|
العنف في بلاد الحرمين.. التفسير الرباعي
|
|
مسعود صبري**
|
03/06/2004
|
التفجيرات
موجودة بشكل كبير في كثير من
المجتمعات، المسلمة وغير المسلمة،
ولكن تمثل التفجيرات وظاهرة العنف
نوعا مغايرا في المملكة العربية
السعودية، وذلك لأسباب عديدة،
أهمها: أن المملكة تمثل القبلة
الروحية عند المسلمين، ففيها الحرمان،
مكة والمدينة، وهي مهوى الأفئدة
للإصلاح الذاتي؛ أن العنف فيها قائم -حسب
الظاهر- على نوع من الدين، فالمستند
والمرجعية التي يرجع إليها من يقومون
بالعنف هي الدين، وفي ذات الوقت يستند
من يرفض العنف منهم على الدين أيضا؛ أن
المملكة كانت تمثل منطقة من مناطق
الهدوء فيما يعرف بالعنف المستند
للدين، فلم تكن الجماعات المعارضة لها
وجود ظاهر وكبير على الساحة بأي شكل من
الأشكال، وأن من يخرج عن النظام هو
خروج عن طاعة ولي الأمر، الذي أمرنا
بطاعته. كما أن المملكة تمثل ثقلا
كبيرا في المنطقة العربية، بل
والإسلامية أيضا؛ ما قد يكون له الأثر
الكبير في صورة المملكة ومستقبلها مع
الأطراف التي تجتمع معها في بعض
المصالح، وهي كثيرة. ولكن ما الأسباب
التي أدت إلى ظهور هذه الموجة من
العنف؟ وكيف السبيل لتلافيها؟
التشدد
+ تواجد الأجنبي
إن
البنية الفكرية التي قامت عليها
المملكة، والتي نحت نحو التشدد في كثير
من الأمور، فيما يخص الجانب الفقهي،
وفيما يخص الجانب السياسي، وطبيعة
العلاقة بين الحاكم والمحكوم، هي التي
ولدت مثل هذا النوع من العنف، فطبيعة
التعامل مع المخالف فيما يخص الجانب
الفقهي، زحفت نحو الجانب السياسي.
والمملكة
-كواحدة من النظم العربية- لا تعطي حرية
كافية للشعوب، بل لا تسمح بالمعارضة،
فشكل هذا نوعا من الضغط النفسي على هذه
الجماعات، وعدم وجود التنفس، ولو
بالكلام، مما سمح بإفراز الخروج عن
الطور المرسوم، ومحاولة كسر الحواجز،
ولو بشكل غير سليم.
ويعتبر
التواجد الأجنبي في المملكة بشكل
كبير، مع عدم إمكانية إبداء المعارضة
في هذا، هو السبب الأول المحرك، وليس
السبب المنشئ؛ فتواجد الأمريكان بشكل
سافر في المملكة، وكونها بلاد
الحرمين، جعلت هذه الجماعات تفكر في
طرد هذا الأجنبي الذي رفض الخروج من
البلاد بشكل كلي، وإن قل وجوده بعد
الحرب العراقية، ولكنه ما زال موجودا،
يراه الناس في الشوارع، وإن لم ير،
فإنه يعرف ويسمع. فكانت التفجيرات نوعا
من الجهاد ضد الغازي المحتل، وكأنها
تريد أن تقول: إنها يمكن لها أن تفعل ما
لا يمكن للجهات الرسمية فعله، بل تعتقد
أن هذا من أعلى الجهاد في سبيل الله
تعالى، ويتسع الفكر أن مثل هذا الفعل
فيه إنقاذ للمنطقة كلها، والتي سمحت
للأمريكان بتواجدها في شكل القواعد
العسكرية، أو بشكل غير عسكري، وإن كانت
السعودية تعتبر منذ أمد هي منطقة نفوذ
قوي للأمريكان، فإن إرهاب الأمريكان
وغيرهم في هذا الحليف الكبير، يمثل
صفعة كبيرة، قد تؤدي إلى خروج
الأمريكان من المنطقة العربية.
