بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


المسلمون في "الأوربي" الكبير.. فئات لا أقليات

بون – نبيل شبيب **

06/05/2004 

احتفالات التوسعة.. وراءها الكثير من التحديات

تضع التوسعة الأوربية الكبرى في تاريخ الاتحاد الأوربي المسلمين في دوله الأعضاء الخمس والعشرين على ضوء الأحداث الساخنة في المرحلة التاريخية الراهنة في بؤرة الاهتمام، وتدفع إلى التساؤل عن آثار التوسعة على أوضاعهم الراهنة ومستقبلهم، وما يمكن أن يصدر عنهم للتأثير إيجابيا على صناعة الحدث والقرار المتعلق بهم، وبوجودهم على مختلف الأصعدة في المجتمعات الأوربية، أو بتفاعلهم مع صناعة القرار، وبالتالي تأثيرهم على السياسات الأوربية.

ومن الضروري لاستشراف ذلك إلقاء نظرة مبدئية على المعطيات الراهنة وعلى التغييرات المحتملة على صعيدها. ولا تسمح معالجة الموضوع في "مقالة تحليلية مطولة" بأكثر من سرد معلومات يمكن توثيقها في الأصل، ويعتمد كاتب هذه السطور فيها على دراسات ومقالات سابقة، بالإضافة إلى سرد خواطر وأفكار وليدة المعايشة المباشرة لأوضاع المسلمين في أوربا عموما، من خلال العمل الإسلامي والعمل الإعلامي، حيث يقيم في ألمانيا منذ عام 1965.

ويتناول الحديث هذا الموضوع من خلال الفقرات التالية: 

نسيج الوجود الإسلامي في أوربا

ينتشر المسلمون على امتداد القارة الأوربية ما بين القوقاز والمحيط الأطلسي، فلا يكاد يخلو منهم أي بلد أوربي، وتبقى الكتلة البشرية الإسلامية الكبيرة في تركيا خارج نطاق الحديث هنا، رغم أن السؤال القديم بصدد انتماء تركيا إلى القارة الأوربية أم الآسيوية ما زال مطروحا بصورة أو بأخرى من جانب الساسة الأتراك على الأقل. كما لن يتعرض الحديث إلى الكتلة البشرية الإسلامية الكبيرة في دول البلقان، وعلى وجه التحديد في ألبانيا وكوسوفا والبوسنة والهرسك، فليست هذه البلدان مطروحة أصلا على أرضية مزيد من التوسعة الأوربية في المستقبل المنظور أو البعيد، علما بأنه لا يوجد هنا لَبْس بشأن انتمائها إلى أوربا. أما البلدان القليلة الأخرى التي لا يضمها الاتحاد الأوربي بعد توسعته، فَنِسَبُ المسلمين إلى سكانها منخفضة، وهذا ما يسري أيضا على البلدان العشرة التي انضمت إلى الاتحاد مع الأول من آيار/ مايو 2004، ويبرز هنا الوضع الخاص بقبرص التي انضم منها الجزء اليوناني، وبقي الجزء التركي خارج نطاق الاتحاد الأوربي، وحسب المصادر الغربية، يقطنه حوالي خمس السكان، أي زهاء 160 ألف مسلم، وذلك من أصل أقل من 800 ألف نسمة، مجموع سكان الجزيرة.

في إطار الاتحاد الأوربي بحدوده الجديدة، تتأرجح التقديرات عن أعداد المسلمين تأرجحا كبيرا في غياب إحصاءات دقيقة، وأدناها يصل إلى زهاء 15 مليون مسلم من أصل 450 مليون نسمة، بينما يمضي بعضها إلى 25 مليون مسلم وأكثر.

