|
الإسلاميون بألمانيا.. تبني "القوة " في صمت*
|
|
إرمجارد شراند
**
قراءة وتحرير: شيرين حامد فهمي ***
|
06/11/2004
|
|

|
|
أوتو شيلي وزير داخلية ألمانيا
|
قام
المركز "الألماني المشرقي"
بمدينة "هامبورج" الألمانية
(Deutsches-Orient Institut[1] )
بالتركيز على قضية "الأسلمة في
ألمانيا" في دوريته الصادرة في خريف
2004، ففي مقال تحليلي تحت عنوان "الأسلمة
والقوة في ألمانيا"، قامت "إرمجارد
شراند" Irmgard Schrand -الباحثة في العلوم
الإسلامية بجامعة "هامبورج"-
بالتحدث عن "الإسلاميين بألمانيا"،
متناولة عنصر "القوة" ورؤية تلك
الجماعات له.
وقبل
الدخول في الموضوع نشير أولا إلى وجود
بعض المصطلحات التي استخدمتها
الكاتبة، والتي قمنا بترجمتها حرفياً
كما هي، مثل "الإرهابيون الإسلاميون"
و"الجماعات الإرهابية الإسلامية"
و"المجاهدون الإرهابيون" في إطار
عرضنا لرؤية الكاتبة. وموقع إسلام أون
لاين.نت -في النهاية- لا يتحمل مسئولية
هذه المصطلحات التي تعبر عن رؤية
الكاتبة وليس عن رؤيته.
التهديد
والضحية.. فكرتان أساسيتان
تبدأ
"شراند" التحليل بالإشارة إلى
المجاهدين العالميين الذين تشكلوا مع
بداية ظهور تنظيم "القاعدة"،
والذين يمثلون طائفة تعتبر جديدة
نوعاً ما فهي تستخدم القوة -حسب رأي "شراند"-
كتعبير عن التذمر الشخصي ضد وضعها في
العالم الغربي، وضد وضعها السياسي في
البلد الأم، وأخيراً ضد وضع العالم
العربي الإسلامي في ظل الهيمنة
الأمريكية التي تعضد من الاحتلال
الإسرائيلي.
ثم
تنتقل الكاتبة إلى التحدث عن فكرة "التهديد"
التي باتت تسيطر على عقول المسلمين
القاطنين بألمانيا، فتعتبر أنها
انبثقت من الواقع الألماني المتغير،
ومن البيئة الألمانية المتغيرة، حيث
صار عنصر "البحث عن الأمن" هاجساً
ووسواساً يؤرق المسلمين ليل نهار،
ويُشعرهم بالخطر الدائم. وكذلك تسيطر
على عقولهم -والكلام لـ"شراند"-
فكرة "الضحية"، فيرون في أنفسهم
صورة "الضحية" المظلومة، بغض
النظر عن مستواهم الاجتماعي، وبغض
النظر عن مستواهم التعليمي، وبغض
النظر عن الأوطان التي ينتمون إليها.
إلا أنهم -في نفس الوقت- ينظرون إلى
الدولة الألمانية بشكل إيجابي، وذلك
لعزوفها عن المشاركة في الحرب على
العراق في مارس 2003.
أما
بالنسبة لموضوع الإرهاب فإن القلة
القليلة هي التي تتعاطف مع هجمات "القاعدة"،
بينما ترى الأكثرية أن الإرهاب ينبثق
أصلاً من إرهاب الدول: دولة إسرائيل
والدولة الأمريكية. ورغم أن القلة
القليلة هي التي تتعاطف مع "القاعدة"،
فإن ألمانيا ليست بعيدة عن هجمات "المجاهدين
الإرهابيين"، كما تحذر "شراند".
القابلية
لاستخدام القوة
 |
|
دير شبيجل تقدم ملفا خاصا عن مسلمي ألمانيا |
وبعدها
تتحول "شراند" إلى التحدث عن سلوك
"الإرهابيين" ودوافعهم، فتلاحظ
التالي: أنهم يمارسون أعمالهم "العنفوانية"
في إطار طويل المدى، وأنهم يُقسمون
المهام فيما بينهم في سرية شديدة،
وأنهم مستعدون لفعل أي شيء في سبيل
بلوغ الهدف السياسي الأكبر أو الأعظم،
وهو: تدشين الخلافة الإسلامية الكبرى
على أساس الشريعة الإسلامية، كدستور
أوحد لا بديل عنه.
وفي
هذا السياق تركز الكاتبة بالتحديد على
مصطلح "القابلية لاستخدام القوة"،
فتصفه بكونه مصطلحا متمددا وفضفاضا،
ثم تأخذ في البحث عن ماهيته، فتتساءل:
"هل يعتبر سماع الأناشيد الجهادية،
أو مشاهدة أفلام فيديو عن الجهاد
اتجاهاً نحو "القابلية لاستخدام
القوة"؟.
إن
"القابلية لاستخدام القوة" -كما
تقول كاتبة المقال- هي تلك الخاصية
التي تهيمن على جماعة سياسية ما،
فتجعلها على مقربة من الجرم السياسي،
ومن ثم على مقربة من انتهاك القانون
الألماني للعقوبات، الخاص بالإرهاب.
وقد تعاملت الدولة الألمانية مع تلك
الخاصية من قبل، التي كانت متمثلة في
المتطرفين اليساريين الذين كان يسهل
التعرف عليهم من خلال طريقة تحدثهم،
وأيضاً من خلال مظهرهم الخارجي. فالإرهابيون
-كما ترى الكاتبة- ينتمون جميعهم إلى
نفس الفصيلة، إلى نفس الثقافة، إلى نفس
اللغة.. الأمر الذي يسهل كشفهم من قبل
أجهزة الأمن، كما يسهل فهم دوافعهم
ومنطلقاتهم. وهم ينتهجون جميعاً نفس
الطريق: ففي البداية يندرجون تحت ألوية
الجماعات السياسة المتطرفة، ثم يكشفون
عن انتماءاتهم لتلك الجماعات عبر
المظاهرات وأحداث الشغب، ثم يتعدون
حدود القانون من خلال اصطدامهم بهيبة
الدولة، وأخيراً ينزلون إلى "سرداب"
الإرهاب، منجزين مهامهم في خفية
وكتمان. الخلاصة: "إن القتال له
دائماً وجه واحد".
إلا
أن هذا "الوجه الواحد" -كما تقول
"شراند"- لا يطبق على الحالة
الألمانية. "فالأسلمة القابلة
لاستخدام القوة، وقبل كل ذلك
الإرهابيون الإسلاميون في ألمانيا،
ليس لديهم وجه واحد إلا في حالات نادرة.
فكلنا كنا نعرف وجه محمد عطا، ولكننا
لم نكن نعرف -قبل عمليته الهجومية- بأنه
إسلامي قابل لاستخدام القوة. فهو لم
يظهر في مظاهرات، ومن ثم لم يحتك
بالسلطات الألمانية، ولم يشرع في
إقامة الاعتصامات، ولم يقذف الآخرين
بشرائح النوافذ، ولم يرش حوائط منزله
بكلمات السر، كما يفعل الإرهابيون".
التحول
من الانفتاح إلى الصمت
وتلفت
الكاتبة الانتباه إلى ذلك التحول الذي
شهدته العلاقات بين الألمان وبين
المسلمين في داخل ألمانيا. ففي السابق
كان همُّ الطلبة المسلمين المهاجرين
إلى ألمانيا يتمثل في الحصول على أكبر
استفادة ممكنة من المناخ الألماني
المُتسم بالحرية والانفتاحية، بهدف
ممارسة الضغط -من قبل الحكومة
الألمانية- على سياسات الدول الأم التي
هربوا منها، أو بالأصح التي نفوا منها.
كان هؤلاء الطلبة ينتمون في أغلب
الأحيان إلى جذور تركية، وكردية،
وإيرانية... وأيضاً فلسطينية، وكانوا
كذلك ينتمون إلى الأيدلوجيات
الاشتراكية والشيوعية، إلا أنهم لم
يخطر ببالهم على الإطلاق تمني الأذى أو
الموت للعالم الغربي عموما، أو
لألمانيا على وجه خاص. فالأذى والموت
كانوا يتمنونه لأنظمتهم ولمعارضيهم
السياسيين في داخل أوطانهم.
هذا
الوضع كان في السابق.. أما الحاضر -الذي
نحن بصدده الآن- فصارت له معايير أخرى.
فالانفتاحية الألمانية -التي كانت-
باتت اليوم محل شك وارتياب، وباتت محل
معارضة ومواجهة من قبل السياسيين
الألمان. وأصبح هذا المناخ الحر غير
مسموح به، وغير مرضي عنه من قبل
السلطات الألمانية، الأمر الذي مهد
الطريق ليس فقط إلى انبثاق نواة التطرف
المقرون باستخدام العنف، وإنما مهد
الطريق أيضاً إلى ظهور ثقافة "الصمت"
بين الجمهور الألماني وبين المسلمين
بغض النظر عن جنسيتهم.
تحول
مسلمي ألمانيا إلى "التطرف"
لم
يكن غياب المناخ الحر بالجمهورية
الألمانية الاتحادية هو السبب الوحيد
وراء انبثاق نواة التطرف -كما توضح "شراند"-
وإنما هناك سبب آخر، ألا وهو: شيوع
الفتاوى "الجهادية" ليس في
ألمانيا فقط، بل في أوربا كلها. فيحضر
الدعاة محملين بفتواهم "الجهادية"
التي لا يلقونها فقط شفاهة، بل يلقونها
أيضاً "أون لاين" عبر شبكات
الإنترنت. تلك الفتاوى -كما تصفها "شراند"-
المحملة بالعداوة تجاه غير المسلمين،
وباللعنات على اليهود.
وطبعاً
تأتي هذه الفتاوى على هوى قلة من
المسلمين التي تعاني من اكتئاب شخصي..
فتفرغ غضبها من خلال هذه الفتاوى،
ويحدث ما نراه من عنف ودمار. ويكفي
القول بأن أعضاء وتابعي أكبر مراكز
الجهاديين يتواجدون على الأراضي
الألمانية. وما يدعم تلك النواة
المتطرفة بطريقة غير مباشرة -كما ترى
"شراند"- عدم وجود وزارة شئون
دينية بالدولة الألمانية، مما يتيح
الفرصة للمساجد والخطباء للتحرك دون
مراقبة حقيقية.
العلاقات
بين "المجاهدين".. التشابك المريع
تعكس
الكاتبة طبيعة العلاقات المتشابكة
والعميقة بين الجماعات "الإرهابية
الإسلامية"، وكيفية تمددها ليس فقط
أوربياً، وإنما أيضاً عالمياً وكونياً.
فتذكر أنه قد تم تسوية 180 إجراءً
عقابياً لتلك الجماعات على الأراضي
الألمانية، كان آخرها ذلك الإجراء
الذي نُفذ ضد عملية "ميلياني" في
"فرانكفورت" (التي تنتسب إلى "منصور
ميلياني" مؤسس جماعة الجيش الإسلامي
الجزائرية GIA)، وذلك بعدما حامت
الشبهات حول اشتراك أربعة جزائريين في
القيام بعمل هجومي تفجيري ضد إحدى
أسواق رأس السنة الميلادية في مدينة
"شتراسبورج" الألمانية. وهنا تظهر
قمة التشابك: فقد تم تصنيع مادة
التفجير في أفغانستان، ثم تم إيفاد
اثنين من بريطانيا للمشاركة في
الهجوم، وأخيراً تم استلهام خطة
الهجوم من العقل المدبر المتواجد في
لندن. لقد صار "الجهاد" -كما تقول
"شراند"- كونياً، تنطلق نحوه شتى
الفئات: الأوربيون الذين اعتنقوا
الإسلام مؤخراً، والمجاهدون الذين
حاربوا طويلاً في أفغانستان والشيشان
والبوسنة والجزائر، والمثقفون
والطلاب، المجرمون، وأخيراً الأطفال
أصحاب المستقبل الضائع no-future-kids.
تعثر
عمليات الاستخبارات
وبالرغم
من استطاعة حكومات غرب أوربا ضبط عدد
كبير من المشتبه فيهم، فإن التفريعات
والتشعبات -التي تنبثق من أولئك
المشتبه فيهم- لا تنتهي، مما يعوق تتبع
تلك الإجراءات على أجهزة الاستخبارات
الأمنية. وليت المعوقات تقف عند هذا
الحد، بل إنها تمتد إلى معوقات أخرى
تتمثل أيضا في حاجز اللغة، وكذلك في
البنى التحتية غير الشرعية (تجارة
السلاح)، وأخيراً في الحركة السريعة
للاتصالات بين أنحاء دول العالم.
وتشير
"شراند" إلى رأيها حول الجهاد،
فتقول: "لقد صار الجهاد ضد المنشقين
وضد الأخلاقيات الغربية واجباً (حتمياً)،
بل صار أداة تصوب ضد الحياة". ثم تشير
إلى رأيها حول الإسلام، فتقول: "إن
الإسلام هو دين سلمي، إلا أنه يتحول
إلى حرب قاسية عنيدة إذا ما تعرضت
الأمة إلى الهجوم". وما يدعم هذه
الحرب -كما تقول الكاتبة- مواقع
إنترنتية مثل موقع "القوقاز" www.qoqaz.de
الذي يدل القارئ على معلومات وإرشادات
للسير على منهاج "الجهاد". ولا
ننسى أن حرب العراق قد ساهمت بشكل أو
بآخر في فتح منفذ جديد لتفعيل وتنشيط
الإسلاميين العرب ضد الجيش الأمريكي
المتواجد على أراضي العراق.
إن
حل هذا التهديد "الإسلامي" -برأي
"شراند"- لن يتم فقط بدعم الأجهزة
الأمنية الألمانية، وإنما يتم -قبل كل
شيء- على أساس سياسي واجتماعي.
فالإسلام المُعاش، والذي يُعلم في
الكتب، لا بد أن يصير ركيزة محورية
للحوارات الدائرة في جمهورية ألمانيا
الاتحادية، حتى يتولد في النهاية
اتفاق جماعي يفصل بين الإسلام وبين
التطرف الإسلامي.
وقد
نلحظ من خلال هذا التحليل مدى انزعاج
الباحثة من فكرة "دولنة الجهاد"
التي باتت -من وجهة نظرها- مهددة للكون
كله، وليس لأوربا فقط. كما نلحظ تخوفها
من فكرة "الوجه الصامت" للإرهاب
الذي بات مؤرقاً ومحيراً للحكومات
الأوربية، ومعوقاً لها عن كشف
العمليات الإرهابية قبل وقوعها. و"الوجه
الصامت" للإرهاب يعكس مفهوم الـsleepers
أو "النائمين" الذي تبنته الإدارة
الأمريكية بعد 11 سبتمبر، وهو ذلك
المفهوم الذي يدل على أن الإرهابيين
الجدد هم في الحقيقة مواطنون عاديون
"نائمون"، أي يظهرون السكون
والسلبية بينما هم في الحقيقة نشطون
ومتفاعلون.
وتُرجع
الباحثة ظهور هذا "الوجه الصامت
المتطرف" في ألمانيا إلى عدة عوامل
تتضافر كلها مع بعضها البعض:
1)
اختفاء مناخ الحرية الذي كان ينعم به
مسلمو ألمانيا.
2)
حدوث تباعد بين الجمهور الألماني
والجمهور المسلم.
3)
تكاثر وتراكم الفتاوى "الجهادية"
التي امتزجت مع مفهوم "الضحية"
الشائع وسط مسلمي ألمانيا.
4)
عدم وجود وزارة دينية ألمانية تراقب
تلك الظاهرة.
وهي
عوامل -كما نرى- لها دخل بالطرفين:
المسلم والألماني.
بقي
لنا أن نتعرض لفكرة الباحثة عن
الإسلام، فهي ترى هذا الدين سلمياً،
إلا أنه يتحول إلى القسوة والعنف إذا
ما تعرضت الأمة الإسلامية للهجوم. وهنا
نطرح عدة تساؤلات، منها: هل معنى
سلمية الإسلام عند "شراند" الصبر
على جروح الأمة الإسلامية، والتغاضي
عنها؟ وإذا كان هذا هو السلام المعني،
فما الفرق بينه وبين الاستسلام؟ وهل
يعتبر رفض الاستسلام والتقاعس تطرفاً،
بينما يعتبر قبول الاستسلام والتقاعس
سلاماً وديناً؟ ولماذا تشير الباحثة
إلى "القاعدة" وما تدبره من
عمليات هجومية، ولا تشير في الوقت ذاته
إلى علماء المسلمين الذين تبرءوا وما
زالوا يتبرءون من تلك العمليات؟ أم أن
فكر "القاعدة" صار مسحوباً على
الدين الإسلامي بأكمله؟
اقرأ
أيضًا:
*
هذا التحليل نشر في مجلة "المشرق"
التابعة للمركز "الألماني المشرقي"
في خريف 2004، تحت عنوان "الأسلمة
والقوة في ألمانيا".
**Irmgard Schrand
باحثة سياسية ألمانية، متخصصة في
الإسلاميات بجامعة "هامبورج"
الألمانية
***
باحثة دكتوراة في كلية الاقتصاد
والعلوم السياسية بجامعة القاهرة
[1]-
http://www.rrz.uni-hamburg.de/duei/doi/german/
|