|
هل تقرب هجمات "الخبر" بين الرياض وواشنطن؟
|
|
محمد
جمال عرفة
|
30/05/2004
|
 |
|
رجال أمن سعوديون في حالة تأهب في أعقاب تحرير الرهائن |
ثلاثة
أسباب هامة كانت -على ما يبدو- وراء
هجوم الجماعات المسلحة السعودية على
مجمعات وشركات النفط الغربية في مدينة
"الخبر" الساحلية والتي قتل فيها
قرابة 20 أجنبيا وسعوديا، وثلاثة نتائج
أخرى هامة يُعتقد أنها سوف تترتب على الهجومين المتتاليين
على منشآت النفط
السعودية في أقل من شهر، من أهمها
أنهما يمكن أن يؤديا إلى التقريب بين
الرياض وواشنطن.
فالهجوم
على "الخبر" تحديدا جاء -على ما
يبدو- باعتبارها "مدينة الوجود
الغربي أو الأجنبي" وكمحاولة من قبل
الجماعات المسلحة لاستدرار تعاطف
السعوديين معهم في "الحرب ضد الوجود
الأجنبي بالمملكة" بعد أن فقدوا هذا
التعاطف بسبب هجوم إبريل الماضي 2004 على
مبنى الأمن العام الذي قتل فيه 4 وجرح 148
من رجال الأمن السعوديين للمرة
الأولى، فيما اعتبر تحولا في
إستراتيجية الجماعات من استهداف
الأجانب إلى استهداف النظام وجنوده،
ولهذا اختاروا مجمعات الخبر وشركات
النفط فيها ليضربوا عصفورين بحجر واحد:
الأول: ضرب الأجانب، والثاني: ضرب
البنية الأساسية (النفط) للنظام
السعودي.
أما
السبب الثالث فيبدو أيضا أنه ضمن
محاولة جلب التعاطف الشعبي معهم؛ لأنه
متصل مباشرة بالعراق وشركات النفط
الأمريكية هناك خصوصا شركة "هاليبرتون"
التي هوجم مقرها في الخبر والمتهمة
بفضائح في العراق حيث حرص بيان ما يسمى
"تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"
الذي تبنى الهجوم على تأكيد أنه "تم
اقتحام مواقع شركات أمريكية نفطية
تابعة لشركة الاحتلال الأمريكية (هاليبرتون)
وهي عبارة عن مجموعة من الشركات
المتخصصة في أعمال البترول ومقاولات
التنقيب العاملة على نهب وسرقة ثروات
المسلمين.. واستطاعوا قتل وجرح عدد من
أعداء الله الصليبيين".
تداعيات
الهجوم
أما
النتائج التي ستترتب على هذا الهجوم
الخطير فيمكن أن نتوقع منها ثلاثة هي:
1-
ستزيد الهجمات المخاوف الأمريكية على
احتياطيات النفط في السعودية خاصة
أنها غير قادرة على تعويضها من العراق
بسبب هجمات المقاومة على خطوط النفط
العراقية؛ الأمر الذي يترتب عليه وقف
الأمريكان هجومهم على الحكم السعودي
وتغيير إستراتيجية التعامل الهجومية
الجديدة التي جرى تدشينها معه عقب
هجمات 11 سبتمبر، وحملة النقد الشديدة
ضده التي يعتقد محللون غربيون أنها
شجعت الجماعات المسلحة هناك على
استغلال الحدث في ضرب النظام والتعجيل
بانهياره.
2-
سوف يعتبر الأمريكان هجمات الخبر وما
قبلها حبل إنقاذ لسياستهم الفاشلة
المتعلقة بالإصلاح في الشرق الأوسط
ومن ثم سيعلقون خطط الإصلاح والضغط على
الحكومات العربية خاصة مصر والسعودية
بعدما ظهر لهم أن البديل هو سيطرة
الإسلاميين أنفسهم على الحكم وضياع
نفوذهم تماما ومصالحهم النفطية في
المنطقة.
3-
لا شك أن هناك آثارا مستقبلية – لا
حالية – ستقع على أسعار النفط في
العالم والتي تشهد حالة من الجنون وصلت
بها لأول مرة إلى 42 دولارا للبرميل،
وسيكون لها آثار على مستقبل الرئيس
الأمريكي جورج بوش خاصة في أعقاب كشف
الصحفي بوب إدوارد "فضيحة" الوعد
السعودي الرسمي بزيادة ضخ النفط لخفض
الأسعار قبل انتخابات الرئاسة في
نوفمبر القادم 2004. ويلاحظ هنا أن
البيان المنسوب لتنظيم القاعدة أشاد
بضرب "الشركات الأمريكية.. المتخصصة
في البترول" وزعم أن الهجوم في مدينة
الخبر سيزيد من قلق الأسواق بشأن أمن
الإمدادات في الشرق الأوسط.
لماذا
الخُبر؟!
والحقيقة
أن استهداف الجماعات المسلحة لمدينة
الخبر تحديدا لا يمكن أن يكون مصادفة،
إنما الواضح أنه جرى التخطيط له بدقة
لتحقيق أكثر من هدف يعيد للأذهان فكرة
استمرار استهداف الوجود الأجنبي (المدني
هذه المرة) في المملكة بعدما نجح
الاستهداف الأول للوجود العسكري (قتل 19
عسكريا أمريكيا وجرح 400 شخص آخرين في
مجمع الخبر يونيه 1996) في إنهاء الوجود
العسكري الأمريكي الكثيف في المملكة.
