|
آسيا
المتنامية: ماذا أعدت أمريكا لها؟*
|
|
جيمس
إف. هوج **
ترجمة
وتحرير: سالي هاني***
|
04/08/2004
|
يتم
انتقال القوة من الغرب إلى الشرق بخطى
حثيثة قد تؤدي إلى تغيرات على نحو
مأساوي في سياق التعامل مع التحديات
الدولية. فأغلب دول الغرب على وعي تام
بقوة آسيا المتنامية، بيد أن هذا الوعي
لم يصاحبه حتى الآن الاستعداد اللازم؛
وهنا يكمن الخطر.. من أن يقع الغرب في
نفس أخطاء الماضي.
إن
تحوّل القوى بين الدول -ولسنا هنا بصدد
الحديث عن الأقاليم- عادة ما يتم على
نحو متقطع، ونادرًا ما يتم على نحو
سلمي. ففي مطلع القرن العشرين، فشلت كل
من ألمانيا واليابان في تكييف
نفسيهما، وكانت المحصلة صراعا أدى إلى
تخريب أجزاء كبيرة من العالم. أما
اليوم فإن تحولات النظام الدولي تتم
على نطاق أوسع وتحتاج إلى فهم جيد
للأوضاع السياسية والثقافية المختلفة
من مكان إلى آخر. وتأمل دول آسيا -المكتظة
بالسكان- في أن تلعب دورا أكبر في هذا
الزمان. فكما لعبت اليابان وألمانيا
هذا الدور من قبل، تأمل هذه القوى
الآسيوية المتنامية أن تتشح برداء
الماضي وأن تجد لها مكانا تحت الشمس.
وتستخدم
آسيا في ذلك اقتصادها المتنامي الذي قد
يترجم في بعض الأحيان إلى قوى عسكرية
وسياسية تزيد من حجم الدمار داخل
الإقليم. وليس أدل على ذلك من تايوان،
وشبه الجزيرة الكورية، وكشمير المفتتة
التي تحدت جميع الحلول السلمية
لمشاكلها.. (تلك الدول التي لم تفضل
الحلول السلمية لمشاكلها). فأي من هذه
المناطق قد يستفحل داخلها الصراع
بصورة تجعل الصراع في الشرق الأوسط
يبدو صراعا ثانويا. باختصار:
إن تحديات آسيا تعد أكبر من قدرات
الغرب.
الصين..
ماكينة الوقود
وتبدو
الصين القوة الأبرز داخل آسيا، ولكنها
ليست الوحيدة؛ فهناك الهند وباقي دول
آسيا التي وصلت لمعدلات نمو مشابهة لما
وصلت إليه دول غربية عريقة في عقود
متواصلة من العمل. فاقتصاد الصين يزداد
سنويا بمعدل 9% والهند بمعدل 8%، أما
باقي نمور آسيا فقد تخطت أزمة 1997
المالية، وواصلت سيرها قدما. ويتوقع أن
يصل اقتصاد الصين إلى ضعف حجم اقتصاد
ألمانيا عام 2010، بل وأن يتجاوز اقتصاد
اليابان -ثاني أكبر قوة اقتصادية
عالمية- عام 2020. أما الهند فلو استطاعت
أن تسجل نموا اقتصاديا بمعدل 6% لمدة 50
عاما -كما تشير بعض الإحصاءات
الاقتصادية- فإنها قد تساوي أو تتجاوز
اقتصاد الصين في تلك الفترة.
ويتوقع
أن يستمر النمو المذهل لاقتصاد الصين
لعدة عقود، ذلك إذا ما استطاعت أن
تعالج ذلك التمزق الهائل داخلها جراء
الهجرة السلبية، ومعدلات البطالة
العالية، والدين العام، والفساد
المستشري. كما قد تواجه الصين تحديا
محوريا أثناء انتقالها لاقتصاد السوق،
بسبب معدلات التضخم المتزايدة،
والمشاريع العقارية الممتدة، والنقص
المتزايد في المصادر الأساسية
كالمياه، والكهرباء، والبترول،
والمواد الخام. وبالرغم من القطاع
المصرفي المتهالك، تحاول الصين تشجيع
القروض البنكية، ورفع قيمة عملتها
الوطنية بالمقارنة بالدولار. وإذا لم
تنجح محاولة الصين لتحسين أوضاع
اقتصادها -الذي هو أكبر وأقل مركزية
مما كان عليه منذ 10 أعوام- فسوف تنهار
أسطورة التنين.
ولا
ينتهي الوضع عند هذا الحد، فاقتصاد
الصين -التي تعد لاعبا بارزا في
الاقتصاد الدولي- يرتبط على نحو وثيق
بالنظام الدولي العام.
فالصين ما هي إلا ماكينة تقود
الاقتصادات الآسيوية المتعافية من
أزمة التسعينيات. وقد أصبحت اليابان،
على سبيل المثال، المستفيد الأول من
تنامي اقتصاد الصين، بل وتدل
إحصاءاتها الاقتصادية على ذلك؛
فالأرقام الرسمية الأخيرة تشير إلى أن
معدل الدخل القومي الحقيقي كان قد زاد
بمعدل 6.4% في الربع الأخير من عام 2003 وهو
المعدل الأعلى منذ عام 1990. وقد تخرج
اليابان -بفضل الصين- من عقد التوعك
الاقتصادي الذي مرت وما زالت تمر به،
إلا أن هذا مرهون بمدى صمود اقتصاد
الصين.
وتلوح
الهند أيضا على مستوى الرؤية. فبالرغم
من تعرج مشروعها للإصلاح الاقتصادي
فإن المنحنى كان قد شهد تصاعدا واضحا،
مسيّرا بازدهار قطاع الأعمال وصناعة
البرمجيات ذات الصلة باقتصاديات الدول
المتقدمة. وبالرغم من عدم كفاءة
القوانين الهندية فإن استمرار الإصلاح
الاقتصادي الجزئي -على مدار ربع قرن-
كان قد سمح ببزوغ قطاع خاص فعال، ناهيك
عما قدمه النجاح الاقتصادي من تغيير في
الفكر العام. فبعد 50 عاما لم يعد أغلب
الهنود ينظرون إلى أنفسهم كضحايا
الاستعمار الغربي.
أصول
النجاح
ما
زال تصاعد آسيا في مهده، وإذا استطاعت
تلك القوى الإقليمية تحسين سياساتها -مع
الحفاظ على اقتصاداتها- فإنها ستظل قوة
اقتصادية كبرى لعقود، إلا أن النجاح
مرتبط بعدة تحديات، أولها وأهمها
العلاقة بين اللاعبين الأساسيين.
فعلى سبيل المثال، لم تشهد كل من الصين
واليابان صعودا متزامنا، حيث كانت
الصين هي الأقوى إلى أن بزغ نجم
اليابان؛ وعليه فتحول الدولتين إلى
قوتين متنافستين في ذات الوقت يعد
تحديا غير مسبوق. ومن جهة أخرى، لم تحل
كل من الصين والهند صراعهما الحدودي
البالغ من العمر 42 عاما الذي يعد سببا
في فقد الثقة بينهما. والسؤال هو: هل
يمكن لهذه القوى الثلاث أن تتعايش معا
أم أنها سوف تتناطح للسيطرة على آسيا؟
إن
الطامحين الثلاثة متورطون في صراعات
حدودية متفجرة، يلعب فيها كل منهم
بورقة ضغط مختلفة.
فهناك من يلوح بورقة الرعايا المقيمين
داخل حدوده، وهناك من يؤثر في المؤسسات
الاقتصادية الهشة أو يساهم في استشراء
الفساد داخل الدولة الأخرى، وهناك من
يضغط بورقة الاختلافات العرقية. علاوة
على ذلك، ما تزال الأزمات المحلية سببا
في تفجر المواجهات الدولية، فبالرغم -مثلاً-
من تنامي الروابط الاقتصادية
والاجتماعية بين تايوان والصين فإن
العلاقات السياسية ما تزال متعكرة.
أما
كشمير فما تزال مقسمة بين الهند
وباكستان النوويتين، ومنذ عام 1989 حصد
الصراع بينهما حياة 40.000 ضحية. وبالرغم
من خفوت حدة الصراع مؤخرا فإنه لا يلوح
في الأفق أي نية للتسوية من أي من
الجانبين، كما يمكن للاضطراب
الاقتصادي والسياسي الباكستاني أن
يجدد الصراع مرة أخرى.
ولا
ننسى كوريا الشمالية، فتحت رعاية
صينية عقدت عدة جولات بمحادثات سداسية
-باءت بالفشل- لإقناع كوريا بخفض
برنامجها النووي مع وعد بضمانات أمنية
ومساعدات اقتصادية. وفي المقابل، أدت
هذه المحادثات إلى تصاعد عداوة كوريا
الشمالية للولايات المتحدة والصين، في
وقت تشير فيه بعض الأدلة إلى أن قدرة
كوريا الشمالية النووية أكبر مما كان
متخيلاً.
إعادة
نظر في الأولويات
سعت
الولايات المتحدة -لما يزيد عن نصف قرن-
لتعزيز الاستقرار في منطقة المحيط
الهادي من خلال تواجدها العسكري هناك،
وتحالفها مع اليابان وكوريا الجنوبية،
وتعهدها برعاية عجلة النمو الاقتصادي.
وفي أوائل فترة الإدارة الحالية، عقد
الرئيس بوش النية على
تقوية العلاقات الأمريكية الصينية لتصبح
منافسا إستراتيجيا وليس شريكا محتملا،
بيد أن تغير الأحداث -وخاصة هجمات
الحادي عشر من سبتمبر- غيّر أيضا من
اهتمامات السياسة الأمريكية ليزداد
المأمول من كوريا الشمالية -على
سبيل المثال- عما كان في الماضي.
أما
اليابان فتشعر حاليا بعدم الأمان في
وقت تواجه فيه قوة صينية متصاعدة،
وبرنامجا نوويا كوريا متناميا، وتوترا
تايوانيا متزايدا؛ الأمر الذي حدا بها
إلى إقامة نظام دفاعي صاروخي مع
الولايات المتحدة يعد مزعجا في نظر دول
الجوار المتخوفة من أن يصل الوضع إلى
ميلاد ترسانة نووية يابانية مستقلة.
ولا تنتهي القصة عند هذا الحد، بل إن
الاحتمال الأسوأ ينبع من داخل
الولايات المتحدة نفسها المتوجسة من
حدوث تحالف إستراتيجي بين الصين
واليابان بدلاً من إقامة علاقة
متوازنة مع الولايات المتحدة. ولمنع
حدوث ذلك، يتعين على واشنطن إحباط أي
محاولة للتشكيك في متانة العلاقات
الأمريكية اليابانية.
ومع
كل هذا لا يتوقع أن تتحول اليابان -بوضعها
الاقتصادي الحالي ومشاكلها
الديموجرافية- إلى قوة آسيوية جديدة.
فهذا الدور قد يئول إلى الصين ومن
بعدها الهند، الأمر الذي يعني ضرورة
التركيز على طبيعة العلاقة بين هذين
العملاقين مستقبلاً. وتطبق
الولايات المتحدة حاليا إستراتيجية
مفادها الوصول إلى آسيا الوسطى
اعتمادا على حربها ضد الإرهاب، إلا أن
الدراسات الصينية تتشكك في النوايا
الأمريكية المعلنة، خاصة عندما يتطرق
الحديث إلى زيادة الترابط العسكري
الهندي الأمريكي التي تراه محاولة
لتطويق بكين داخل القارة.
ومن
جانبها تقوم الصين بتحديث قوتها
العسكرية للتفوق على تايوان من جهة،
وللحد من التوغل الأمريكي في آسيا من
جهة أخرى. وبالنسبة لبعض المتشككين
الأمريكيين فإن زيادة النفقات
العسكرية الصينية يعد دليلا على عقد
بكين النية لإضعاف التواجد الأمريكي
في شرق آسيا؛ الأمر الذي يفسر تلهف
الولايات المتحدة لاستخدام الهند كقوة
موازنة للصين داخل آسيا. ولتقلد هذا
الدور، ينبغي على الهند إسراع وتيرة
الإصلاح الاقتصادي وتجنب تصاعد
التوترات من جانب القومية الهندوسية -التي
خاب أملها في الانتخابات البرلمانية
الأخيرة- والالتزام بالنهج العلماني
في الحكم لإحباط أي محاولة لوصول
الإسلاميين المتشددين للسلطة الذين
يعدون تهديدا حقيقيا في وسط وجنوب شرق
آسيا. فالحكومات الضعيفة -الفاسدة- هي
تربة خصبة لتفريخ الجماعات المتشددة
التي تتصل مع بعضها البعض من خلال
شبكات تبادل التمويل والعمليات.
وتشير
استطلاعات الرأي الأخيرة إلى ارتفاع
نسبة معاداة الأمركة بين الإسلاميين
المتشدديين بسبب سياسة الولايات
المتحدة في العراق والدعم الأمريكي
لحكومة شارون. فما تزال صور إساءة
معاملة الأسرى العراقيين منطبعة في
عقول المسلمين على امتداد دول العالم؛
ومع هذا فقد تتمكن الولايات المتحدة من
تقوية المد الإصلاحي في العالم
الإسلامي بحزمة من سياسات التغيير
وتفعيل الدبلوماسية الشعبية. فلا
يكفي فقط إقامة إذاعة أو قناة
تلفزيونية لتحسين صورة الولايات
المتحدة في الشرق الأوسط، ولكن عليها
استكمال النقص، من خلال فتح مكتبات
ومراكز ثقافية، ورعاية برامج للتبادل
الطلابي.
الحاجة
إلى التغيير
يتطلب
تواؤم الولايات المتحدة مع تحولات
القوى الآسيوية تغييرا في أسلوب
تعاملها داخل القارة.
فبالرغم من الأرقام الهائلة فإنه -وبالنزول
إلى أرض الواقع- نجد أن عدد العاملين
داخل سفارة الولايات المتحدة ببكين
يقدر بحوالي نصف عدد العاملين بسفارة
الولايات المتحدة ببغداد. من جهة أخرى،
لا يدرس اللغات الآسيوية من الأمريكان
سوى بضعة آلاف فقط في الوقت الذي نجد
فيه ما يزيد على 50.000 طالب صيني داخل
المدارس الأمريكية.
وبنظرة
مستقبلية، يتعين على الولايات المتحدة
عقد اتفاقات أمنية داخل آسيا لمحاربة
الإرهاب، ولنزع أسلحة الدمار الشامل.
وعلى المستوى الدولي، لا بد أن ينعكس
صعود نجم آسيا في داخل المؤسسات
الدولية كمجلس الأمن. فقد آن الأوان
لأن يُظهر هذا الكيان الحيوي القوى
الحقيقية في العالم، وليس مجرد أبطال
الحرب العالمية الثانية. وما قيل على
الأمم المتحدة، ينسحب بدوره على باقي
الأجهزة الدولية؛ فكفاءة ومصداقية
الأجهزة الدولية تعتمد بالأساس على
مراعاة التغيرات العالمية، وعندئذ
يمكن تحقيق السلام الدولي.
اقرأ
أيضًا:
آفاق
الاحتلال الأمريكي لآسيا الوسطى
الشرق
الأقصى.. حكومات تؤيد والشعوب تعارض
الصين
والحرب الأمريكية ضد المستقبل
الصين..
المد الأصفر قادم!!
*مجلة "الفورين آفيرز" – عدد
يوليو/أغسطس 2004
A
Global Power Shift in the Making
**صحفي
أمريكي
***باحثة
ماجستير بكلية الاقتصاد والعلوم
السياسية- جامعة القاهرة.
|