وسيان ما هو الرقم الحقيقي، يبقى من الضروري تأكيد خطأ التعامل مع الوجود الإسلامي البشري في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي من خلال مصطلحات تقليدية معتادة في فترة تاريخية ماضية، مثل "الجاليات" التي يشيع فهمها لوصف مجموعات بشرية وافدة يمكن أن "تجلو" فتغادر مواطنها الأوربية، ولا ينطبق شيء من ذلك على الغالبية العظمى من مسلمي أوربا، لا سيما حيث يرتفع عددهم إلى بضعة ملايين، كما في كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا. وهذا الوصف -مثل وصف أقليات أيضا- يسبب خللا في التعامل مع قضايا المسلمين في أوربا، كما ظهر مثلا بشأن قضية الحجاب في فرنسا، وظهور أصوات في الإعلام العربي تقول: "إذا كانت المسلمات في فرنسا لا يردْن الالتزام بقوانينها فليرحلن عنها!" والجواب: إلى أين، وبأي مبرر، وفرنسا هي وطنهن الأم؟! 

هذا علاوة على أن مصطلح "أقليات" في الدول الأوربية له -على الغالب- مفهوم يرتبط بمضمون سياسي أو عرقي وأحيانا لغوي، ولا يسري ذلك على واقع المسلمين فيها، وهم في حاجة إلى تفاعل عملي مع الفئات الأخرى في المجتمعات الأوربية، وليس إلى "حشر" قضاياهم في نطاق مطالبة أقلية ما بحقوقها، مقابل غالبية ترفض ذلك أو لا تقر به.. إلا إذا "انتُزعت" تلك الحقوق انتزاعا، وليس المطلوب والمفيد توجيه تلك القضايا في هذا الاتجاه.

إن النسبة العظمى من المسلمين في أوربا هي جزء من نسيج المجتمعات الأوربية. وإذا كانت لهم أوضاع ومواصفات ومميزات يختلفون بها عن فئات أخرى من السكان، فهذا ما يسري على تلك الفئات أيضا، بغض النظر عن "الانتماء الديني" لأفرادها، وجميعها يبقى من نسيج المجتمع الذي أصبح في الدول الأوربية متعدد الثقافات، ومتعدد المصالح، ومتعدد المظاهر، وجميع ذلك يتداخل في بعضه بعضا، عبر الانتماءات القومية والدينية وسواها. وتقوم العلاقات بين تلك الفئات على أساس الحوار والتعايش والأخذ والعطاء وربما "الصراع" أيضا، دون أن توضع فئة بعينها خارج إطار المجتمع، أو تُحشر في موضع الأقلية منه، وهذا ما ينبغي أن يسري على "فئة" المسلمين من بين سكان الاتحاد الأوربي. 

إن المسلمين في أوربا لا يمثلون "ظاهرة عابرة" تاريخيا، ولم يعد يوجد من يفكر بإمكانية التعامل معهم على هذا الأساس، كما لا يوجد ما يشير إلى احتمال "اضمحلال" هذه الظاهرة، بل على النقيض من ذلك توجد الكثير من الدلائل التي تؤكد أن الوجود البشري الإسلامي في أوربا سيتنامى، سواء من حيث الأعداد المجردة، أو من حيث ارتفاع النسبة المئوية إلى السكان بمجموعهم. وتذكر الدراسات المستقبلية الأوربية ومن جانب الأمم المتحدة أن الهرم السكاني في الدول الأوربية جمعاء يشهد تبدلا كبيرا سيترك آثاره في العقود المقبلة، ومن ذلك ما يساهم فيه ارتفاع نسبة المواليد المسلمين في أوربا بالمقارنة مع سواهم. ومن صور التبدل المنتظر انخفاض نسبة فئات الأعمار من القادرين على الإنتاج، وارتفاع نسبة المتقاعدين، وهو ما يستحيل علاجه وفق تلك الدراسات إلا بفتح الأبواب الأوربية أمام "المهاجرين" على نطاق واسع، وهذا ما يصعب تحقيقه عمليا دون أن يشمل "الملايين" من المسلمين الوافدين، ليس على أساس فترات "عمل قصيرة" وإنما مع الإقامة الدائمة.

الفئات المسلمة في إطار المجتمع والحدث

إذا كان المسلمون في أوربا في الماضي أجانب وافدين وطارئين على المجتمع فلم يعد يوجد فيهم إلا القليل ممن تسري عليهم هذه الصفة في الوقت الحاضر، فغالبيتهم الكبرى حاليا من ذوي الأصول الأوربية ومواليد أوربا على مدى عدة أجيال متعاقبة، بالإضافة إلى كونهم وافدين مضى على وفودهم عدة عقود من السنوات، وأصبحوا بواقع معيشتهم جزءا من المجتمعات الأوربية. وإذا كان لهؤلاء معا ما يميزهم عمن سواهم تبعا لإسلامهم، فذاك ما يسري على آخرين من أصحاب الديانات الأخرى، المتدينين وغير المتدينين من صفوف الكاثوليكية والبروتستانتية وحتى صفوف البوذية والزرادشتية وغيرها.

ولأسباب ليست موضع الحديث هنا لا تتوفر إحصاءات دقيقة حول أعداد المسلمين وتصنيف فئاتهم في بلدان الاتحاد الأوربي، ولكن القليل المتوفر من الأرقام يسمح بتثبيت صورة إجمالية في إطار عدد من المعطيات الرئيسية، وأهمها:

1- تبلغ نسبة المسلمين إلى سكان الاتحاد الأوربي عموما 3.5 إلى 5.5% حسب التقديرات المتفاوتة، بينما تبلغ نسبة الجيل الناشئ من الأطفال والشبيبة على الأرجح حوالي 45-50% من أعداد المسلمين إجمالا، وتتراوح ما بين 16 و20% من الجيل الناشئ من الأطفال والشبيبة في دول الاتحاد إجمالا. وهذا يعني أن هذه النسبة الأخيرة ستكون -بعد عدد محدود من السنوات- هي نسبة الوجود البشري الإسلامي في إطار فئة أعمار "الإنتاج والإدارة" في مختلف الميادين، وربما يشمل ذلك جزئيا قطاعات واسعة على صعيد الإسهام في صناعة القرار عموما.

2- لا تزال المعدلات الوسطية لمشاركة جيل الأطفال والناشئة من المسلمين في مسيرة الإعداد التعليمي المدرسي والتأهيلي المهني أدنى من المعدلات الوسطية للأطفال والناشئة عموما في المجتمعات الأوربية، كما أن معدلات البطالة بين العمال من المسلمين أعلى من المعدلات الوسطية، ولكن يوجد من المؤشرات الأولية -بما في ذلك حملات رسمية تحت عناوين مختلفة مثل "الاندماج"- ما يسمح بتوقع حدوث تغيير إيجابي تدريجي على هذا الصعيد.

3- تتناقص بصورة تدريجية النسبة المئوية -وليس العدد المجرد بالضرورة- للعمال المسلمين في الدول الأوربية مقابل ارتفاع مطرد لفئات أخرى، في مقدمتها أصحاب المهن الأكاديمية والحرة، كما في قطاعات الطب والهندسة والتعليم والتجارة والمهن الحرفية. إضافة إلى ارتفاع مطرد لأعداد العاملين في "إدارة الأعمال والشركات" الذين يُعتبرون من ركائز البنية الهيكلية الاقتصادية التي لا غنى عنها لضمان سياسات التشغيل وما يرتبط بها من تأمينات اجتماعية، وربما بلغت النسبة المئوية لكل من هاتين الفئتين في الوقت الحاضر أكثر من 5% (قياسا على آخر المعلومات المتوفرة عن المسلمين الأتراك في ألمانيا)، وهي نسبة لا بأس بها بالمقارنة مع تركيبة الخارطة الاجتماعية في الدول الأوربية.

4- تبدلت خلال العقود الماضية -بشكل ملحوظ- خارطة مظاهر ارتباط المسلمين في أوربا بدينهم، فانخفضت نسبة من توصف أوضاعهم بالذوبان في المجتمع الغربي بينما ارتفعت نسب الفئات الأخرى، ابتداء بانتشار ظاهرة التدين التي يعكسها انتشار الحجاب وارتفاع أعداد المصليات والمساجد والمترددين عليها، إلى ارتفاع المستويات الثقافية التي تنعكس في انتشار الإقبال الكبير على الكتاب الإسلامي والتسجيلات وسواها، بمختلف اللغات، وفي ارتفاع مستوى الندوات والمؤتمرات واللقاءات الإسلامية ثقافيا وفكريا، وإلى ظهور الشبيبة المسلمة المتزايد -نسبيا- في وسائل الإعلام، وحتى المشاركة بكثافة في فعاليات التنظيمات والمراكز الإسلامية عموما.

