هل تتحقق
أجندة "الأمريكان" في السودان؟
سلام السودان النهائي.. بدأ العد
التنازلي
|
|
محمد
جمال عرفة**
|
23/11/2004
|
|

|
|
على عثمان
طه - يسار يصافح جارانج عقب توقيع الاتفاق
|
بصدور
قرار مجلس الأمن الدولي الأخير يوم 19
نوفمبر 2004 حول السودان والذي يعد
بتقديم مساعدات من الأسرة الدولية في
حالة توقيع اتفاق سلام في الجنوب ويدعو
للوقف "الفوري" لأعمال العنف في
دارفور.. يكون حبل الضغوط الأمريكية قد
التف بشكل محكم حول رقبة حكومة الإنقاذ
السودانية، ورقبة حركة التمرد
الجنوبية بزعامة جون جارانج بما لا يدع
مجالا إلا للتوقيع على الاتفاق قبل 31
ديسمبر القادم.
وبصدور
القرار تكون إدارة بوش حسمت أمرها
لصالح سياسة "تفكيك النظام" في
السودان القائمة على دفعه لتوقيع
اتفاقيات سلام متعددة مع حركات التمرد
في الجنوب ثم الغرب، وسيليه الشرق بهدف
تفكك أوصال السودان لصالح المتمردين (الجنوبيين
بالأساس) وتغلغلهم في الحكم عبر مناصب
يتولونها، بما يحول السودان لحكومة
فيدرالية متعددة الولايات على النمط
الأمريكي.
ويكاد
يكون اتفاق نيروبي الذي وقع يوم 19-11-2004
وتعهدت فيه الخرطوم وحركة جارانج
بتوقيع اتفاق سلام نهائي بحلول 31
ديسمبر2004.. تحصيل حاصل؛ لأنه عبارة عن
عملية جمع للبروتوكولات الستة التي
جرى التوقيع عليها منذ أكتوبر 2002 وحتى
الآن، وأبرزها: بروتوكول ماشاكوس
يونيه 2002، ومذكرة وقف العدائيات (وقف
الحرب) 15 أكتوبر 2002، وبروتوكول
الترتيبات الأمنية والعسكرية للمرحلة
الانتقالية (6 سنوات) التي تبدأ عقب
توقيع الاتفاق النهائي للسلام الموقع
في 25 سبتمبر 2003، وبروتوكولات تقاسم
السلطة والثروة والمناطق الثلاث
المهمشة (النيل الأزرق وأبيي وجبال
النوبا).
إلا
أن الواقع يقول إن المرحلة الأخيرة من
المفاوضات التي ستبدأ يوم 26 نوفمبر
الجاري ولن يكون أمامها سوى قرابة 35
يوما فقط لكي تقود للاتفاق النهائي
الذي يبدأ بعده التنفيذ.. ستتضمن
بدورها مشاكل أخرى وعقبات أكبر؛ لأنها
ستدخل في إطار التنفيذ الفعلي لوقف
النار وتوزيع قوات جيشي الحكومة
والمتمردين وأماكن تواجد قوات حفظ
السلام وخطط تنمية الجنوب وتوزيع
حصيلة بيع النفط في الولايات مناصفة
بين الحكومة والولايات.
بل
إن هناك قضايا أخرى يُنتظر أن تتفجر من
جانب "الأطراف المهمشة" في هذا
الاتفاق من الشماليين (تجمع المعارضة
الشمالية) والجنوبيين (قبائل وفصائل
جنوبية تعادي جارانج)، ومشكلات
إجرائية معقدة فيما يخص العلاقة
المعقدة بين ثلاثي الرئاسة المرتقب (البشير
وجارنج وعثمان)، وأخرى فيما يخص تنسيق
التشريعات الموزعة ما بين برلمان
مركزي وبرلمان ولايات وبرلمانات 22
ولاية سودانية كل على حدة.
