|
وعد "بوشفور".. تحد للقادة العرب
|
|
محمد جمال عرفة
**
|
15/04/2004
|
|

|
|
بوش
وشارون
|
مرة
أخرى.. أعطى من لا يملك لمن لا يستحق،
وتصرف الرئيس الأمريكي جورج بوش في أرض
فلسطين كأنها أرض أجداده مستندا لقوة
بلاده كقوى عظمى وحيدة، وجاءت "الرسائل
الرئاسية" المتبادلة بينه وبين رئيس
الوزراء الإسرائيلي شارون بشأن
التعهدات لضمان أمن إسرائيل صورة طبق
الأصل مما نشرته الصحف الإسرائيلية
قبل القمة بثلاثة أيام؛ ما يعني الرضوخ
التام للمطالب الإسرائيلية.
مرة
ثانية، وبعد مرور 87 عاما على "وعد
بلفور" المشئوم جاءنا "وعد
بوش" ليغطي على سرقة ما تبقى من أرض
فلسطين ويعطي شارون الحق ليس في ابتلاع
أراض معترف دوليا بأنها "محتلة"
بما في ذلك الأمريكان، ولكن يعطيه أيضا
الحق في طرد فلسطينيي 48 من أراضيهم
حفاظا على "الدولة اليهودية"
الخالصة.
والفارق
بين الوعدين هو الفارق بين جيلين
عربيين، وقوتين عظميين في الرمق
الأخير من أفول إمبراطوريتهما، وبزوغ
مقاومة مسلحة شعبية عنيفة تعوض غياب
النظام الرسمي العربي الضائع في
الحالتين.
والعجيب
أن يأتي "وعد بوش" لشارون قبل أن
يغادر الرئيس المصري حسني مبارك
الأراضي الأمريكية بشكل مثّل إحراجا
لأكبر شريك للسلام في المنطقة
العربية، والأعجب أن يأتي خالصا وفق ما
تمناه شارون بالضبط وأكثر، حيث كان
الصهاينة يطالبون بصياغة واضحة لا
تحتمل التأويل لخطاب الضمانات
الأمريكي (وعد بوش)، وكان الأمريكيون
يقولون إن الخطاب سيكون عاما ويشمل
ضمنا المطالب الإسرائيلية.
وقد
بلغ الأمر بالإسرائيليين أنفسهم أنهم
لم يصدقوا ما أعطاه بوش لهم؛ حتى إن
صحيفة يديعوت أحرونوت كتبت يوم 15 إبريل
2004 تقول: "إن أوساطا مقربة من شارون
ترى في هذه الصياغة إنجازًا
دراماتيكيًا، وتقول إنه لم يحدث أن
وافق رئيس أمريكي على هذه الصياغة قبل
مداولات حول التسوية النهائية".
فقد
كانوا يتوقعون صياغة تتحدث عن تأكيد
واشنطن "أنها ستأخذ بعين الاعتبار
الواقع الديموغرافي الحالي للدولة
العبرية"؛ ما يعني أن الإدارة
الأمريكية لا ترى في حدود العام 1967 "حدودًا
مقدسة" كما يطالب شارون بذلك، ولكن
بوش اعترف علنا بحق الكتل الاستيطانية
الكبيرة الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وقال
بوضوح إن التسوية النهائية لن تتضمن
انسحابا إسرائيليا إلى خطوط الهدنة
للعام 1949، وستأخذ بالحسبان الوضع
القائم على الأرض، والتغييرات
الديمغرافية والاحتياجات الأمنية
لإسرائيل.
وفيما
يتعلق بحق العودة للاجئين
الفلسطينيين، كانوا يتوقعون صيغة
تتحدث عن حماية أمن "الدول اليهودية"؛
ما يعني عدم عودة اللاجئين
الفلسطينيين لأراضيهم المحتلة عام 1948،
ولكن بوش وعدهم بمنع عودة اللاجئين
الفلسطينيين نهائيا وتخطى كل قرارات
الأمم المتحدة السابقة بالقول: "يمكن
للاجئين الفلسطينيين العودة إلى داخل
الدولة الفلسطينية"؛ وهو ما اعتبره
مقربون من شارون "إنجازا إضافيا"
أيضًا؛ لأن المعنى غير المباشر
والمتوقع هو أن اللاجئين الفلسطينيين
لن يتمكنوا من العودة إلى داخل الخط
الأخضر.