المفجرون:
"الحكومة جنت على نفسها"
وقد
حاولت هذه الجماعات إضفاء الشرعية على
هذا الفعل، فهي في المقام الأول لم
تقصد مدنيين من أهلهم وعشيرتهم، حتى
ممن يعملون في المؤسسات الحكومة،
وأنها ابتعدت تماما عن المناطق
المقدسة، كمكة والمدينة، ولكن قوبل
هذا بالمواجهات العنيفة من قبل
الحكومة، ومحاولة القضاء على هذا
العنف، لتحسين الصورة، فكانت آخر
الأحداث من توجيه ضربة لمبنى الأمن
السعودي، وكذلك الهجوم الذي وقع في
منطقة الخبر، وكأنها رسالة من هذه
الجماعات للحكومة السعودية بأنهم لم
يستهدفوا السعوديين، ولا أحدا من
الحكومة، ولكن إن لم تكف الحكومة عن
ملاحقتهم، فإن هذا يعني أن الحكومة
مدافعة عن هذا الطغيان الأمريكي،
وأنها تدخل نفسها في حلبة الصراع، وهذا
يعني أنها هي التي جنت على نفسها،
وجعلت نفسها مع الأمريكان في خندق
واحد، وساعتها، فإن الجهاد -حسب
مفهومهم- لن يفرق بين العدو وحامي
العدو، لأن كليهما أصبح واحدا.
سكوت
العلماء.. سبب آخر
ومحاولة
الحكومة استخدام الأقلام والكلمات من
الشيوخ بأن هذا العمل إرهابي، وأنه
خروج عن ملة الإسلام لن يزيد الأمر إلا
شدة، وستحكم الجماعات على الشيوخ
بأنهم شيوخ السلاطين، وأنهم مؤجرون،
ولو كانوا صادقين في نصحهم وأمرهم
بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فلماذا
السكوت على تواجد القوات الأجنبية في
المملكة وغيرها من دول الخليج؟ وأين
دور الدعاة والعلماء في هذا؟
ولعل هذا يكون سببا مساعدا من أسباب
انتشار هذه الظاهرة، وهي عدم قيام
الدعاة والعلماء بدورهم، ولو كان
العلماء قد سكتوا، أو أسكتوا من أجل
عدم تهييج الرأي، فإن هذا كان له نتيجة
عكسية، وهي أنه ما دام العلماء لا
يستطيعون الكلام، فلا داعي للكلام،
وليكن العنف والتفجير هو السبيل
لتحريك الرأي العام في المملكة
والمنطقة العربية.
كما
أن النظرة إلى المجتمع السعودي تعكس
صورة مغايرة لما يريد أن يظهر به
المجتمع، فليس المجتمع طيفا واحدا،
فمع التشدد في قضايا المرأة مثلا، نجد
أن كثيرا من بنات المملكة هن أكثر من
يدخل الشات مع البنين، وأنه ما لم يسمح
لهن بممارسة بعض الحريات والحقوق في
مظلة المجتمع وأمام الجميع، فليكن
السر هو السبيل للخروج عن تقاليد
وعادات المملكة، رغما عن كل أي أحد.
4
متهمين و4 مهام
وفي
الظن أن أطراف القضية تتمثل في:
الحكومة السعودية، والنخب الفكرية من
العلماء والدعاة والمصلحين
والمفكرين، والجماعات المتطرفة التي
ترفع راية الجهاد ضد المدنيين، وضد
الحكومة السعودية، ظانة أنها بهذا قد
تخرج الأمريكان من بلاد الحجاز، ناسية
أن هذا يزيد الفتنة فتنة، وأن الحكومة
لو تأخرت في الإصلاح فإن هذا لن يتأتى
عن طريق قتل الأبرياء؛ والطرف الرابع
في هذا هو الشعب السعودي الذي يجب أن
يتحرك في مساحة المجتمع المدني وتفعيل
دور الجمعيات الأهلية بشكل واضح، أكثر
من التحركات البطيئة الموجودة الآن.
هذه
الأطراف الأربعة لا بد لكل منها أن
يقوم بدوره؛ فعلى الحكومات أن
تسعى لإصلاح داخلي بناء، تجتمع فيه مع
قادة الفكر، باختلاف أفكارهم، لتناقش
معهم ما يمكن السماح به والعمل فيه بما
لا يتعارض مع سياسة الحكومة، وما يراعى
فيه الإصلاح ومصالح الشعب السعودي.
وأن
تقوم النخبة الفكرية في المجتمع
السعودي بدورها، وبالتواصل مع الحكومة
بحكم أن طرفا منها مقبولا عند الساسة،
وأن ينظروا نقاط الالتقاء، وأن يسعوا
لكسب بعض المصالح العامة، والتي تحافظ
على المملكة حكومة وشعبا، تحفظها من
هذا التفكير العنفي الذي لا يعرف الآن
إلا لغة الدم والقتل، تحت شعار الجهاد
في سبيل الله.