وتواجه
الاتفاقات أيضا مخاطر أخرى وتحديات
كثيرة في التنفيذ قد لا تصل بها بر
الأمان نحو السودان الموحد المستقر في
غضون عام 2011 (بعد السنوات الانتقالية
الست)، ولا تمنع اختيار الجنوبيين
للانفصال في الاستفتاء الذي سيجرى
نهاية الفترة الانتقالية، والعبء هنا
يقع على الدول العربية أيضا؛ لأن كل
الوعود الدولية بالمنح والعطايا
للسودان ربما تتبخر عقب توقيع الاتفاق
النهائي.
أهداف
أمريكية متنوعة
وفي
مجمله لا يعد القرار الأخير الذي يحمل
رقم 1574 ويتعهد فيه مجلس الأمن الدولي
"فور إبرام اتفاق سلام شامل (في جنوب
السودان) بمساعدة الشعب السوداني في
جهوده لبناء وطن مسالم وموحد ومزدهر..
سيئا للسودانيين؛ فالسودان يكاد يكون
إحدى الدول المستفيدة من فوز الرئيس
بوش في الانتخابات الأمريكية الأخيرة،
والذي يترتب عليه استكماله خطط
التفاوض تحقيقا للسلام، ووقف قتال
استمر ربع قرن على أراضيه بدلا من جون
كيري المرشح الديمقراطي الخاسر الذي
كان يخطط لعقوبات أكبر.
غير
أن القرار لا يعني أيضا أن أمريكا
تتحرك لوجه الله في السودان.. فالتدخل
الأمريكي -عبر جهود المندوب الأمريكي
في الأمم المتحدة جون دانفورث- ونقل
هيئة مجلس الأمن خارج مقره الأمريكي
للمرة الرابعة في تاريخه منذ نشأة
الأمم المتحدة له أكثر من هدف، أبرزها
السعي الأمريكي لبسط النفوذ في
أفريقيا كمجال حيوي للأمن القومي
مستقبلا، ومركز للتدفقات النفطية
الغنية.
فضلا
عن أن التدخل في السودان له هدف ديني
بحْت، سعى وراءه اللوبي المسيحي
المحافظ في إدارة بوش (الذي فاز في
انتخابات الرئاسة والكونجرس الأخيرة
لأسباب دينية)؛ فالاهتمام الديني في
البيت الأبيض أصبح ظاهرة، والإنجيليون
والمحافظون الجدد في إدارة بوش الذين
ظلوا مهتمين بقضايا محلية وداخلية مثل
الشذوذ الجنسي والصلاة في المدارس
والتعري والإجهاض صاروا الآن يهتمون
بقضايا عالمية.
ويعود
هذا التغيير لدى الإنجيليين إلى
الاهتمام المستجد بما يسمونه: "الكنيسة
المضطهدة"، وهم يعنون بذلك
المسيحيين الذين يعانون في بقاع من
العالم خارج الولايات المتحدة، ومنها
جنوب السودان، وفي هذا يقول القس
ريتشارد شيزيك نائب رئيس جمعية
الإنجيليين التي تمثل 43 ألف كنيسة
أمريكية في تفسير سر هذا النشاط في
الخارج: "إن الإنجيليين مهتمون بأن
يحدثوا تغييرا لا أن ينقل عنهم موقف
علني فقط"!
خلافات
اللحظة الأخيرة
وبشكل
عام يمكن القول: إن نقطتي الخلاف
الرئيسيتين اللتين سيدور حولهما
التفاوض في المرحلة المقبلة هما: مسألة
دفع الحكومة السودانية الائتلافية
لمرتبات جيش جارانج الجنوبي الذي يقدر
تعداده بالآلاف، وآليات تنفيذ اتفاقات
اقتسام السلطة والثروة والمناطق
المهمشة الثلاث، ومسألة الترتيبات
الخاصة بتنفيذ الشق الأمني من الاتفاق،
خصوصا انتقال قوات من جيش الجنوب
للعاصمة وتشكيل وحدات مشتركة من جيشي
الشمال والجنوب.
ولا
تزال حكومة الخرطوم تصر على أنها لن
تدفع مرتبات جيش جارانج على اعتبار أن
اتفاق تقسيم الثروة أعطى للأقاليم
الجنوبية 50% مما تنتجه من الثروة
البترولية، ومن ثم تتولى هي دفع مرتبات
هؤلاء، فيما يقول زعيم التمرد الجنوبي
جارانج إن عدم دفع مرتبات جيشه معناه
استمرار مظاهر الانقسام في السودان.
