|
هل يتكرر سيناريو العراق مع السودان؟
|
|
محمد جمال عرفة
|
31/08/2004
|
|

|
|
هل تتسبب أزمة دارفور في فرض عقوبات علي السودان
؟
|
رغم
أن الخرطوم لا تبدو قلقة من أي عقوبات
دولية قد تفرض عليها على خلفية أزمة
دارفور اعتمادًا على تعهدات دول كبرى
بعرقلة العقوبات، وباعتبار أنها تقوم
بما عليها من واجبات لإنهاء الأزمة؛
فهناك مخاوف حقيقية من لجوء الدول
الغربية الكبرى لنفس سيناريو العراق
تجاه السودان القائم على التصعيد عبر
مجلس الأمن بقرارات متوالية تقيد
حركتها، وتدفع باتجاه التدخل العسكري
بعدما انتهت مهلة الشهر التي أعطاها
لها أول قرار لمجلس الأمن يوم 30 أغسطس
دون أن يتحقق ما طالب به المجلس
بالكامل.
ورغم
أن الحكومة السودانية أعلنت في
مناسبات عديدة أنها غير معنية بمهلة
الشهر التي منحها لها مجلس الأمن لنزع
سلاح ميليشيا الجنجويد في دارفور
ومحاكمة المسئولين عنها، وأنها ملتزمة
فقط بما سُمِّي "خريطة الطريق"
التي تم رسمها مع الأمين العام للأمم
المتحدة كوفي عنان والمفترض أن تتجدد
شهريًّا بناء على تقارير مبعوث الأمين
العام للخرطوم يان برونك.. فقد جاء آخر
تقرير أصدره منسق الأمم المتحدة
لمساعدات الإغاثة للنازحين يوم 30
أغسطس 2004 سلبيًّا للغاية، واتهم
الخرطوم بوضوح بالفشل في قمع ميليشيات
الجنجويد، والفشل في توفير الحماية
الكافية للنازحين، وهو ما يهدد
بقرارات أو عقوبات دولية، ويجعل يوم
الخرطوم القادم في مجلس الأمن هو "يوم
الحسم".
فقد
قال دينيس مكنمارا مستشار منسق الأمم
المتحدة لمساعدات الإغاثة للنازحين:
إن الهجمات لا تزال مستمرة، وتضمنت
عمليات اغتصاب جماعي نفذها رجال
الميليشيات المسلحة ضد النساء
والفتيات في دارفور. وقال: إنه برغم بعض
التحسن في وصول المساعدات الإنسانية؛
فما زال كثير من اللاجئين يعيشون في
ظروف فظيعة، و"توجد أزمة حماية في
دارفور، ولسنا قادرين على توفير
الحماية الكافية للنازحين المدنيين".
صحيح
أن هناك مؤشرات إيجابية تظهر أن قرار
مجلس الأمن القادم ربما يمدد المهلة
للخرطوم ويقلع عن فكرة العقوبات،
وإشارات إيجابية أخرى بشأن توحيد
الجبهة الداخلية عبر اتفاق شامل مع
التجمع السوداني المعارض وقوى الداخل
لمجابهة تحديات الخارج، ولكن بالمقابل
هناك "إشارات" غربية وأمريكية
مضادة لاستمرار حملة الضغط على
الخرطوم لتنفيذ مخططات جاهزة.
فمن
المؤشرات الإيجابية أن:
-
هناك تقارير عديدة لمنظمات إغاثية
أشارت إلى حصول تحسن في الحالة الأمنية
والإغاثية في دارفور، وتقرير الشهر
الماضي (يوليو 2004) لمبعوث الأمم
المتحدة في السودان قال إن هناك تحسنًا
في الحالة الأمنية والإنسانية.
-
أعلنت الخرطوم عن محاكمة العشرات من
أفراد الجنجويد وتقديم كشف بأسمائهم
للأمم المتحدة للتأكيد، والإيفاء
بالتزامها بنسبة 100% في مجال الانتشار
الشرطي، ونشر أكثر من ألفي شرطي خلال
سبتمبر 2004 لتوسيع دائرة الأمن حتى تشمل
كل مناطق وولايات دارفور.
-
وزير الداخلية السوداني أحمد هارون
قال: إنه تم الاتفاق بين الخرطوم
والأمم المتحدة على ما يسمى "خريطة
طريق" لحل أزمة دارفور، بحيث يعقب
مهلة الـ 30 يومًا مهلة أخرى، وأن هناك
آلية مشتركة مع الأمم المتحدة للتغيير
في دارفور.
-
وقال أحمد هارون المسئول أيضًا عن ملف
دارفور إن الخرطوم تتحرك على جبهتين
لتفادي أي تدهور لملف دارفور دوليًّا: (الأول)
سلميًّا باستغلال الأدوار
الدبلوماسية والسياسية لتفادي آثار
الهجمة الغربية وإعلاء شأن العمل
الإغاثي الإنساني وتفكيك المسائل التي
تستغل في التدخل، و(الثاني) الاستعداد
بتكوين جبهة داخلية عريضة مع كافة
الأطراف السودانية لمواجهة الأجنبي.
-
أعلن ريتشارد أرميتاج نائب وزير
الخارجية الأمريكي أنه لاحظ "تعاونًا
أفضل كثيرًا" من جانب حكومة السودان
في موضوع المساعدات الإنسانية إلى
اللاجئين، لكنه قال: إن الحكومة "لا
تفعل كل ما يجب أن تفعل" في موضوع وقف
أعمال العنف التي تقوم بها ميليشيا
الجنجويد.
-
نجاح مفاوضات القاهرة بين الحكومة
السودانية والمعارضة واتفاق وفدي
الحكومة والمعارضة السودانية على كثير
من القضايا التي كانت مثار خلافات بين
الطرفين في الماضي، كمقدمة للوصول إلى
اتفاق كامل يكون من حصيلته عودة التجمع
بكافة فصائله للسودان وممارسة نشاطه
السياسي داخل السودان، والاتفاق على
دستور البلاد الانتقالي ونظام الحكم
في المستقبل وقضايا الحريات العامة
وشكل الانتخابات القادمة وغيرها.
وبالمقابل
هناك إشارات سلبية منها:
-
قال مسؤول في الخارجية الأمريكية: "إن
هناك من يريد (في مجلس الأمن) منح حكومة
السودان مهلة أخرى، وهناك من يريد
إجراءات قاسية الآن، وأهم شيء هو
استمرار الضغط على السودان باسم مجلس
الأمن".
-
قال الاتحاد الأفريقي: إن مراقبي وقف
إطلاق النار التابعين للاتحاد أكدوا
تقارير ذكرها متمردو دارفور تقول إن
حكومة السودان شنت هجمات جديدة على
المدنيين في الأسبوع الماضي، وقال
الرئيس النيجيري والرئيس الحالي
للاتحاد الأفريقي أولوسيجون
أوباسانجو: "أكدت لجنة المراقبين
التابعين لرئيس الاتحاد الأفريقي
هجمات القوات الحكومية".
-
اهتمت الخارجية الأمريكية والأمم
المتحدة بالتصريحات الصادرة عن
الاتحاد الأفريقي، ولم تكترث لقول
الحكومة السودانية إن الهجمات على أهل
دارفور يشنها "خارجون على القانون"
وأنها ليست مسئولة عما يقومون به، كما
لم تهتم كثيرًا بطلبات مفوضية العون
الإنساني التي تدعو الاتحاد الأفريقي
لفرض عقوبات على متمردي دارفور بسبب
الخروقات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق
النار الموقع بين الحكومة والمتمردين
وآخرها خطف متمردين في حركة العدل
والمساواة يوم 31 أغسطس 2004 لـ 22
سودانيًّا مكلفين من قبل حكومة
الخرطوم بالقيام بحملة تلقيح صحي في
ولاية جنوب دارفور.