ومعنى
هذه الصياغة هو أن كل ما جرى بحثه سابقا
أو جرى الحديث عن تأجيله لمفاوضات
الوضع النهائي أصبح من الماضي ومات،
حيث تضع هذه الصياغة حدًا لجميع صيغ
التسوية، على اختلاف أنواعها، والتي
تحدثت عن عودة رمزية للاجئين
فلسطينيين إلى داخل الخط الأخضر،
ومنها خطة رئيس الحكومة السابق، إيهود
باراك التي نصت على عودة ما يقارب الـ100
ألف لاجئ" ورفضها الفلسطينيون.
تداعيات
وعد بوش
وسوف
يترتب على وعد بوش أمور مهمة منها أن:
1-
الوعد ألغى عمليا اتفاقية خريطة
الطريق؛ لأنه قدم قسما من أرض هذه
الدولة الفلسطينية المنتظرة على طبق
من ذهب للدولة العبرية، واستبق أي
مفاوضات في هذا الصدد، وألغى بذلك
إمكانية إعلان دولة فلسطينية تقوم
عليها الخريطة.
2-
الوعد ألغى العديد من قرارات الأمم
المتحدة المتعلقة بحق اللاجئين في
العودة، ومنع الاستيطان، بل ألغى
سياسة أمريكية سابقة محددة وثابتة منذ
عام 1948 تقضي بعدم الاعتراف ببناء
مستوطنات في الأراضي المحتلة عام 1967،
وهي سياسة لم يجرؤ أكثر رؤساء أمريكا
تطرفا وتبعية للوبي الصهيوني أن
يغيرها.
3-
الوعد ألغى نتائج العديد من مفاوضات
السلام والاتفاقيات مثل أوسلو وطابا
وكامب ديفيد فيما يتعلق بتأجيل مناقشة
قضايا الحدود والأمن والمستوطنات
والقدس إلى المفاوضات النهائية، وقضى
بأمر واقع جديد؛ ما يعني أن تغييره لن
يكون إلا بالقوة.
4-
الوعد يلغي عمليا أي معنى لسعي الدول
العربية في قمتها المقبلة لطرح (خطة
السلام العربية) ويجعل طرحها أمرا غير
ذي معنى وربما يفجر القمة نفسها مرة
أخرى بين معارضي طرح المبادرة
والتركيز على دعم المقاومة ومؤيديها.
5-
بوش لم يقل فقط إنه لم يعد هناك التزام
بحدود 67 وإنها غير مقدسة، ولكنه تحدث
عن صعوبة العودة إلى خطوط الهدنة عام
1949 وهي مناورة ذكية وخبيثة؛ لأنه بذلك
يوجه رسالة أخرى لسوريا أن إسرائيل لن
تنسحب من كل الجولان المحتل كما تطالب
سوريا، وأن أمريكا تقر بحق إسرائيل في
استمرار احتلال جزء من الجولان وهو أمر
لم يحلم به الصهاينة.
6-
صادر بوش على موقف روسيا والاتحاد
الأوربي وذكرهما في معرض حديثه كأنهما
يوافقان على هذا الوعد وأنه ليس وعدا
أمريكا خالصا، رغم أن الاتحاد الأوربي
أصدر بيانا يطالب فيه بعدم إحداث أي
تغيير من جانب واحد في الحدود، فيما
انتقدت الأمم المتحدة بشدة تفاهمات
بوش - شارون.
ولا
يعني هذا أن وعد بوش لشارون مقدس أو أنه
سيترتب عليه حقوق قانونية، فعلى حد قول
وزير شؤون المفاوضات في السلطة
الفلسطينية صائب عريقات: الرئيس
الأمريكي "يستطيع إلغاء شهر رمضان،
ولكن ذلك لا يعني أن المسلمين سيتوقفون
عن الصيام!!".