5- لم تعد التنظيمات والمراكز الإسلامية -التي انتشرت في حقبة ماضية وشهدت تطويرا بطيئا نسبيا لأسباب مالية وغير مالية- قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المسلمين مع انتشار ظاهرتي التدين والالتزام. وكثير منها لا يكفي لتأمين الاحتياجات الأولية على صعيد الشعائر التعبدية، فضلا عن إمكانية الإسهام بصورة فعالة على صعيد توفير أسباب التعليم الإضافي لربط المسلمين بإسلامهم بصورة منهجية، وهو ما لا يتوفر عبر المدارس الألمانية إلا بصور محدودة وناقصة، ناهيك عن توفير المنشآت الاجتماعية والثقافية والرياضية والتأهيلية المهنية وغيرها.

6- رغم الضجة الكبيرة التي تصنعها الإثارة الإعلامية من جهة، كما تصنعها من جهة أخرى ممارسات التحامل السياسي في قضية انتشار التطرف والإرهاب في صفوف المسلمين في أوربا أو عالميا، فإن أقصى درجات الاتهام التي ترتكز على تقارير المخابرات الدورية -وقليل منها ما يقدم أدلة وإثباتات مقنعة قضائيا- لا تصل إلى ما يسمح بالقول بانتشار ظاهرتي التطرف والإرهاب انتشارا واسعا. وأقصى التقديرات التي تذكرها تلك التقارير تبقى دون 5 في الألف من المسلمين بمجموعهم (ألمانيا مثلا: بضعة عشر ألفا من أصل 3 ملايين ونصف المليون)، وهي نسبة لا تختلف كثيرا عن نسبة انتشار "الإرهاب" اليميني العنصري في أوربا عموما، ولا تقارن بالنسبة المرتفعة لانتشار "التطرف" اليميني في معظم البلدان الأوربية، والتي تنعكس أحيانا في الانتخابات النيابية.

الجديد عبر التوسعة الأوربية

تزامنت التوسعة الأوربية 2004 مع التركيز على قضية الوجود الإسلامي في أوربا عموما، ولكن مع غلبة السلبيات على هذا الطرح، وإن تفاوت ذلك من بلد إلى آخر ما بين علاقة إيجابية متبادلة مع المسلمين عموما من جانب الدولة ومؤسساتها والمجتمع وشرائحه (السويد في المقدمة)، وعلاقة بدأت تزداد سلبياتها نتيجة التصرفات الرسمية المبالغ فيها على صعيد "ردود الفعل" على ظاهرة "الإرهاب العالمية"، بغض النظر عن وجود مرتكزات لها أو عدم وجودها بصورة قاطعة في البلدان المعنية، وهو ما بدأ يظهر للعيان فيما يُعرف بالقوانين الاستثنائية في بلدان رئيسية مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا.

والواقع أن من العوامل التي ساهمت جزئيا في التعجيل بالتوسعة الأوربية -ودار الحديث عنها بوضوح خلال التسعينيات من القرن الميلادي العشرين أثناء سيطرة أجواء التطرف اليميني والشكاوى من "ارتفاع نسبة الأجانب لا سيما المسلمين في غرب أوربا في فترة ارتفاع البطالة نتيجة الركود الاقتصادي، واستمرارها بعد ذلك طويلا نتيجة "العولمة"- الحديث عن الرغبة بجلب العمالة من شرق أوربا بدلا من البلدان الإسلامية أو الجنوب عموما، وهذا ما اقترن أيضا بالتركيز سياسيا على جهود تطوير البنية الاقتصادية في الدول الأوربية الشيوعية سابقا، مقابل انخفاض الاهتمام بالسياسات الإنمائية في الجنوب فيما يُسمى "العالم الثالث".

على أن التحول في هذا الاتجاه -خلال السنوات الماضية- اقترن بأكثر من عنصر جديد نسبيا، وبصورة تَحُد من قابلية تحقيق الهدف المذكور، ومن ذلك -بالإضافة إلى عوامل جديدة أخرى- ما يلي:

1- اقتران فتح الحدود تدريجيا نحو الشرق بانتشار الجريمة المنظمة على نطاق واسع، والتي يؤخذ من المصادر الرسمية أن مراكزها الرئيسية تقع في البلدان الشرقية.  

2- ارتفاع نسبة الحاجة إلى "عمالة أجنبية" في الدول الصناعية الأوربية اختلف مضمونا عما كان عليه في فترة الستينيات والسبعينيات الميلادية. فالبطالة منتشرة على نطاق واسع، مقابل نقص كبير في الكفاءات والمؤهلات المهنية على المستويات العليا والمتوسطة، وهذا ما لا يمكن سد الحاجة إليه من البلدان الأعضاء الجديدة، نظرا إلى حاجتها هي إلى الكفاءات والاختصاصات المختلفة في فترة تطوير أوضاعها الاقتصادية الضرورية من جهة أخرى لضمان اندماجها في الاتحاد الأوربي.

3- أظهرت الدراسات المستقبلية -كما سبقت الإشارة- أن الدول الأوربية ستواجه في العقود القادمة نقصا كبيرا في الطاقات البشرية الإنتاجية وارتفاعا كبيرا في نسبة المتقاعدين، فبينما تعادل هذه النسبة حاليا ثلاثة إلى واحد، يُنتظر أن تنخفض حتى اثنين إلى واحد، في حالة استمرار تطور معدل الولادات والوفيات على النحو الراهن الذي يسجل "تناقصا" مستمرا في أعداد ذوي الأصول الأوربية، وهو ما يوازنه -منذ سنوات عديدة- ارتفاع عدد المواليد في الفئات السكانية ذات الأصول غير الأوربية، وفي مقدمتها فئة المسلمين. ولا يُنتظر وفق الدراسات أن يمكن الحفاظ على مستوى اقتصادي مرتفع، وضمانات كافية للمتقاعدين، ما لم تُفتح أبواب الهجرة إلى أوربا، لا سيما أسبانيا (التي بدأت تواجه المشكلة في الهرم السكاني) وإيطاليا وألمانيا، وساد الاعتقاد فترة من الزمن بإمكانية تعويض النقص من البلدان الشرقية، على أن الدراسات المستقبلية الحديثة تؤكد أن الدول الجديدة في الاتحاد ستعاني من المشكلة نفسها، لا سيما بولندا التي يبلغ عدد سكانها أكثر من سكان الدول التسع الأعضاء الجديدة الأخرى معا.

4- من العوامل السلبية التي يمكن تقديرها نتيجة التوسعة الأوربية أن السنوات القليلة الماضية شهدت قفزة مبدئية في انتشار المعرفة بالإسلام والمسلمين، بما ساهم جزئيا على الأقل في دحض "افتراءات وأحكام مسبقة" قديمة، لا سيما في أوساط الشبيبة في بلدان الاتحاد سابقا، مثل بلجيكا وألمانيا وفرنسا وغيرها. وبالمقابل، لم يقع مثل هذا التطور في البلدان الشرقية نتيجة ضعف الاحتكاك المباشر بالمسلمين والضعف النسبي لانتشار وسائل الاتصال ونقل المعلومات هناك. وهذا ما يثار على موقف الرأي العام، وبالتالي يمكن أن يترك أثره في إطار الوصول إلى تقنين أرضية أوربية مشتركة للتعامل مع قضايا تتعلق بالوجود الإسلامي في أوربا، إذ ستكون الدول الجديدة على الأرجح سندا للدول الأكثر تشددا في نطاق الاتحاد الأوربي قبل توسعته.

5- رغم انتقال الدول الشرقية من الشيوعية إلى نظام السوق الرأسمالية اقتصاديا، فإن كثيرا من الأفكار الشيوعية ما زالت منتشرة فيها على المستويات السياسية والحزبية والاجتماعية والفكرية، وليس مجهولا موقف الشيوعية من الأديان عموما، ومن الإسلام على وجه التخصيص، على أنه من العسير القول إن هذا الجانب سينتشر باتجاه "غرب أوربا" والأرجح هو تقلص تلك التوجهات تدريجيا، لكن سيستغرق ذلك فترة زمنية طويلة.

مهام مستقبلية وعقبات

إن أي انطلاقة لتحقيق مهام مستقبلية جديدة تتطلب وضع الحديث عنها في إطار الأجواء السائدة على أرض الواقع، ونأخذ مثالا على ذلك من الميدان الأكثر إثارة والأدعى للاهتمام، وهو العملية الإرهابية في مدريد في 11/3/2004. فليس مجهولا أن المسلمين في أسبانيا بالذات قطعوا -خلال العقود الماضية- أشواطا كبيرة على طريق تثبيت وجودهم العضوي في نسيج المجتمع بالتعاون مع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وحقق ذلك نتائج ملموسة في قطاعات عديدة على صعيد التعليم، وتشريع القوانين، وانتشار المساجد والمراكز الثقافية.. ويأتي انحراف قلة محدودة العدد ترتكب عملية إرهابية فيهدد عملها بتقويض ما تم تحقيقه، وهو ما يقع نتيجة الأساليب المتبعة للتعميم، وشن الحملات السياسية والأمنية والإعلامية، والتفاعل الخاطئ من أصحاب العلاقة مع الحدث نفسه، وجميع ذلك يعود بالأضرار الكبيرة، ليس على الوجود البشري الإسلامي في أسبانيا فحسب، بل على الأوضاع الاجتماعية والأمنية في أسبانيا وفي أوربا عموما.

فالأضرار مشتركة، ويجب بذل قدر كبير من الجهود المركزة لمواجهة هذه الأضرار بصورة مشتركة أيضا قبل وقوعها أو قبل استفحالها، وهذا ما لا يتحقق دون استيعاب الطرف الآخر استيعابا كاملا، وليس بأسلوب كيل الاتهامات العدائية المطلقة، أو إملاء الشروط أو إصدار التعليمات أو المطالبة بإدانة مشروطة بعدم إدانة أعمال عدوانية ترتكب هنا وهناك في بلاد المسلمين عموما، علما بأن صدور هذه الإدانة عن الفئات الأخرى من غير المسلمين في أوربا لا يجد نقدا أو رفضا أو يثير استغرابا سياسيا وإعلاميا، ناهيك عن أن يسبب حملات أمنية.

وإذا أردنا وضع إطار للمهام المرجوة مستقبلا على مستوى الوجود الإسلامي في الاتحاد الأوربي الذي يزداد ثقله العالمي بصورة ملحوظة يمكن أن يكون هذا الإطار تحت عنوان الوصول إلى اندماج متوازن أفضل للمسلمين في المجتمعات الغربية. وهذا ما يتطلب مراعاة أمرين رئيسيين من خلفيات الواقع الأوربي الراهن، وأمرين رئيسيين آخرين من زاوية خلفيات الوجود الإسلامي الراهن فيه:

من الواقع الأوربي: 

(1) النسبة العظمى من صانعي القرار السياسي والاقتصادي والأمني والفكري والثقافي في الوقت الحاضر هم من جيل أوربي نشأ في فترة السبعينيات الميلادية الماضية التي كانت حافلة بأشد درجات الحملة على الإسلام والمسلمين، وهو ما ساهمت به آنذاك أحداث الأرض الفلسطينية، وما يُعرف بثورة أسعار النفط الخام، وهي حملة بنيت على نسبة عالية من الافتراءات الصارخة في الكتب المدرسية وكثير من الكتب الفكرية والثقافية التي توصف أحيانا بالوثائقية والجامعية..   