وقد
أكد سيد الخطيب ممثل الحكومة
السودانية في مفاوضات الجنوب أنه لا
توجد خلافات حول تمويل جيش الحركة
الشعبية؛ لأن بروتوكولات نيفاشا خصصت
50% من عائدات البترول لجنوب السودان،
هذه النسبة تشمل كافة بنود الصرف ومنها
الصرف على جيش الحركة، فيما قال جارانج
إن قواته "ناضلت" 21 عاما، "وينبغي
أن تدفع الحكومة أجورهم"، وأن "للسلام
ثمنا ينبغي أن يدفع"، وحذر من أنه في
حال عدم حدوث ذلك فإن الحرب يمكن أن
تتجدد مرة أخرى!
ومع
ذلك فقد طرحت آراء بأن تتولى واشنطن هي
دفع مرتبات جيش جارانج في الفترة
الانتقالية، والخطورة هنا أن هناك
بوادر قبول رسمي سوداني بهذا الاقتراح
رغم أن معناه أن يتحول التمويل السري
الأمريكي لحركة التمرد إلى تمويل علني
برضا الحكومة.
ولهذا
قال الناطق باسم الوفد الحكومي في
مفاوضات نيفاشا: "حتى لو كان هناك
جهة ثالثة مستعدة لحل المشكلة فإن الحل
يجب أن يتم عبر الطرف الآخر في الصراع"،
في إشارة إلى الحكومة، و"أن يكون
الأمر بمعرفته".
أما
قضية الترتيبات الأمنية فتبدو أكثر
تعقيدا.. إذ ينص الاتفاق الأمني الذي
وقعه "علي عثمان طه" نائب الرئيس
السوداني و"جون جارانج" زعيم
الحركة الشعبية لتحرير السودان، في
سبتمبر 2003 على انسحاب القسم الأكبر من
القوات الحكومية من مناطق جنوب
السودان، على أن يعاد تمركز غالبية
قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان
المنتشرة حاليا في جبال النوبة والنيل
الأزرق الجنوبي، في جنوب الحدود بين
الشمال والجنوب التي وضعت خلال
استقلال البلاد في العام 1956.
كما
ينص الاتفاق على أن يبقى الجيش الحكومي
والجيش الشعبي لتحرير السودان منفصلين
خلال الفترة الانتقالية، على أن تتولى
لجنة دفاعية جديدة موحدة تضم ضباطا
يمثلون الطرفين مهمة تنسيق وقيادة
الجيشين، كما سيعتبر الجيشان بمثابة
القوات الوطنية المسلحة في السودان
ويعاملان على هذا الأساس.
ويقضي
الاتفاق أيضا بتشكيل وحدات عسكرية
جديدة تضم قوات تمثل الطرفين، على أن
تشكل هذه الوحدات "نواة الجيش
السوداني الجديد" بعد تنظيم
الاستفتاء بين أهالي جنوب السودان في
نهاية السنوات الست الانتقالية، وذلك
في حال إذا جاءت نتيجته لصالح استمرار
الوحدة بين شمال السودان وجنوبه،
ويحدد الاتفاق عدد تلك الوحدات بـ 24
ألف رجل في الجنوب (من الجيشين)، و6 آلاف
في جبال النوبة، و6 آلاف آخرين في النيل
الأزرق الجنوبي، و3 آلاف في العاصمة
الخرطوم.
والمشكلة
هنا أن هناك خلافات داخل حركة جارانج
نفسها بشأن الاتفاق، وهناك حركات
جنوبية أخرى لا تعتبر نفسها جزءا منه،
كما أن سحب هذه القوات من هنا وهناك
والسيطرة عليها يحتاج لحسن نية
وترتيبات كثيرة.