فمدينة
الخبر -على حد قول صحيفة "الشرق
الأوسط" في عدد 30 مايو 2004- "ذات
نكهة غربية" وينتشر في شوارعها
السكان الغربيون من كل الجنسيات،
ويتفاجأ زائرها بلونها الغربي، حتى
تكاد تكون واحدة من المدن الأمريكية أو
الغربية بسبب طابع بنائها الغربي
وانتشار المطاعم الغربية بها مثل «بيتزاهت»
و«ماكدونالدز» و«كنتاكي» و«باسكن
روبنز» وعشرات الماركات والعلامات
التجارية الأمريكية.
ولا
شك أن هذا الطابع كان سببا في أن تشهد
المدينة هجومين من أخطر الهجمات
المسلحة عليها التي تستهدف الأجانب،
أولهما على الوجود العسكري الأمريكي
عام 1996 والآخر على هذا الوجود المدني
النفطي العام الحالي 2004 في صورة شركات
نفط أجنبية في منطقة (الراكة) في
المدينة، والمجمعات السكنية التي تؤوي
موظفي الشركات مثل مجمع جولدن بيلت
السكني في منطقة الراكة الذي يعيش فيه
أجانب بشكل أساسي، ومجمع الواحة.
فالهجوم
الأول جرى ضد أبراج العزيزية في 25
يونيو 1996 بواسطة عربة صهريج ضخمة مليئة
بالمتفجرات، وهز الانفجار الهائل
بناية ذات ثمانية طوابق كانت تستخدم
لإسكان العسكريين الأمريكيين في
الظهران في المنطقة الشرقية، وأدى
الهجوم إلى قتل 19 عسكريا أمريكيا وجرح
400 شخص آخرين أغلبهم من الأمريكان وكان
له تأثير كبير على الوجود الأمريكي.
ويبدو
أن اختيار ذات المدينة واستهداف
الوجود الأمريكي المدني العامل في
قطاع النفط هذه المرة، استهدف بدوره
السعي للتأكيد على ثوابت الحركة
المسلحة في ضرب الوجود الأجنبي لا
الدخول في صراع مع أجهزة الأمن
السعودية بعدما أوحت عمليات سابقة
بذلك.
ضرب
النفط "رسالة مزدوجة"
ويبدو
أن ضرب الشركات النفطية أيضا كان عملا
مقصودا كما وضح من البيانات المنسوبة
للقاعدة، واستهدف إرباك الحسابات
السعودية الرسمية وحسابات الحلفاء
الأمريكان، وإن لم يحسب أن هذه الضربات
تحديدا ربما تعيد اللحمة بين
الأمريكان والحكم السعودي لمواجهة
الخطر المشترك.
فهناك
توتر قائم بالفعل في أسواق النفط منذ
أشهر ويحتاج لسياسات تهدئة لا لمزيد من
الحرائق.. وهجمات الخبر ستؤجج هذا
الحريق في أسعار النفط على الأقل لعدة
أشهر.. فالتوتر في أسواق النفط
العالمية سيزيد خصوصا في ضوء توقع مزيد
من هجمات الجماعات على القطاعات
النفطية بعد هجمات ينبع (قتل غربيين
يعملون في قطاع النفط) وهجمات الخبر في
غضون شهر واحد.
ولا
يمكن للأسواق العالمية أن تتجاهل دولة
بحجم السعودية تنتج الآن أكثر من تسعة
ملايين برميل يوميا، وتسعى لخفض
الأسعار الملتهبة عالميا، كما لا يمكن
أن تمر هذه الأحداث الأخيرة وكأن شيئا
لم يكن على أسواق النفط التي تتأثر
بأقل الشائعات فما بالك بالتفجيرات
والهجوم على شركات النفط.
صحيح
أن الهجوم الجديد ليس من المحتمل أن
يدفع الشركات الكبرى للهرب من
السعودية، لكنه سيربك خططها وربما
يدفعها لترحيل عائلات العاملين بها،
كما أنه سيربك الحكم السعودي أيضا
ويسبب حرجا وربما يشكل ضربة اقتصادية
له قصدتها الجماعات لأنها بذلك تكون قد
نقلت الصراع مع السلطات السعودية من
الساحة الأمنية إلى الاقتصادية وبدأت
حربا ضد البنية الأساسية للنظام
وعموده الفقري وهو النفط الذي يقوم
عليه الاقتصاد السعودي.
بعبارة
أخرى: سيؤدي الهجوم على صناعة النفط
لتحقيق هدفين وضرب عصفورين بحجر واحد،
فهو من جهة موجه ضد الحكم السعودي، ومن
جهة أخرى موجه ضد الغربيين والأمريكان
تحديدا، وسيكون له أثره على ارتفاع
أكبر في أسعار النفط أو على الأقل
بقائها مشتعلة فترة زمنية أطول كافية
لضرب اقتصاديات أوربية وربما الاقتصاد
الأمريكي وربما مستقبل الرئيس
الأمريكي بوش. غير أن كل هذه العوامل
والتداعيات ربما تؤدي مجتمعة إلى
التقريب بين واشنطن والرياض في مواجهة
العدو المشترك.
اقرأ
أيضًا:
|