كما
أن على الحكومة والنخب المثقفة من
الفقهاء والمفتين والمفكرين أن يقبلوا
بالتعددية الفكرية داخل الإطار
الديني، فلا يعتمد رأي واحد من آراء
الفقهاء، بل لا بد من نشر الاختلاف
الفقهي في المملكة، وأن يتخير الفقهاء
للناس الأنسب لحالهم وزمانهم ومكانهم،
وليعيدوا دراسة فقه الإمام ابن تيمية
رحمه الله، وأن تعتمد مقاصد الشريعة
بشكل أوسع، وأن يدرس بجانب الفقه
الحنبلي المذاهب الفقهية الأخرى،
لتحدث ثراء وتنوعا فكريا وثقافيا، لأن
الثقافة الأحادية هي التي أودت
بالمملكة إلى هذه المرحلة الخطيرة.
وعلى
الجماعات الجهادية أن تكون واعية بشكل
كبير أنه يمكن أن تقوم بعمل تظنه في
الظاهر جهادا في سبيل الله، وهو في
حقيقته تخريبا لبنية المجتمع الذي
يمكن أن تكون فيه خطوات واسعة للإصلاح،
وأن العمالة مع المحتل الأجنبي لا
يشترط أن تكون مباشرة، بل قد تكون
موجودة بلا مباشرة معهم، من خلال تحقيق
مخططهم من تفتيت وحدة المجتمع.
ولعل رفض هارون عليه السلام محاربة بني
إسرائيل لما عبدوا العجل، كان من أجل
المحافظة على الوحدة في المجتمع،
والتريث لشورى موسى عليه السلام،
والتفكير في وسائل أكثر جدوى من القتال
الذي قد يفتك بالجميع، وتترك الأرض
خرابا لأعداء الله.
وعليهم
أن يراجعوا فقه الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، وأن تنفتح عقولهم على عدد
كبير من العلماء، وألا يقف الأمر على
فتوى علمائهم فحسب، فالحكمة ضالة
المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها، وأن
اعتماد مبدأ الشورى يحتم عليهم معرفة
كل الآراء واختيار الأنسب لهم، وأن
الحفاظ على وحدة المسلمين في هذه
الآونة يوجب علينا التماسك والتقارب
حكاما وشعوبا، وأن يكون ذلك من كلا
الجانبين.
ولعل
القراءة في العصر النبوي والعهد
الراشد تكون نقطة التقاء عند الجميع،
يسعى العلماء والمفكرون في إيجاد
الصورة الصحيحة، بنوع من المحايدة،
فتأخذ المرأة مكانها في المجتمع، وأن
يعرف الحاكم أنه مسئول عن رعيته، وأن
الله قد استخدمه لتحقيق مصالحهم، وأن
المعارضة البناءة لا بأس بها، م ما
دامت بشكل مسالم، وأن يسعى الجميع لرفض
شأن المجتمع الحالي؛ فيُنظر إلى
القضايا الأساسية، وُتترك القضايا
الهامشية لحينها؛ وأن يعرف الجميع ما
يحتاجه المجتمع الآن، وطبيعة المرحلة
والأزمة التي تمر بها الأمة كلها -سواء
في أرض الحجاز أو غيرها- من بلاد
الإسلام والعرب.
وأن
يتنازل الكل عن اتباع الهوى، فهو شر
إله عبد، بل نجتمع على مصلحة البلاد
والعباد وفق ما أراد الله سبحانه
وتعالى، ثم وفق ما تحتاجه أوطاننا منا،
وأن يكون هناك حوار دائم مفتوح بين
الحكومة والنخبة والشعب، وأن يرجع
لتأصيل طبيعة الجهاد وأنواعه كما
ذكرها علماء المسلمين، وعلى رأسهم
الإمام ابن القيم، وأن جهاد الحياة
أصعب من جهاد الموت، وأن هناك من
النقاط ما يمكن أن نلتقي حولها، وأن
نتعامل مع الأزمة بنوع من الحكمة
والذكاء، حتى ترسى السفينة إلى بر
الأمان.
اقرأ
أيضًا:
**
باحث شرعي
بإسلام أون لاين.نت
|