ولكنه
(الوعد) سيكون فرصة لبوش لضمان حشد مالي
وبشري لصالحه في الانتخابات الأمريكية
المقبلة التي قد يفقدها بسبب المقاومة
العراقية المتصاعدة وثبوت كذب إدارته،
كما أنه فرصة لشارون أمام معارضيه
وللتغطية على فضائحه المالية، خاصة أن
معارضيه يقولون إنها مجرد "تعهدات
فارغة" بدون مضمون، وأن الاعتراف
الأمريكي بالكتل الاستيطانية سبق أن
أعطيَ في فترة الرئيس الأمريكي السابق
بيل كلينتون في كامب ديفيد في فترة
حكومة باراك، حيث تم الاعتراف في حينه
بأنه لن تكون هناك عودة إلى حدود العام
1967.
ولكن
أهمية الوعد تنبع من أن وراءه قوة عظمى
غاشمة تحميه، كما أن شارون سيتحرك
بموجبه لتنفيذ مخططه لحصار
الفلسطينيين وتأمين الكيان
الإسرائيلي.
الفارق
بين "بوش" و"بلفور"
بعد
اتفاقية سايكس
بيكو عام 1916م التي قسمت البلاد
العربية والإسلامية عمدت بريطانيا إلى
بسط نفوذها على جزء مهم من هذه البلاد،
وسعت في نفس الوقت إلى تلبية رغبة
حاييم وايزمن والصهيونية العالمية
بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين التي
اتخذت شكل "تصريح" عرف باسم "وعد
بلفور".
وفي
الثاني من نوفمبر من عام 1917 وجه وزير
خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور إلى
اللورد روتشيلد كتابا هذا نصه:
"وزارة
الخارجية- 2 من نوفمبر 1917م
عزيزي
اللورد "روتشلد": يسرني جدًّا أن
أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب
الجلالة التصريح التالي الذي ينطوي
على العطف على أماني اليهود
والصهيونية، وقد عرض على الوزارة
وأقرّته:
إن
حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف
إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في
فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل
تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهومًا
بشكل واضح أنه لن يؤتي بعمل من شأنه أن
ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي
تتمتع بها الطوائف غير اليهودية
المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو
الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في
البلدان الأخرى.
وسأكون
ممتنًا إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات
الصهيونية علمًا بهذا التصريح".
المخلص
/ آرثر بلفور
وقد
اتخذت الحركة الصهيونية العالمية من
هذا الكتاب مستندا قانونيا يدعمون به
مطالبهم في سبيل إقامة إسرائيل، كما
ينوي شارون اتخاذ وعد بوش مستندا
قانونيا يستولي بموجبه على أرض فلسطين
رسميا، ولكن ما بين وعدي بلفور وبوش
هناك قواعد قانونية دولية لا تعرف بهما
ولا تعترف بأي قيمة قانونية لهما على
النحو التالي:
أولاً:
التصريح الذي أدلى به بلفور ليس معاهدة
ولا يمكن أن يكون له أي قيمة قانونية في
منح أرض ليس لبريطانيا أي صلة بها،
ووعد أو "تفاهم" بوش وشارون ليس
معاهدة دولية بدوره وليس لأمريكا حق
ملكية في فلسطين حتى تعطي منها
لإسرائيل ما تشاء.
ثانيًا:
وفقا لقانونيين، فقد احتلت القوات
البريطانية الأراضي الفلسطينية بشكل
تدريجي فاحتلت غزة في 7 تشرين الثاني
عام 1917، ثم احتلت يافا في السادس عشر من
تشرين الثاني من نفس العام، واحتلت
القدس في التاسع من كانون أول من نفس
العام أيضا، وحتى ذلك الوقت كانت
فلسطين جزءا من ولايتي طرابلس وبيروت
في الدولة العثمانية التي رفضت تصريح
وعد بلفور ولم تعترف بحق اليهود في
فلسطين ولم يرض سكان فلسطين العرب بهذا
التصريح وقاوموا مطالب الصهيونية.
أما
في الوقت الراهن فهناك سلطة فلسطينية -وفق
اتفاقات وقعت عليها أمريكا كشاهد
وضامن- وهي صاحبة الحق في هذه الأرض
ويعود لها الحق في التفاوض بشأنها وليس
أمريكا؛ ما يعني أن وعدي بلفور وبوش
باطلان من وجهة نظر القانون الدولي
وبالتالي ليسا ملزمين.
ثالثًا:
وعد بلفور باطل لعدم شرعية موضوعه؛ حيث
إن الهدف من هذا الوعد هو التعاقد مع
الصهيونية لطرد شعب فلسطين من دياره
وإعطائها إلى غرباء، ومن أسس التعاقد
الدولي (مشروعية) موضوع التعاقد، بمعنى
أن يكون موضوع الاتفاق بين الطرفين
جائزا وتقره مبادئ الأخلاق ويبيحه
القانون، وكل تعاقد يتعارض مع أحد هذه
الشروط يعتبر في حكم الملغي ولا يمكن
أن يلزم أطرافه، وهو ذات الأساس
القانوني الذي يمكن وفقا له تصنيف وعد
بوش الذي يعطي أراضي الفلسطينيين
للصهاينة.
وربما
لهذا انتقد الأمين العام للأمم
المتحدة، كوفي عنان، الرئيس الأمريكي
لتجاهله رغبات الفلسطينيين باعترافه
الضمني بدعوى إسرائيل في حقها في بعض
المستوطنات في الضفة الغربية. وقال
متحدث باسم عنان إن التحول في السياسة
الأمريكية يبدو أنه يرمي إلى تفادي
المفاوضات بين الإسرائيليين
والفلسطينيين، الضرورية لأي تسوية
سلام نهائية.
الرد
على وعد بوش بالمقاومة
إذا
كان بوش حسم بوعده -بالقوة- قضايا عالقة
بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي،
فمن الطبيعي أن يعزز هذا الخيار بذلك
وجهة نظر المقاومة الفلسطينية في
تعزيز المقاومة واسترداد هذه الأرض
بالقوة أيضا.
وقد
أصدرت منظمات المقاومة الفلسطينية
بيانات تشير إلى هذا الخيار، وقال خالد
مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس: إن
بيان بوش في هذا الشأن ينبئ بنهاية "الأوهام
بأنه يمكن أن تكون هناك تسوية سياسية
برعاية الولايات المتحدة" بين الدول
اليهودية والفلسطينيين.
وقال
مشعل: "هذا الموقف يبرهن على أن
المقاومة هي السبيل الوحيد"، مؤكدا
أنه (بوش) أطلق رصاصة قاتلة على خريطة
الطريق وعلى أي خطة تسوية أخرى تندرج
تحت أي مسمى آخر".
كذلك
دعا محمد مهدي عاكف المرشد العام
لجماعة الإخوان المسلمين لتصعيد
المقاومة في الأراضي المحتلة ردا على
وعد بوش، وقال عاكف -في تصريحات له 15
إبريل 2004 ردا على لقاء بوش وشارون- إن
موقف بوش هذا هو استمرار لدعمه للقوة
الصهيونية الباغية، متسائلا: "من
الذي أعطى بوش الحق في أن يفرض على
الشعب الفلسطيني والعربي والإسلامي
واقعا مرفوضا في الأساس؟!".
ودعا
عاكف الأمة العربية والإسلامية
لمقاومة العدوان الصهيوني – الأمريكي
على الأمة الإسلامية "بكافة السبل
المتاحة بدءا من المقاطعة ووصولا إلى
المقاومة المسلحة في أراضينا المحتلة
حتى يعود الحق إلى أصحابه".
أيضا
وضع (وعد بوش) القادة العرب في حرج
شديد، ولن يكون أمامهم بدورهم سوى
تعزيز المقاومة وعلى أضعف الإيمان وقف
الحديث عن تسويات سياسية عادلة، ولهذا
أيضا قال مشعل: "هذا منعطف خطير وحرج
ويتطلب من المسلمين والعرب
والفلسطينيين أن يردوا بموقف مشترك
بطي صفحة التسوية (السياسية) ودعم خيار
المقاومة"، وحث الزعماء العرب على
التخلي عن الدعوات من أجل السلام مع
إسرائيل حينما يعقدون اجتماع قمة في
مايو المقبل في تونس.
اقرأ
أيضًا:
**
محلل
الشؤون السياسية بإسلام أون لاين. نت
|