ومع
أن العوامل الإيجابية تبدو مرجحة أكثر
في نظر المسؤولين السودانيين الذين
يتفاءلون بصدور قرار من مجلس الأمن يوم
2 سبتمبر القادم يمدد المهلة فترة أطول
بالنظر إلى استجابة الخرطوم وتعاملها
الإيجابي مع قرارات الأمم المتحدة،
فإن سيناريو العراق لا يزال مطروحا في
ظل ما تسرب عن صحف ومسئولين غربيين
وشواهد بشأن خطط للتعامل مع الخرطوم
بهدف تفتيته اعتمادًا هذه المرة على
حجة وجود وضع إنساني غير لائق، وليس
أسلحة الدمار الشامل.
والمراقب
للتحركات الأمريكية والأوروبية يظهر
له بوضوح أن الرئيس الأمريكي الحالي
بوش غير سياسة سلفه بيل كلينتون
القديمة القائمة على "شد الأطراف"
عبر دعم حركات التمرد السودانية في شرق
وجنوب وغرب السودان لتقطيع أوصاله،
واتبع سياسة جديدة هي سياسة "تفكيك
النظام" القائم عبر اتفاقيات سلام
متعددة تمزق أوصال السودان لصالح
المتمردين، ولذلك تدخل في دارفور بعد
جنوب السودان، وقالت الخرطوم إن هناك
معلومات استخبارية تؤكد أنهم بدءوا
التحرك في شرق السودان أيضا عبر
إريتريا وإسرائيل التي لها ضلوع واضح
في دارفور وشرق السودان.
ويبدو
أن غياب الدور العربي والجامعة
العربية وتسليم أمر الخرطوم للاتحاد
الأفريقي الذي يتعاطف ضمنا مع مطالب
المتمردين باعتبارهم من العنصر
الأفريقي الذي تروج الدعاية الغربية
أنهم مضطهدون من جانب العنصر العربي،
يسهم في تحكم أكبر للأطراف الغربية في
توجية دفة حكم مجلس الأمن القادم على
السودان خصوصا أن واشنطن دعت من
البداية لعقوبات ولكنها قبلت إعطاء
الخرطوم مهلة دون أن تنفي عزمها تصعيد
العقوبات.
فهل
تكون تقارير الاتحاد الأفريقي التي
تدين الخرطوم وتقارير منسق عمليات
النازحين بالأمم المتحدة التي تتهم
الخرطوم بالفشل في حماية النازحين
وتتحدث عن "اغتصاب جماعي" و"قتل
جماعي" وغياب للحماية الحكومية
مبررا كافيا لتوقيع عقوبات على
الخرطوم في ملحق امتحانها القادم أمام
مجلس الأمن؟.
وهل
ستكون هذه القرارات القادمة نهاية
المطاف أم تستمر الدائرة حتى تكتمل
بتضييق الخناق على الخرطوم عبر سلسلة
ملتوية من قرارات مجلس الأمن تدفع
باتجاه تدويل الأزمة تدريجيا والدفع
بمزيد من القوات الأفريقية وربما
الغربية الجاهزة للتحرك إلى هناك؟!.
أخيرا،
يبدو أن السوابق السيئة للتدخل الغربي
في البلاد العربية والإسلامية و"سوء
النوايا" التي تجزم الخرطوم أنها
موجودة لدى الغرب وحديث وزير الخارجية
السوداني د.مصطفى عثمان عن "أجندة
أجنبية" خفية يجري تنفيذها في
دارفور لصالح قوى غير سودانية"،
وحديث وزير الإعلام الزهاوي مالك عن
"دسائس الحكومات المعادية ومؤامرات
الذين يطمحون بالاستيلاء على الموارد
الاقتصادية للسودان" ليست كلها
دخانا من غير نار!.
اقرأ
أيضا:
|