|
رفض خطة شارون.. التطرف يخدم الفلسطينيين
|
|
محمد
جمال عرفة
|
03/05/2004
|
|

|
|
شارون
منكس الرأس بعد نتيجة التصويت
|
في
ظل العجز العربي عن التأثير في مجريات
الأحداث وما يجري على أرض فلسطين
المحتلة، أصبح لزاما على العرب أن
ينتظروا "الفعل" الإسرائيلي
والأمريكي ونتائج الجدل والخطط داخل
إدارتي جورج بوش وإريل شارون حول ما
يعطونه للفلسطينيين من أرضهم المسروقة!
ومن
حسن حظ الفلسطينيين والعرب أن
الصهاينة ليسوا متوحدين أو على قلب رجل
واحد، ولكنهم كما يقول القرآن الكريم: {بأسهم
بينهم شديد * تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى}.
وما
حدث في تصويت حزب الليكود بشأن خطة
شارون للانفصال (الانسحاب من غزة) أبرز
مثال على هذا؛ فالصراع بين أجنحة
الحركات الصهيونية والأحزاب
الإسرائيلية محتدم وطاحن حول حجم ما
يود كل طرف قضمه من كعكة فلسطين!
ولا
شك أن تصويت 59.5% من أعضاء حزب الليكود
الأحد 2 مايو 2004 ضد خطة شارون للانسحاب
من غزة مقابل موافقة 39.7% يعكس هذه
الحقيقة وعدة حقائق أخرى، وسيترتب
عليه الكثير من الأمور.. وإن كان رفض
الخطة يعني رفض متطرفي الليكود هدية
بوش (وعد بوشفور) الذي أعطى
للإسرائيليين ما لم يحلموا به منذ نشأة
الدولة العبرية من حق مزعوم في البقاء
على أراض مغتصبة، ومصادرة لحق
اللاجئين الفلسطينيين في العودة
لأرضهم.
والغريب
أن يأتي الرفض من غلاة متطرفي الليكود
الذين دخلوا في صدام مع حكومة شارون
لرفض تهجير بضعة مئات من مستوطني 21
مستوطنة في غزة، مقابل الإبقاء على
الآلاف في 120 مستوطنة تنتشر في الضفة
الغربية؛ مما يضع مستقبل شارون نفسه
على المحك ومعه بوش الذي فشل في
العراق، فأراد التركيز على أي إنجاز في
السودان ففشل أيضا، ثم اتجه أخيرا
وألقى بثقله وراء شارون وخطته للإيحاء
بأن هناك تقدما في سلام الشرق الأوسط
ففشل كذلك مرة ثالثة، ولم تعد لديه
أوراق ربح خارجية أو داخلية في
انتخابات الرئاسة المقبلة في نوفمبر
2004.
صحيح
أن شارون سبق أن علق مستقبله السياسي
على قبول أعضاء الليكود للخطة، وهدد
مساعدوه بأنه سيستقيل لو رُفضت الخطة،
ولكنه عاد للتلويح باللجوء إلى كل
الشعب اليهودي وليس الليكود فقط، وقال
في مقابلة أجرتها معه القناة الثانية
الإسرائيلية في الأول من مايو 2004: إنه
في حال عدم المصادقة على خطة الانفصال
الإسرائيلي عن قطاع غزة وعدة مواقع
استيطانية في الضفة الغربية ستضطر
إسرائيل إلى إجراء انتخابات، ولا حاجة
بذلك بتاتـًا -على حد قوله- للاستقالة.
وهو ما وصفه أنصاره بالقول: "إذا
أغلق الباب في وجه شارون في الاستفتاء
فسيجد شباكـًا يمكنه تمرير الخطة عبره!".
وبشكل
عام يمكن رصد أهم تداعيات، وما سيترتب
على رفض الليكود خطة شارون على النحو
التالي:
1-
رفض خطة الانسحاب من غزة معناه العودة
إلى المربع الأول، وبقاء أوضاع
الأراضي المحتلة دون حسم؛ سواء
بالمفاوضات أو القوة، ومعناه أن
متطرفي الليكود من غلاة اليمينيين
خدموا الفلسطينيين برفض خطة تقتطع
قرابة 44% من أراضي الضفة وتعطيها
للصهاينة.
2-
رفض الخطة معناه رفض المنح والهدايا
التي أجزلها الرئيس الأمريكي بوش
لشارون في وعده الذي أعطاه إياه (وعد
بوشفور)، وبالتالي يعتبر التصويت
هزيمة للرئيس الأمريكي بوش قبل
التصويت على رئيس الوزراء الإسرائيلي
شارون؛ وهو ما حاول شارون أن يبلغه
للإسرائيليين صراحة قبل التصويت عندما
قال: "رفض الخطة سيضر علاقة إسرائيل
بأمريكا.. أنا لا أريد أن أفكر ماذا
سيحدث للاقتصاد، وللبورصة.. سيكون هذا
نصرا لعرفات وحماس، وسيؤدي إلى سقوط
الليكود.. سيؤدي هذا إلى مس خطير بمكانة
الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي يعد من
أعظم أصدقاء إسرائيل".
3-
رفض الخطة سيكون له تداعيات خطيرة أخرى
على مستوى حزب الليكود في ظل التنافس
والصراع والبأس الشديد بين أجنحته؛ إذ
إنه يعني إهانة شديدة لشارون وتكبيلا
ليده وانتصارا لجناح صقور الحزب (جماعة
نتنياهو ولندو)، وقد يتبعه استقالة
قرابة 10 وزراء لا يوافقون على الخطة من
أصل 23 وزيرا، وحشد نصف أعضاء الكنيست
لحرب تصويت أخرى قد يلجأ إليها شارون
لإنقاذ ماء الوجه وتمرير الخطة رغم أنف
الليكود.
4-
رفض الخطة صفعة للرئيس الأمريكي بوش،
ورفض لوعده شارون، جاء من غلاة متطرفي
الليكود وليس من الفلسطينيين فقط رغم
اختلاف الأهداف، ومعناه إحراج بوش،
وجعل مسألة بت الكونجرس الأمريكي في
مسألة المصادقة على ضمانات بوش
المالية لمساندة خطة شارون غير ذات
مغزى ومن ثم تأجيلها.
5-
رفض الخطة معناه أن اليمين المتطرف هو
الذي يمسك بزمام الأمور في إسرائيل،
وهو الذي يعرقل أي اتفاقية أو مبادرة
سياسية، وأن الليكود لا يرضى فقط بما
أعطاه بوش لهم -في وعده- من قرابة 44% من
أرض الضفة، وأنهم رغم القناعة بصعوبة
السيطرة على غزة يعتبرونها جزءا من أرض
الدولة العبرية، كما يعتبرون شمال
وجنوب الضفة الغربية جزءا من دولتهم
ويسمونها يهودا والسامرا، ويشجعهم على
ذلك حالة الضعف الرسمي العربي والعجز
إزاء ما يجري من سرقات لأرض فلسطين
بالقوة.
6-
سيكون على شارون في حالة الرغبة في
تنفيذ خطته بأي شكل أن يتجاهل موقف
الليكود واللجوء إلى تصويت الحكومة
على الخطة أو الاستفتاء العام، ولكنه
في هذه الحالة سيفقد شرعيته في الحزب
ومساندته له؛ وهو ما يعني تصويت أعضاء
الليكود ضده في أي انتخابات مقبلة رغم
أنه رئيس الحزب، وسواء قبل هذا الخيار
أو استقال لأنه يرفض تكبيل يده -كما قال-
فمستقبله السياسي مهدد، وأيامه في
السلطة باتت معدودة.
والغريب
في الأمر أن يأتي النصر أو الخير للعرب
والفلسطينيين على أيدي الأعداء، وأن
يعتبر بعض عقلاء اليهود كثرة المكاسب
التي حصلوا عليها (اغتيال قيادات ووعد
بوش والجدار العازل وعزل غزة) خطرا
عليهم، ويطالبوا بتقليل حجم سرقة
الأراضي الفلسطينية لتخفيف الغضب
العربي!
فأعضاء
الليكود خدموا الفلسطينيين عمليا
عندما رفضوا خطة شارون، حتى إن القيادة
الفلسطينية علقت على رفض خطة شارون
للفصل باعتبار ما حدث فرصة للعودة إلى
طاولة المفاوضات، وفرصة أيضا لبوش
للرجوع عن الوعد الذي قطعه لشارون.. كما
أن عددا من أكثر من 80 شخصية يهودية من
سكان القدس قدموا مذكرة للحكومة
الإسرائيلية لتعديل مسار الجدار
العازل هناك، والتقليل من مساحة الأرض
المسروقة من الفلسطينيين لتجنب مزيد
من غضبهم على الدولة العبرية،
والإبقاء على باب التعايش بين الطرفين.
ويبقى
بأس اليهود والانقسام بين بعضهم البعض
عامل إغاثة للطرف العربي في بعض
الأحيان، ظهرت مزاياه في عدة مواقف كما
حدث عقب توقيع اتفاقات أوسلو، وظهور ما
يسمى "معسكر السلام الإسرائيلي"،
وكما حدث في الخلافات بين حزبي العمل
والليكود، وبين الليكود والأحزاب
الدينية اليهودية، وأخيرا في صورة رفض
ضباط وجنود إسرائيليين الخدمة في
الضفة الغربية وقتل الفلسطينيين.
|