في حالة عدم التوصل إلى
اتفاق سلام في الجنوب قبل 20 إبريل
القادم 2004 (موعد نظر الكونجرس في
العقوبات على الخرطوم والمعروفة باسم
قانون السلام) أن تبدأ واشنطن في فرض
عقوبات على الخرطوم، وهناك مخاوف
سودانية من تطبيق عقوبات في ظل استمرار
عدم تحقيق تقدم في نيفاشا.
2-
أبلغ مصدر دبلوماسي مسئول "إسلام
أون لاين.نت" أن مفاوضات نيفاشا
توقفت -نتيجة خلافات عميقة بين الطرفين-
عن بحث حلول لمشكلة (آبيي) إحدى المناطق
الثلاث المهمشة هذا الأسبوع، وانتقلت
إلى التركيز على حل المشاكل الأخرى
المتعلقة بتقسيم السلطة؛ وهو ما يعني
صعوبة التوصل لحل قبل 20 إبريل القادم.
3-
قال موكيش كابيلا مسئول الأمم المتحدة
في السودان: "إن القتال في دارفور
يعيد للأذهان مذابح رواندا"، وتحدث
عن ميليشيات عربية موالية لحكومة
السودان في منطقة دارفور بغرب السودان
تقوم بما أسماه "عمليات قتل منظمة
للقرويين الأفارقة"، ثم عاد
للمطالبة بتدخل الأمم المتحدة؛ وهو ما
قد يفتح الباب أمام تدخل دولي في
السودان، والإعلان عن محاولة الانقلاب
يردع نسبيا هذه التدخلات الدولية
ويصورها على أنها تشجيع للانقلابات
وعدم الاستقرار في وقت تسعى فيه
الخرطوم للسلام.
4-
بدأت الثلاثاء 30 مارس 2004 مفاوضات بين
حكومة الخرطوم وحركات التمرد في غرب
دارفور في تشاد، برعاية الرئيس
التشادي إدريس ديبي وحضور وفود من
الدول الأوربية والاتحاد الأفريقي
لتسهيل الحوار والعمل على تقريب وجهات
النظر وصولا لإنجاح المفاوضات، ومن
شأن الإعلان عن الانقلاب أن يزيد
الضغوط على المتمردين المتشددين في
مطالبهم ويدفع لإنجاح المفاوضات.
5-
الإعلان عن تورط حزب الترابي (رغم نفي
الترابي بنفسه ذلك) دفع البعض لتوقع
مواجهة أوسع مع الترابي، ولكن المصادر
السودانية نفت إمكانية اعتقال
الترابي، ولا تتوقع ذلك تأسيسا على أن
الشد والجذب بين حزبي البشير والترابي
مستمر منذ 5 أعوام وأن الظروف الداخلية
لا تساعد على مزيد من التوتر والتصارع
في حالة إعادة اعتقال الترابي.
6-
تردد أن مصادر في الصحافة المحلية قالت
إن سلطات الأمن أبلغتهم بعدم نشر أي
شيء عن مسألة الانقلاب، في حين نقلت
وكالات رويتر والفرنسية أنباء
الانقلاب نقلا عن "مسئول عسكري
سوداني رفيع" وهو ما يشير إلى أن
هناك رغبة في وصول رسالة للخارج لا
الداخل بشأن محاولة الانقلاب هذه.. أي
رسالة لأمريكا.
**
محلل الشئون السياسية بموقع إسلام أون لاين.نت
|