(2) بالمقابل فإن من الملاحظ في غالبية عمليات استطلاع الرأي بشأن أحداث تتعلق بالمسلمين كقضية الحجاب أو تعميم الاتهامات بالتطرف أن جيل الشبيبة في أوربا أكثر من سواه انفتاحا وفهما تجاه الإسلام والمسلمين. وهو ما شهد تطورا جذريا خلال السنوات القليلة الماضية، على النقيض مما كان متوقعا من الحملة التي أطلقت بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن، وعلى النقيض أيضا مما كان يتردد في التسعينيات من القرن الميلادي العشرين أن "التطرف اليميني" يجعل جيل الشبيبة الأوربية أشد رفضا للوجود الإسلامي في أوربا. فالواقع أن النسبة العليا من الشبيبة أقرب إلى الإنصاف نتيجة الاحتكاك المباشر، وازدياد الإقبال على المصادر الفكرية والثقافية ذات العلاقة بالإسلام والمسلمين، هذا علاوة على ارتفاع نسب اعتناق الإسلام من الشبيبة، في مختلف البلدان الغربية.

ومن واقع الوجود الإسلامي: 

(1) ما تزال التنظيمات والمؤسسات والمراكز التقليدية الإسلامية منقسمة على نفسها في التعامل مع المتغيرات، والأكبر منها ماضٍ على طريق الاندماج، ويصل أحيانا إلى درجة فيها بعض المبالغات الناجمة عما صنعته المخاوف المرتبطة بقضايا التطرف والإرهاب، مقابل عدم القدرة على استيعاب أوسع للمقبلين على الإسلام من جيل الشبيبة، ولكن يوجد في الوقت نفسه، تنظيمات صغيرة متفرقة، تحت سيطرة درجة لا بأس بها من "الغوغائية"، وصحيح أنها لا تجد سندا كبيرا من عامة المسلمين، ولكن يمكن استغلال أقوالها ومواقفها في تعميم الاتهامات تجاههم.

و(2) بالمقابل لم يصل الوجود الإسلامي الفعلي بقاعدته العريضة (رجالا ونساء) -من أطباء ومهندسين وتجار ورجال أعمال ومثقفين وطلبة وغيرهم- إلى مستوى تفعيل هذا الوجود في مصلحة المسلمين عموما. فهذا ما لا يمكن رصده حتى الآن، لا سيما في نطاق الاختصاص عبر إثبات وجود المتخصصين المسلمين بين أقرانهم على مستوى كل بلد على حدة أو على المستوى الأوربي، مع توظيف ذلك في تأكيد "الوجود الطبيعي المنتج" للمسلم المتخصص في المجتمع الأوربي، وهو ما يخدم لو توفر-بصورة عملية- قضية إزالة الأحكام المسبقة والافتراءات، ويضعف مفعول الحملات المعادية تحت عناوين سياسية وأمنية.

على ضوء مجموع ما سبق من معالم رئيسية لما كان قائما قبل التوسعة، وبعض المعالم الجديدة المرتبطة بها، يمكن تأكيد ثلاث مهام أساسية يفتقر إليها التعامل الراهن مع الوجود الإسلامي في أوربا، ولا غنى عنها لتحقيق نتائج ملموسة في وقت مناسب على صعيد المهام الفرعية، بمعنى في كل ميدان قائم بذاته على حدة، كتعليم الأطفال المسلمين مثلا. المهام الرئيسية التي يُفترض أن تتضافر الجهود عليها، ويكثر الحديث عنها، في أوساط المسلمين أنفسهم، وفي مراكز احتكاكهم مع سواهم، وكذلك في وسائل الإعلام العربية والإسلامية التي تتابع هذه القضية عن بعد.. هي: 

1- وضع حد لتغليب منظور "مكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب" الضروري في الحدود الموضوعية لهذه الظاهرة، المتناسبة مع نسبة انتشارها الواقعية، المماثلة بمعدلاتها لوجود التطرف والإرهاب في المجتمعات الأوربية عموما، أو المنخفضة عن ذلك، وترسيخ منظور التعامل مع الكتلة البشرية الإسلامية الكبيرة المتنوعة في الجوانب الثقافية والمهنية والتأهيلية وغيرها، والمتداخلة من خلال هذا التنوع مع سائر الفئات الأخرى في المجتمعات الأوربية. 

