بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

رواق الأفكار

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الإسلام.. الخصوصية "المغيبة" في "إصلاح" الثماني

نبيل شبيب**

12/06/2004 

مع ازدياد تهميش موقع منظمة الأمم المتحدة وتوابعها على صعيد صناعة القرار الدولي، تحولت لقاءات الدول الصناعية الرئيسية في العالم عن هدف إنشائها الأصلي، كاجتماع تشاوري للتنسيق الاقتصادي والمالي؛ لتصبح "جهازا دوليا"، تشمل أعماله التنسيق السياسي الدولي بين أعضائه، علاوة على توسيع نطاق الهدف الاقتصادي والمالي "جغرافيا" ليشمل مختلف أنحاء العالم. على هذه الأرضية، وإلى جانب بذور توافق جديد على البُعد الأمني العسكري -كما يشير إليه الموقف من العراق- تصدرت أعمالَ قمة الثماني يومي 9 و10 يونيو 2004 المشاوراتُ حول ما أطلق عليه "مشروع إصلاح" للمنطقة الإسلامية الممتدة بين المغرب وإندونيسيا.

نلتزم بإلزامكم!

إن النظر في أي مبادرة سياسية اقتصادية أمنية ضخمة، من قبيل ما طرحته قمة الثماني يتطلب أول ما يتطلب تجريد الموضوع من "جماليات الصياغة الشكلية" الهادفة إلى تسويقه، وهي كثيرة في النص، وتدور في الدرجة الأولى حول طرح المشروع تحت عنوان "الالتزام بدعم إصلاح المنطقة"، والحديث المتكرر عن أن "الإصلاح ينبثق من دول المنطقة ولا يُفرض من خارجها"، والغرض واضح وهو نفي الطابع الغالب على المشروع شكلا ومضمونا، والقائم على "إلزام" المنطقة بالإصلاح وفق منظور الثماني، ولا يوجد مؤشر موضوعي يؤكد مصداقيةَ النفي، مقابل وجود مؤشرات موضوعية عديدة تؤكد العكس بما في ذلك ما يتحدث عنه النص نفسه؛ مما يراد انتزاعه من "ضمانات" و"تعهدات" و"التزامات"، وكذلك ما يقرره مسبقا من أشكال تنفيذية، لا تخضع للتشاور، بل وُضعت من أجل أن تشارك فيها دول المنطقة، وفق إرادة الدول الثمانية.

لا شك أن المنطقة العربية والإسلامية في حاجة "مصيرية" إلى إصلاحات جذرية، ولا يمكن إنكار أن دول المنطقة لم تتحرك حتى الآن تحركا جادا وفعالا في هذا الاتجاه، وبالتالي فإن كلمة "دعم" أو كلمة "ينبثق من الداخل" في نص المشروع الجديد لا تتطابق مع الواقع، وإلا فكيف يُدعم ما لا وجود له، ولم يسبق وضعَ المشروع مشاوراتٌ حول وضع صياغة مشتركة مثلا؛ فكيف يمكن تفسيره -بغض النظر عن رفض أطروحاته أو القبول بها- إلا أنه مشروع يراد فرضه من خارج دول المنطقة، وأن "الدعم" المذكور سيكون لمن يسير في ركابه. أما من لا يفعل فمن العسير تصور أن الدول الثماني -وعلى وجه التخصيص الدولة الأمريكية المحركة الأولى للمشروع- ستتركه وشأنه، وأنها ستتجنب ممارسة أساليب الضغوط السياسية وغير السياسية لتدفعه دفعا إلى السير مع الآخرين في ركاب مشروعها، وهذا ما لن يقتصر على "الحكومات" بل سيشمل -وفق النص نفسه- سائر ما في البلدان العربية والإسلامية من فئات وتيارات وجماعات في مختلف القطاعات.

 فمن أهم خصائص هذا التحرك الأمريكي الدولي أنه لا يريد أن يكون أحد خارج نطاق "الإلزام" بما يراد تحقيقه من خلال هذا المشروع، ولا فارق بعد ذلك بين ما يسمى "فعاليات المجتمع المدني" وما يحمل مسميات أخرى، ولا فارق أيضا بين من قد يكون لديه مشروع إصلاح ذاتي ومن لا يكون لديه ذلك.

خصوصيات "قُطرية"

الملاحظة الثانية على مشروع الثمانية الإصلاحي أنه يتحدث لِماما حول "الخصوصية الثقافية" الذاتية، ولكن ما يلفت النظر ولا يُستهان بأهميته أنه لا يتحدث عن خصوصية حضارية إسلامية شاملة ومشتركة للمنطقة بأسرها، إنما يركز على أن الدول الثماني تعتبر كل بلد "فريدا، ويجب احترام تنوعه"؛ فإذا أخذنا العراق مثالا على كلمة "بلد" وجدنا المقصود بالتنوع ما زاد التركيز عليه بعد احتلاله من حيث التعدد الطائفي بين سنة وشيعة، والقومي بين عرب وأكراد وتركمان وغيرهم، و"الاجتماعي" بين قبلي وحضري، فضلا عن التوجهات السياسية والحزبية، والأقليات الدينية، ولكن مع ضرورة احترام هذا التنوع يغيب العمل الفعال لصالح الأرضية المشتركة باعتبارها القوة المانعة من تحوله إلى تمزق وتناحر، وليس مجهولا أن العنصر المشترك بين الجميع هو الانتماء إلى الإسلام دينا لمن يؤمن به، وعنصرا تاريخيا حضاريا مشتركا للجميع، وهذه الأرضية المشتركة هي الخصوصية "المغيبة" أيضا في نص قرار الثماني بالنسبة إلى البلدان العربية والإسلامية، مثل تغييبها على أرض الواقع العراقي تحت الاحتلال.

لا يذكر النص بطبيعة الحال شيئا صريحا ومباشرا عن ذلك، ولكنه ينطلق بصورة عملية واقعية من أرضية "المرجعية الغربية"؛ فمن جهة يغيب ذكر مرجعية الخصوصية العربية الإسلامية الأشمل، ومن جهة أخرى يأتي النص على احترام الخصوصية الثقافية "القُطرية"، ثم احترام ما دون مستواها من "تنوع" في الانتماءات، وهي ما يفضي إلى ترسيخ الانقسام الانشطاري الذي بدأ في المنطقة من قبل "سايكس بيكو"، وأوصل إلى تحويلها إلى "أقاليم وبلدان وتيارات" بدلا من عمل "إصلاحي" حقيقي للتغلب على هذه التفرقة بالذات، في عصر يتميز بالتكتلات على كل صعيد.

يضاف إلى ذلك أن احترام الخصوصية الثقافية "القطرية" هذا ليس مطلقا، بل يقيده مشروع الثماني بعبارات عديدة، أبرزها القول: "غير أن التميز -على أهميته- يجب ألا يُستثمر لإعاقة الإصلاح"، والمقصود بطبيعة الحال الإصلاح كما يقرره الثماني، ومن أبرز ما يركز النص عليه هنا هو قضية المرأة والأسرة، وعند الرجوع إلى الواقع السياسي الدولي في التعامل مع المنطقة وبلدانها حاليا لا نحتاج إلى تأويل في استيعاب المقصود بهذا "الاستثناء"؛ فشمول التنوع مثلا على الدعوة إلى المنطلق الإسلامي حياة وحكما يواجه الرفض تحت عنوان "إعاقة الإصلاح" وفق رؤى الثماني، وسيان هل يكون الرفض آنذاك صريحا مباشرا، أم تحت عناوين أخرى كالأصولية، أو التعصب، أو غير ذلك مما يرتبط بتسويق القرار أكثر من مضمونه.

أمر آخر يرتبط بالخصوصية، ويتطلب التنويهُ به التأكيدَ أولا أن قضية المرأة في البلدان العربية والإسلامية هي جزء من قضية "الإنسان" نفسه، ويجب التعامل معها من منطلق ضمان الحقوق والحريات كاملة لكل إنسان، ذكرا كان أو أنثى، في مختلف الميادين. ونعلم أيضا أن من أبرز ما أظهرته المؤتمرات العالمية الكبرى بهذا الصدد استمرار استهدافِ هذا الجزء الأهم من الخصوصية الثقافية والاجتماعية والحضارية في البلدان العربية والإسلامية.

وهنا نجد أن مشروع الثماني لا يترك بندا من البنود دون التركيز على ذكر المرأة فيه، وصحيح أن هذا يشمل أيضا مسائل بديهية، كالتعليم والعمل والحريات، ولكن المقصود من هذه "البديهيات" أيضا مقيد بالمفهوم وبالواقع الغربي على هذه الأصعدة، وليس في النص ما يشير إلى مراعاة التناقض بينه وبين المفهوم الخصوصي الثقافي لموقع الأسرة والمرأة والعلاقات الاجتماعية في منظومة قيم المنطقة العربية والإسلامية، وغيابُ ذكر ذلك عن النص جنبا إلى جنب مع ذكر ما يرتبط بالمرأة بتكرار مبالغٍ فيه ويلفت النظر، يؤكد أن واضعيه لا يفكرون باحترام هذه الخصوصية أو التوقف عن ممارسة الضغوط المتوالية ليكون المجتمع العربي والمجتمع الإسلامي نسخة من المجتمع الغربي.

الاندماج عبر الإصلاح

الملاحظة الثالثة مرتبطة بما يمكن اعتباره "جوهر المشكلة" بين المنطقة الإسلامية والقوى الدولية المتمثلة في قمة الثماني؛ وهو ما كان ولا يزال أحد العوائق الرئيسية في وجه قيام علاقات متوازنة، وكذلك في وجه تعبئة القوى المحلية لتحقيق إصلاح يُنهي مفعول الهيمنة الخارجية والتبعية الداخلية.

لقد سبق أن فرضت القوى الدولية "الوجود الإسرائيلي" في قلب المنطقة بالقوة، وجعلت القبول به -رغم توسعه العدواني المستمر- والقبول بهيمنته الإقليمية عبر ترسيخ الخلل في موازين القوى.. جعلت ذلك أحدَ المعايير الأساسية لعلاقاتها بكافة دول المنطقة. وأخفقت مؤخرا مسيرة مدريد أوسلو في تمرير مشاريع رافقتها للقبول بذلك الوجود الإسرائيلي "الاندماجي المهيمن" على مستوى الشعوب والمجتمعات لا الحكومات فقط، وهنا يتخذ مشروع الثماني مكانه في السياق التاريخي للأحداث والتطورات؛ كمحاولة جديدة أشمل وأوسع نطاقا من سابقاتها، وأعرض قاعدة على المستوى الدولي، وأبعد هدفا من حيث أساليبها ووسائلها؛ لتحقيق ما لم يتحقق من قبل على صعيد "الاندماج المهيمن" المطلوب.

لا يتحدث النص مباشرة عن "مشاركة إسرائيلية" في الخطوات التفصيلية للإصلاح، ولكن عدم الحديث عنها يأتي في سياق أن "هذا أمرٌ مفهوم من نفسه" فلا حاجة لذكره!.. ويؤكد ذلك مثلا النص على ضرورة التحرك جنبا إلى جنب في دعم الإصلاح وفي التوصل إلى "تسوية عادلة وشاملة ودائمة للنزاع العربي الإسرائيلي"، وإلحاق ذلك بتأكيد أن الإصلاحات "يمكن أن تساهم إسهاما كبيرا" في هذا الاتجاه.

ويتكرر هنا ما سبق ذكره على صعيد "الخصوصية" من حيث رفض اعتبار هذا النزاع عائقا في وجه الإصلاح كما يقرره المشروع، وقد يبدو للوهلة الأولى أن المقصود هو "تطمين" الحكومات العربية التي تطرح الموضوع من هذه الزاوية، إلا أن النص أقرب إلى "التهديد" منه إلى التطمين؛ بمعنى المطالبة بالمشاركة في المشاريع المعنية التي يمكن أن توضع تحت عنوان الإصلاح، مثل قضايا الاستثمار والتجارة وغيرها، أو بتعبير آخر ما يُسمى "التطبيع"، وعدم رفض ذلك بحجة استمرار ما يجري على الأرض ال فلسطين ية مثلا، كما يصنع بعض دول المنطقة دون بعضها الآخر.

ينبغي التمييز هنا بدقة بين اتخاذ بعض الأنظمة المحلية من قضية فلسطين لزمن طويل حجة لتبرير "حكم استبدادي" بدعوى التعبئة، وبين رفض مشروع الثماني اعتبار تأخر "التسوية" حجة للامتناع عن "التطبيع".. وينبغي أيضا التأكيد أن هذين الموقفين معا لا يبرران تبريرا مقبولا أي عرقلة أو تأخير للتحرك الذاتي من أجل إصلاح حقيقي مطلوب في دول المنطقة.

الجدير بالتنويه أن التعامل الخاص مع القضية ال فلسطين ية يجد ما يشابهه في مشروع الثماني بالنسبة إلى قضيتي أفغانستان والعراق تحديدا؛ حيث يستثنيهما نص المشروع بعبارة موجزة تتحدث عن "إجراء مثل هذا التقدم في أفغانستان والعراق عبر جهودنا المتعددة في مجال إعادة الإعمار"، وهو ما يعني إعطاء الأولوية لِما يتم الاتفاق عليه بين الدول الثماني وسواها على مستويات أخرى، بشأن البلدين الواقعين تحت الاحتلال.

المجتمعات المستهدفة

الملاحظة الرابعة والأخيرة ترتكز على أن النص يكشف عن عزم أصحاب المشروع أن يتجاوزوا البنية الهيكلية الحالية لدول المنطقة تجاوزا كاملا، والوصول مباشرة -رغم الاستقلال والسيادة- إلى الاتصال المباشر بسائر الفعاليات المحلية والداخلية، بدءا بالميادين المالية والاقتصادية والتجارية، وانتهاء بمجالات التعليم والثقافة ومكافحة الأمية، وحتى قطاع الفنون، فضلا عن "فعاليات المجتمع المدني".

ومع كل التأكيد أن الإصلاح الحقيقي "الذاتي" يتطلب رفع القيود وتعبئة الطاقات على سائر هذه الأصعدة وسواها؛ لتحقق الشعوب أهدافها الذاتية، وتعبر عن نفسها وإرادتها في عملية بناء مستقبلها، إلا أن هذا "الإصلاح الخارجي" يتخذ طريقا آخر..

يدور الحديث في المشروع عن ربط مليوني مشروع صغير، وتأهيل 100 ألف معلم، وتدريب 250 ألف شاب، وحلقات دراسية للمديرين التنفيذيين خصوصا بين النساء.. وجميع ذلك، وأمثاله كثير؛ يعني التغلغل داخل بنية "المجتمعات"، والوصول إلى النخب والفعاليات الشعبية، والسعي لتكوينها وفق رؤية "مشروع الثماني"؛ وهو ما سينطوي -مهما بلغت جماليات الصياغة من البراعة في تأكيد احترام الخصوصية.. أي خصوصية- على تطبيق عملية انتقائية، في كل مشروع صغير وكبير يستحق التنفيذ أو الدعم أو لا يستحق، وفي كل تنشيط لفعالية شعبية كبيرة أو صغيرة أو منع التنشيط عن أخرى، وقد تصل عملية التوجيه الانتقائية إلى ما هو أبعد من ذلك من إجراءات أمنية مثلا، ليمكن الوصول إلى قوالب متوافقة بأهدافها وأساليبها ووسائلها لصناعة مستقبل البلد المستهدف مع أغراض واضعي المشروع أنفسهم.. برؤاهم الذاتية، وخصوصياتهم الذاتية، وتصوراتهم المستقبلية الذاتية.

يصعب هنا القول بأن معالم المستقبل ستكون آنذاك من إنتاج قمة الثماني ورؤاها، ولكن على طريق نهضة حضارية عربية إسلامية في المنطقة العربية الإسلامية، وستدعم تحرير الإرادة السياسية وغير السياسية، الفردية والجماعية، على مستوى الشعوب والحكومات، من القيود التي كانت في الماضي وما تزال هي العقبة الكبرى في وجه أي إصلاح جاد.

إن في مقدمة تلك القيود ما تصنعه التبعية الداخلية والهيمنة الخارجية، وهي التي يجب التخلص منها لصناعة المستقبل ذاتيا، سواء وجد مشروع الثماني أم لم يوجد.

اقرأ أيضًا:


** كاتب عربي مقيم بألمانيا

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع