|
معاداة الإسلام للحفاظ على هوية أمريكا*
|
|
عرض: علاء بيومي**
|
28/08/2004
|
|

|
|
غلاف الكتاب
|
إذا
كان العرب والمسلمون قد استقبلوا كتاب
المفكر والأكاديمي الأمريكي المعروف
صموئيل هنتنجتون قبل الأخير "صدام
الحضارات" بالقلق والرفض الواسعين
لترويجه فكرة أن الصراع العالمي
القادم سوف يكون صراعًا بين الحضارة
الغربية من ناحية وحضارات الشرق وعلى
رأسها الإسلام من ناحية أخرى، فإنه حري
بهم الانتباه لنظرية أخطر يروجها
هنتنجتون في كتابه الجديد "من نحن؟
تحديات الهوية الوطنية الأمريكية"
الصادر في مايو/ أيار 2004 بالولايات
المتحدة؛ نظرًا لما ينادي به هنتنجتون
بمعاداة الإسلام كدين وحضارة من أجل
إعادة تشكيل الهوية الوطنية الأمريكية
والحفاظ عليها خلال الفترة الراهنة
وفي المستقبل المنظور.
فرغم
أن هنتنجتون لا يرى في كتابه الجديد أن
الإسلام هو أحد التحديات الأساسية
التي أدت إلى تراجع شعور الأمريكيين
بهويتهم الوطنية خلال العقود الأخيرة،
فإنه يرى أن العداء للإسلام والحضارة
الإسلامية قد يساعد بشكل كبير في تحقيق
التفاف الأمريكيين المنشود حول هويتهم
الوطنية في المستقبل المنظور.
مصادر
الهوية الوطنية الأمريكية
يرفض
هنتنجتون في كتابه فكرة أن الولايات
المتحدة هي مجتمع من المهاجرين متعددي
الأعراق والإثنيات والثقافات، ويرى
على النقيض أن الأمريكيين الذين
أعلنوا استقلال أمريكا عن الاستعمار
البريطاني في أواخر القرن الثامن عشر
الميلادي كانوا مجموعة متجانسة من
المستوطنين البريطانيين البروتستانت
الذين توافدوا إلى العالم الجديد من
أوربا وخاصة بريطانيا لكي يستقروا فيه
ويعمروه للأبد.
ويرى
أن هؤلاء المستوطنين وضعوا بذور
المجتمع الأمريكي انطلاقًا من مبادئهم
وثقافتهم الأنجلو - بروتستانتية التي
لولاها لما قامت أمريكا التي نراها
اليوم؛ ولذا يرى هنتنجتون أن لأمريكا
هوية محددة هي هوية هؤلاء المستوطنين
التي تقوم على ركائز أربع أساسية، هي
العرق الأبيض، والإثنية الإنجليزية،
والدين المسيحي البروتسانتي،
والثقافة الإنجليزية البروتستانتية.
ويعتقد
هنتنجتون أن الخصائص الأربع السابقة
انعكست بوضوح على جميع خصائص المجتمع
والدولة بالولايات المتحدة، وظلت
سائدة حتى نهاية القرن التاسع عشر
تقريبًا.
كما
يرى أن الهوية الأمريكية استفادت
تاريخيًّا من ركيزتين إضافيتين،
أولاهما الأعداء الذين حاربهم
الأمريكيون على مدى التاريخ بداية من
الهنود الحمر والمستعمرين الفرنسيين
ثم المستعمرين البريطانيين، مرورًا
بسعي الأمريكيين التاريخي المتواصل
لتمييز أنفسهم والحفاظ على استقلالهم
عن القارة الأوربية بشكل عام وعن القوى
الاستعمارية الأوربية بشكل خاص،
وانتهاء بالحرب الباردة.
وهنا
يعبر هنتنجتون بصراحة عن اعتقاده بأن
العداء للآخر يلعب دورًا أساسيًّا في
تشكل هوية أي جماعة، ويرى أن الحروب
التي خاضها الأوربيون في العصور
الوسطى وقبل بداية عصر الدولة القومية
كانت ضرورية لتشكيل هوية الدول
الأوربية المختلفة.