2- العمل على أن يكون التعامل مع الوجود الإسلامي في أوربا قائما على أساس فئات متعددة داخل نطاق "مجتمع مشترك".. حوارا واختلافا، وليس بأسلوب "المواجهة.. أو الحوار" بين طرفين منفصلين، أو خصمين متقابلين. فهذا ما يتناقض مباشرة مع حقيقة الاندماج القائم على أرض الواقع في مختلف ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية، واقتصار النسبة العظمى من التباين والاختلاف على بعض المظاهر الشكلية وجوانب العلاقة المباشرة بين الإنسان وخالقه. 

3- العمل على تحقيق نقلة نوعية في مركز ثقل العمل على ترسيخ الوجود الإسلامي في أوربا، بحيث لا يكون عملا قائما على ما يمكن تحقيقه فقط ما بين المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية من جهة، والتنظيمات والمراكز التقليدية للمسلمين في أوربا من جهة أخرى. فالمطلوب أن يتحقق الهدف عبر الوجود الفعلي للمسلمين، لا سيما من فئة الشبيبة والناشئة، في إطار التركيبة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية القائمة، من خلال المدارس والجامعات والمراكز الثقافية والنقابات وروابط البيئة وغيرها، وكذلك من خلال المشاركة في فعاليات هذه الجهات وفعاليات التوعية العامة، الرسمية والشعبية، بالإضافة إلى ما يمكن الوصول إليه تدريجيا وبنسبة أعلى مما يتوفر حاليا، في الميادين الحزبية والسياسية والتشريعية وما يلحق بها.

إن المعطيات المبدئية لهذه المحاور الثلاثة متوفرة نسبيا، ولا يعني ذلك الغفلة عن العقبات والعراقيل الذاتية من داخل صفوف المسلمين، والخارجية. والعمل على صعيدها بصورة شاملة لا يمنع من تأكيد العمل على المستويات الأخرى التي يمكن وصفها بالتخصصية أو الفرعية والتي يمكن تعداد عناوينها فيما يلي، دون الإغفال عن وجود كثير من المبادرات العملية الناشطة، على صعيدها: 

1- التركيز على مضاعفة الجهود في إعداد جيل الأطفال والناشئة من المسلمين على مستوى التعليم المدرسي والجامعي والتأهيل المهني.

2- تكثيف نشاطات التوعية الإسلامية المتوازنة في أوساط الشبيبة المسلمة، اعتمادا على جهود الشبيبة أنفسهم، ودون الفصل بينهم وبين عامة الشبيبة في المجتمعات الغربية حولهم.

3- متابعة الجهود المبذولة على صعيد المرأة المسلمة، لا سيما من جيل الشبيبة التي تشهد تحركا واسع النطاق، لإثبات وجود المرأة المسلمة ودورها في المجتمع حولها بصورة مباشرة.

4- إعادة النظر في المهام التقليدية والأساليب التقليدية التي قامت عليها التنظيمات والمراكز الإسلامية في الغرب حتى الآن، مما حقق أغراضه في فترة سابقة بغض النظر عن حجم النجاح وحجم الأخطاء، ولا بد من تطوير جذري لتلك المهام والأساليب والبنية الهيكلية بما يتناسب مع المتطلبات الراهنة والظروف الراهنة.

5- التحرك من جانب من يوفر مواصفات "النخبة الثقافية والفكرية والإعلامية" داخل صفوف المسلمين في الغرب، لإيجاد آليات عملية ودائمة للتفاعل مع النخب المماثلة في المجتمع الأوربي، والتي يمكن القول بأن الفترة الأخيرة شهدت على صعيدها كثيرا من المبادرات الهادفة إلى "ضبط" أفضل وأكثر إنصافا لأطر التعامل مع الإسلام والمسلمين بدلا من "انفلات" الحملات الهجومية الراهنة. 

دراسة السبل الأنجع لتفعيل نمو العمل الاختصاصي في الميادين الأكاديمية والمهنية والتجارية، ليس بغرض فصلها عن المحيط الاختصاصي الأوربي حولها، وإنما لتعزيز وجودها في نطاقه، مع قابلية توظيف منجزاتها في خدمة مستقبل أفضل للوجود الإسلامي في المجتمعات الأوربية عموما.

شارك في ساحة الحوار حول:

اقرأ أيضًا:

 


** كاتب سوري مقيم في ألمانيا

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع