لا
يمكن تفسير الإصرار الأمريكي على ضرب
وتدمير مدن المثلث السني في العراق
خصوصا الفلوجة وسامراء والرمادي- في
الوقت الذي تم فيه تسوية مشاكل عدة مع
فئات عراقية مسلحة أخرى (مجموعة الصدر)
بالتوصل إلى اتفاقات سلمية معها - سوى
أنه مؤشر على رغبة في تحجيم دور السنة
في العراق قبل الانتخابات المزمعة في
يناير 2005 ، من خلال العمل على إضعاف "جناحهم
العسكري" تمهيدا لتهميش وجودهم
السياسي في الحكومة المقبلة.
ولا
يمكن تفسير إعلان رئيس الحكومة
العراقية الموقتة إياد علاوي حالة
الطوارئ في جميع أنحاء العراق -
باستثناء كردستان - لمدة ستين يوما،
قبل يومين من بدء الهجوم على الفلوجة
سوى أنه يهدف لمنع احتجاجات متوقعة
للسنة، وكذلك قول دبلوماسيين وضباط
أمريكيين تخصيص مبلغ أربعين مليون
دولار لإعادة إعمار الفلوجة بعد حل
أزمة المدينة "المتمردة"، سوى أنه
مؤشر على "المذبحة" المنتظرة.
فالواضح
أن مدينة الفلوجة العراقية التي
استعصت على قوات الاحتلال الأمريكية
منذ احتلالها العراق في إبريل 2003، بدأت
فيها اليوم الإثنين مجزرة أمريكية
ثانية بعد المجزرة الأولى التي جرت في
إبريل الماضي 2004 وقتل فيها أكثر من 700
عراقي وجرح الآلاف من جراء القصف
الأمريكي، وأصبح هناك نوع من الثأر بين
قوات الاحتلال وأهل هذه المدينة الذين
منعوا أي جندي أمريكي من الاقتراب منها
على مدار عام كامل ولهم دور هام في
ارتفاع عدد القتلى الأمريكان في
العراق.
ويبدو
أن هذه المجزرة المرتقبة تستهدف رفع
الروح المعنوية لقوات المارينز التي
انهارت نتيجة المقاومة الباسلة في
الفلوجة، خصوصا بعد النجاح في تدمير
مدن مقاومة أخرى على أهلها ودخولها
كمدن سامراء والناصرية والرمادي،
إضافة إلى توفير أجواء كاذبة من الهدوء
النسبي في المدن العراقية المقاومة
كنوع من الدعاية للانتخابات المقبلة
التي تعول عليها قوات الاحتلال للزعم
أنها حولت العراق إلى دولة ديمقراطية
وأعادت الشرعية لأهله.
والغريب
أنه في الوقت الذي كانت تجري فيه
مفاوضات مع سكان المدينة، أطلق علاوي
تصريحات نارية يهدد فيها باجتياح
المدينة وتدميرها، رغم أنه كرئيس
وزراء "وطني" يفترض فيه أن يحمي
مواطنيه لا أن يشجع على قتلهم بواسطة
قوات الاحتلال، بل وضع علاوي شرطا
تعجيزيا هو تسليم شخص وهمي اسمه أبو
مصعب الزرقاوي من أجل السلام .. وهو ما
يظهر أن حكومة علاوي مجرد "دمية"
في يد الاحتلال، وأن المذبحة قادمة؛
ولذلك انسحب وفد الفلوجة من المفاوضات.
والحقيقة
أن ما يجري في الفلوجة يشبه سيناريو
مدينة سامراء التي تحولت إلى دماء
وأشلاء ودمار، فقد اتفق وجهاء المدينة
قبل شهرين مع حكومة علاوي على تسوية
سلمية تسمح بعودة قوات الشرطة
العراقية وعودة الهدوء والأمن، ورفضوا
دخول قوات أمريكية للمدينة، ولكنهم
فوجئوا بالطائرات الأمريكية تغدر بهم
وتقصف مدينتهم دون رحمة وتقتل قرابة 200
مدني وتجرح المئات، وفي الفلوجة أيضا
أصر أهلها على عدم دخول قوات الاحتلال
والاكتفاء بقوات الشرطة العراقية
فجاءتهم الطائرات تقصفهم وتمهد
للمجزرة!!.
وسبق
أن هاجم المحتلون الفلوجة في إبريل
الماضي بالطائرات والدبابات ودمروها
وقنصوا كل من كان يمشي في شوارعها حتى
عجز أهلها عن دفن ضحايا القتل الأمريكي
فحفروا مقابر جماعية في حدائق
المستشفيات جديدة وملعب كرة القدم (!)،
واليوم يستعدون لمجزرة ثانية أخطر
يتوجون بها انتصارهم الوحشي في سامراء
والناصرية والرمادي، واللافت أن كل
ذلك يتم وسط صمت من الأمم المتحدة بل من
الأمم العربية والإسلامية أيضا.
من
الواضح أن استهداف الفلوجة شأنه شأن
بقية المدن التي تم استهدافها مؤخرا
جاء بهدف واضح هو كسر شوكة المقاومة
السنية في العراق التي تلعب الدور
الرئيسي في مقاومة الاحتلال بعدما
تعاونت غالبية قيادات الشيعة مع
الاحتلال أو قبلت نوعا من التعامل معه،
كما أن استهداف السنة عموما يرمي لكسر
شوكتهم عموما قبل الانتخابات العراقية
التي يرفضونها أو يطالبون بدور سياسي
أكبر لهم في الحياة السياسية كما كان
الوضع في ظل حكومة الرئيس المخلوع صدام
حسين.
صحيح
أن قادة المسلمين السنة شككوا في
الانتخابات العامة التي يتوقع أن تجري
أواخر يناير 2005 بشكل أقلق سلطات
الاحتلال وهددوا بعدم المشاركة فيها،
ولكن ما يقلق الاحتلال أكثر أن تتحول
الانتخابات إلى انتخابات من جانب واحد
يشارك فيها قسم من الشعب العراقي دون الآخر
لأسباب دينية، وهو ما سيوصم
الحكومة المقبلة بأنها لا تعبر عن
العراقيين.
وصحيح
أن رفض سنة العراق لهذه الانتخابات
معناه قبولهم بأيديهم تهميش دورهم
السياسي في العراق، ولكن الصحيح أيضا-
كما قال المتحدث باسم هيئة علماء السنة
محمد بشار الفيضي- أن "التهميش بدأ
بالفعل مع الاحتلال وكان مقصودا
ومتعمدا من جانبه".
وأكد
حارث مثنى الضاري رئيس هيئة العلماء
المسلمين أن "الظروف غير متوفرة
لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وعادلة"،
واعتبر أنه سيخرج منها "مجلس وطني
شبه معين يشكل حكومة تفعل ما يطلبه
منها الاحتلال".
وألمحت
أيضا هيئة علماء المسلمين إلى أن قمع
المدن السنية هدفه الانتخابات، قائلة -
في بيان مؤخرا - إن "اتخاذ الحديد
والنار سبيلا لإجراء الانتخابات يبقى
محض مغالطة" ، كما ذكر ممثل الهيئة
في سامراء الشيخ أحمد مهدي أنه "كان
بالإمكان إجراء الانتخابات حتى مع
وجود المسلحين".
وحاول
قرابة 200 من هيئة علماء المسلمين
والأئمة والأعضاء في الحزب الإسلامي
والهيئة العليا للدعوة والأمانة
العامة للإفتاء والتصوف، مقايضة "المشاركة
السياسية" للطائفة السنية في
الانتخابات العراقية بـ"معركة"
الفلوجة، وقال المتحدث الرسمي لهيئة
علماء المسلمين محمد بشار الفيضي إنه
"إذا تم اجتياح المدينة وتم مواصلة
قصفها بالطائرات والمدفعية فنحن ندعو
إلى مقاطعة الانتخابات واعتبار
نتائجها باطلة"، غير أنه لا حكومة
علاوي ولا الأمريكان وضعوا ذلك في
الاعتبار، وهو ما يؤكد على تعمد تهميش
السنة في الانتخابات.
وأبقت
هيئة علماء المسلمين الباب مفتوحا
جزئيا بالقول "الوسائل تتخذ بحسب
الظرف الذي تقتضيه؛ لذلك لم نحدد
وسننتظر تطور الأوضاع"، ولكن هدف
الاحتلال الأكبر في ضرب المقاومة
عموما تغلب على المقايضة التي طرحها
السنة.
ويبدو
أن الأمريكان يستشعرون هذا الخطر من
استبعاد السنة عن الحكم ولكنهم يخشون
في الوقت نفسه دورهم السياسي القوي،
بدليل أن مسئولا سياسيا أمريكيا رفيع
المستوى في العراق قال مؤخرا في تصريح
لوسائل إعلام أمريكية: "يجب إقناعهم
بأن لهم دورا (سياسيا) وأنه "لا
يمكننا الوصول بواسطة القمع الذي يؤدي
مؤقتا إلى مرحلة من الهدوء للمشاركة
السياسية"، ولكنه سعي لإلصاق عيوب
بالسنة قائلا إن ما أسماه "الانقسام"
سائد بين صفوف السنة حاليا بشكل لا
يصدق، فليس عندهم مرجع كبير مثل
السيستاني أو حتى قائد مثل مقتدى الصدر
الذي يؤيده كثيرون.
وليس
مفهوما هل هذه التصريحات مقدمة
لاستهداف السنة عسكريا أم هي تبرير
لتقلص دورهم السياسي بدعوى أنهم هم
الرافضون وأنه لا يمكن عادة السيطرة
والسلطة القديمة لهم؟.
على
أي حال فإن مجزرة
الفلوجة التي بدأت تستهدف بلا ريب
العمود الفقري للمقاومة السنية ومن ثم
الدور السياسي المرتقب للسنة في
العراق، إذ يتصور الأمريكان أنه بدون
قوة المسلمين السنة العسكرية سيقبلون
مضطرين لأي مناصب ثانوية تعرض عليهم،
كما يتصورون أن ضرب المقاومة وترويع
السنة في مدنهم عنصر ضغط فعال عليهم.
ولكن
الحقيقة التي يعترف بها بعض القادة
الأمريكان أنفسهم هي أن ضرب السنة
والمدن العراقية يؤجج المقاومة أكثر
ويوزعها على العديد من المدن بدلا من
تمركزها في مدن معينة.
فمن
يوقف مجزرة الفلوجة المقبلة؟ وهل تكفي
بعض الصيحات التي يطلقها بعض
المسئولين العرب لإقناع الأمريكان
بوقف العدوان؟ وهل بقي للحكومة
العراقية العميلة أي شرعية وهي تطالب
قوات الاحتلال بضرب أبنائها وقتلهم
وتبارك الضربات الجوية العدوانية
الأمريكية؟.
والأهم:
هل تؤثر الضربات العسكرية للمقاومة-
ذات الأغلبية السنية- على الدور
السياسي القادم للمسلمين السنة في
العراق مستقبلا؟. أسئلة كثيرة تبدو
إجاباتها واضحة.