أما
ثانية الركيزتين الإضافيتين فهي عقيدة
الأمريكيين السياسية، فلكي يميز
الأمريكيون أنفسهم عن أجدادهم
البريطانيين سعوا -كما يعتقد هنتنجتون-
لنشر ثقافة سياسية مستقلة ومتميزة عن
ثقافة الأوربيين الإقطاعية
والتمييزية التي اضطرتهم إلى ترك
أوربا للأبد والفرار بمعتقداتهم إلى
الولايات المتحدة، ومن أهم عناصر هذه
العقيدة السياسية مبادئ الحرية
والمساواة والديمقراطية النيابية
واحترام الحقوق والحريات الدينية
والمدنية وسيادة حكم القانون.
تحديات
الهوية الوطنية الأمريكية
في
المقابل يرى هنتنجتون أن الهوية
الأمريكية واجهت خلال العقود الأخيرة -خاصة
في النصف الثاني من القرن العشرين-
عددًا من التحديات الضخمة التي أضعفت
من التفاف الأمريكيين حول هويتهم بشكل
يمثل تهديدًا لبقاء الهوية الأمريكية
واستمرارها، ومن أهم التحديات التي
رصدها هنتنجتون ما يلي:
أولاً:
التقدم في وسائل الاتصالات والمواصلات
والذي أدى -كما يرى- إلى ربط المهاجرين
الجدد إلى الولايات المتحدة
بمجتمعاتهم القديمة بشكل قوي وغير
مسبوق، ما أضعف من اندماجهم بالمجتمع
الأمريكي وسهل عملية تواصلهم مع
مجتمعاتهم الأصلية وشجع المهاجرين
الجدد على الحفاظ على ثقافاتهم
الأصلية وهوياتهم الأجنبية ومحاولة
نشر هذه الهويات بين أبناء بلدانهم في
أمريكا.
على
صعيد آخر يرى هنتنجتون أن تقدم أدوات
الاتصال والمواصلات وقوى العولمة أدى
إلى انفتاح النخب الأمريكية
الاقتصادية الكبرى بشكل غير مسبوق على
العالم، ويرى أن هذه النخب بدأت في
تكوين هويات فوق - قومية تتخطى الهوية
الأمريكية؛ إذ تنظر هذه النخب
والهيئات لهوياتها -بشكل متزايد- نظرة
عالمية ترتبط بمصالحها الاقتصادية
المنتشرة عبر بقاع العالم.
ثانيًا:
نفوذ الليبراليين الأمريكيين
وثقافتهم التعددية؛ إذ ينتقد هنتنجتون
اليسار الليبرالي الأمريكي ودعواته
المستمرة للتعددية ومراجعة الذات
الأمريكية والغربية التي ساعدت على
نمو هويات فرعية أمريكية عديدة
وانتشارها وعلى رأسها هويات الأفارقة
الأمريكيين واللاتينيين الأمريكيين.
كما
وقف اليسار الأمريكي موقفًا ناقدًا
للثقافة الأنجلو - بروتستانتية خاصة
تجاه الجانب الديني منها، ونادى
الليبراليون بشكل متكرر بسيادة قيم
العلمانية وفصل الدين عن الدولة وعن
الحياة العامة الأمريكية، ما أضعف
المكون الديني المسيحي للهوية
الأمريكية.
ثالثًا:
ينتقد هنتنجتون سياسات الهجرة
الأمريكية الحديثة التي ساعدت على
تدفق ملايين المهاجرين إلى أمريكا منذ
الستينيات دون وضع ضمانات كافية لدمج
وصهر موجات الهجرة الجديدة في ظل ثقافة
التعددية التي سعى اليسار الليبرالي
الأمريكي بقوة لنشرها منذ النصف
الثاني للقرن العشرين.
كما
يقدم الكاتب نقدًا مباشرًا للهجرات
اللاتينية الأمريكية والسماح بتدريس
اللغة الأسبانية واستخدامها كلغة
ثانية رسمية في العديد من المدن
والولايات الأمريكية، وهنا يظهر قلق
هنتنجتون الخاص من المهاجرين
اللاتينيين الأمريكيين على الهوية
الأمريكية بعد أن أصبحوا يمثلون 12% من
تعداد الشعب الأمريكي؛ ونظرًا
لارتباطهم الوثيق بأوطانهم الأصلية
القريبة من الولايات المتحدة.
كما
يبدي هنتنجتون قلقًا خاصًّا تجاه من
ينادون بإقرار اللغة الأسبانية لغة
ثانية رسمية، ويرى أن ذلك يُعَدّ أحد
أخطر التهديدات الموجهة للهوية
الأمريكية؛ لأنه ينذر بتحول أمريكا
لبلد ذي هوية لغوية ثنائية إنجليزية -
أسبانية.
رابعًا:
يرى أن سقوط الاتحاد السوفيتي وعدم
تبلور عدو جديد للولايات المتحدة أسهم
في ضعف التفاف الأمريكيين حول هويتهم
خاصة في أواخر القرن العشرين.
ويرى
هنتنجتون أن التغيرات الكبرى السابقة
والتحولات العديدة التي شهدها المجتمع
الأمريكي أدت إلى تراجع مصادر الهوية
الأمريكية الرئيسية، وهي الإثنية
البريطانية والعرق الأبيض والدين
المسيحي والثقافة الإنجليزية –
البروتستانتية، إذ ساعدت الهجرات
الأوربية العديدة غير الإنجليزية -كالألمان
والإيطاليين وغيرهم- إلى الولايات
المتحدة على إضعاف أهمية الإثنية
البريطانية في الهوية الأمريكية،
وأضعفت دعاوى التعددية والعلمانية دور
الثقافة المسيحية، كما أضعفت ثورات
الحقوق المدنية دور العرق أو العنصر
الأبيض كمصدر للهوية. وإن كان هنتنجتون
يرى أن العنصرية ما زالت قوية وحية
وتمثل عامل تمييز أساسيًّا داخل
المجتمع الأمريكي، خاصة على المستوى
الاقتصادي والسياسي، حيث يبرز نفوذ
الأمريكيين البيض.
سيناريوهات
أربعة لمستقبل الهوية الأمريكية
يرى
هنتنجتون أن التحديات السابقة يمكن أن
تؤدي إلى واحد من التبعات الأربع
التالية على الهوية الأمريكية في
المستقبل:
أولاً:
فقدان الهوية الأمريكية وتحول أمريكا
إلى مجتمع متعدد الثقافات والأديان مع
الحفاظ على القيم السياسية الأساسية،
ويرى أن هذا السيناريو يفضله كثير من
الليبراليين الأمريكيين، ولكنه
سيناريو مثالي يصعب تحققه.
ثانيًا:
تحول أمريكا إلى بلد ثنائي الهوية (إنجليزي
- أسباني) بفعل زيادة أعداد ونفوذ
الهجرات اللاتينية الأمريكية.
ثالثًا:
ثورة الأمريكيين البيض لقمع الهويات
الأخرى، ويرى أن هذا السيناريو احتمال
قائم ويدرس إمكانات وقوعه ودوافعه
بالتفصيل خلال الفصل قبل الأخير من
كتابه.
رابعًا:
إعادة تأكيد الهوية الأمريكية من قبل
الجميع والنظر لأمريكا كبلد مسيحي
تعيش به أقليات أخرى تتبع القيم
الأنجلو - بروتستانتية والتراث
الأوربي والعقيدة السياسية الأمريكية
كأساس لوحدة كافة الأمريكيين.
الإسلام
يشكل مستقبل الهوية الأمريكية
في
مقابل هذه التهديدات والسيناريوهات
يطرح هنتنجتون رؤية بديلة لإعادة بناء
الهوية الأمريكية تقوم على استشراف
بعض التغيرات الجذرية الإيجابية
الطارئة على المجتمع الأمريكي في
الفترة الأخيرة التي من شأن تأكيدها
عودة الروح للهوية الوطنية الأمريكية.
ويعني
هنتنجتون بهذه التغيرات تحولين
أساسيين: أولهما عودة الأمريكيين
للدين المسيحي وزيادة دور المسيحية في
الحياة العامة الأمريكية، والآخر
الدور الذي يمكن أن يلعبه الإسلام كعدو
أساسي جديد لأمريكا.
في
ما يتعلق بدور المسيحية يرصد الكاتب
مظاهر الصحوة الدينية في الولايات
المتحدة خاصة خلال عقد التسعينيات،
وهي صحوة سادت مختلف الطوائف الدينية
الأمريكية وعلى رأسها الجماعات
الإنجليكية التي زادت بنسبة 18% خلال
التسعينيات ونجحت في بناء عدد كبير
ومؤثر من المؤسسات السياسية.
ويؤكد
هنتنجتون حقيقة أن المجتمع الأمريكي
هو أكثر المجتمعات الأوربية تدينًا
مما يجعله أرضًا خصبة لعودة الدين،
خاصة بعد أن ضاق الأمريكيون بشكل
متزايد منذ الثمانينيات بالمشاكل
الأخلاقية التي انتشرت في مجتمعهم.
ويقول:
إن هناك عودة عامة للدين في أمريكا
انعكست على الروايات الأمريكية وظهرت
في الشركات والمؤسسات الاقتصادية، كما
أثرت على الحياة السياسية، مشيرًا إلى
الحضور الكبير للقضايا الدينية
والمتدينين في إدارة الرئيس الأمريكي
الحالي جورج دبليو بوش.
ويبشر
بأن العودة للمسيحية -التي تُعَدّ أحد
الركائز الأساسية للهوية الأمريكية-
تمثل عاملاً هامًّا في دعم الهوية
الأمريكية ونشرها خلال الفترة الراهنة.
كما
أن الصحوة الدينية -وفقًا لتحليل
هنتنجتون- تصب مباشرة في الدور المساعد
الذي يمكن أن يلعبه الدين على الساحة
الدولية وخاصة في تعريف عدو أمريكا
الجديد وهو الإسلام.
وهنا
يرى أن عداء أسامة بن لادن لأمريكا هو
عداء ديني، وأن الأمريكيين لا يرون
الإسلام على أنه عدو لهم، ولكن "الإسلاميين
المسلحين، المتدينين منهم
والعلمانيين، يرون أمريكا وشعبها
ودينها وحضارتها أعداء للإسلام"،
ونتيجة لذلك يرى هنتنجتون أن "البديل
الوحيد للأمريكيين هو أن ينظروا
لهؤلاء الإسلاميين المسلحين بأسلوب
متشابه".
ثم
يبدأ في وصف نفوذ الإسلاميين المسلحين
ويقول: إنهم كونوا شبكة دولية لها
خلايا عبر العالم، وإنهم يدخلون
الانتخابات في بعض الدول ويسعون
لتجنيد مسلمي الغرب ويتخذون المساجد
كقواعد وغطاء لهم.
كما
يقول: إن الإسلاميين المسلحين يختلفون
عن السوفيت في أنه لا توجد دولة واحدة
تضمهم، كما أنهم لا يسعون لتقديم بديل
سياسي واقتصادي عالمي للغرب كما فعل
السوفيت؛ وذلك لأن هدفهم الأساسي هو
تدمير الغرب.
ثم
يبدأ هنتنجتون في توسيع تعريفه للعدو
الإسلامي أكثر فأكثر، فيقول: إن
المسلمين دخلوا في العقود الأخيرة
حروبًا طالت البروتستانت والكاثوليك
ومسلمين آخرين وهندوسًا ويهودًا
وبوذيين وصينيين، وإن المسلمين حاربوا
في كوسوفا والبوسنة والشيشان وكشمير
وفلسطين والفلبين، وإن مشاعرهم
السلبية تجاه أمريكا زادت في
التسعينيات.
ويضيف
أن الشعوب الإسلامية لم تتعاطف مع
الأمريكيين بعد 11 سبتمبر/ أيلول، وأن
عداوتها لأمريكا عميقة وليست بسبب
إسرائيل، فهي مدفونة في الحقد على
الثروة الأمريكية والسيطرة الأمريكية
والعداء للثقافة الأمريكية في شقيها
العلماني والديني.
وينهي
هنتنجتون فكرته بتوقع دخول الولايات
المتحدة حروبًا مع دول وجماعات مسلمة
في السنوات القادمة، ما يرشح الإسلام
بشكل واضح للعب دور العدو الأساسي
والكبير الذي يوحد الأمريكيين ضده.
اقرأ
أيضًا:
*نقلا عن موقع الجزيرة
**
مدير الشؤون العربية بمجلس العلاقات
الإسلامية الأمريكية (كير)
|