واعترف
زعيم "الحركة الشعبية لتحرير
السودان" جون جارانج بوجود خلافات
في أوساط حركته، وخصوصا مع نائبه "سلفا
كير" الذي رفض دعوة جارانج للحضور
إلى منطقة في جنوب البلاد لمناقشة
قضايا تتعلق بالحركة وتصفية الخلافات
بينهما؛ وهو ما اضطر الأخير الى إرسال
القيادي دينج ألور إلى موقع احتله سلفا
كير في منطقة ياي في إقليم غرب
الاستوائية للبحث في سبل حل النزاع.
وبرر
جارانج في حديث إلى هيئة الإذاعة
البريطانية يوم 20 نوفمبر 2004 الانقسام
داخل حركته بأن "كل القوى السياسية
السودانية تشهد خلافات"، مشيرا إلى
ما يحدث في حزب الأمة بزعامة الصادق
المهدي والاتحادي الديمقراطي برئاسة
محمد عثمان الميرغني وما يجري حاليا
بين الحزب الحاكم وحزب المؤتمر الشعبي
بزعامة الدكتور حسن الترابي.
تحديات
السلام
وبشكل
عام يمكن أن نسجل الملاحظات والنتائج
التالية على قرار مجلس الأمن والسلام
النهائي القادم في السودان:
1-
أن تحديات مرحلة ما بعد توقيع الاتفاق
أكثر عبئا من مرحلة ما قبل الاتفاق؛
على اعتبار أن مرحلة ما بعد التوقيع (الفترة
الانتقالية) ستشهد تحديات كبيرة على
صعيد العلاقة بين الحكومة في الشمال
وحركة التمرد من جهة، والعلاقة بين
الجنوبيين أنفسهم الذين لا يوافق
الكثير منهم على زعيم حركة التمرد
الجنوبية (الحركة الشعبية) كنائب
للرئيس البشير، ولا يعتبرونه المعبر
عنهم (هناك ثلاث قبائل في الجنوب
متنافسة هي: الشلك والنوير والدينجا).
2-
الفترة الانتقالية ستشهد تحديات أكبر
بشأن مستقبل الجنوب وبقائه ضمن
السودان الموحد أم الانفصال وحق تقرير
المصير، وهو ما يتوقع أن يوثق على صعيد
آخر العلاقات المصرية السودانية
للتغلب على الانفصاليين وتغليب خيار
الوحدة لدى الجنوبيين حيث ترفض
القاهرة رسميا أي انفصال للجنوب
وتعتبره خطرا على أمنها القومي.
3-
تسريع الولايات المتحدة اتفاق السلام
في الجنوب وتقديم مساعدات للسودان،
ارتبط -كما ورد في قرار مجلس الأمن-
بالتوصل إلى تسوية في غرب السودان (دارفور)
أيضا، ومع أن الخرطوم قبلت التحدي
وأعلن الرئيس البشير أن اتفاق دارفور
للسلام قد يأتي حتى قبل اتفاق الجنوب؛
فيجب عدم التغاضي عن أن المراد هو
إعطاء دارفور نفس التنازلات التي
أعطتها الحكومة في الجنوب رغم اختلاف
القضية والأزمة؛ وهو ما يؤشر على إعطاء
المتمردين الموالين لإريتريا في الشرق
نفس الحقوق، وبالتالي انتزاع سيطرة
الحكومة المركزية عن العديد من أقاليم
السودان.
4-
تجري كل هذه الاتفاقات في وقت يقف فيه
العالم العربي وخصوصا مصر موقف
المتفرج "المراقب" غير المؤثر في
الأحداث والتطورات على الأرض؛ بحيث
تملي واشنطن إرادتها وحدها ومعها بعض
الدول الأوربية والمنظمات التبشيرية
بما سيترتب على هذا مستقبلا من ضغوط
رهيبة على حكومة الخرطوم، وما يتبعه من
تغيير في خريطة النفوذ العربي في
السودان نفسه والمنطقة المحيطة به،
ولا يمكن إنكار التأثير هنا على الأمن
القومي المصري.
5-
أيا كانت الخسائر السياسية التي
خسرتها حكومة الخرطوم نتيجة الاتفاق؛
فهي ستجني بالمقابل مكاسب كبيرة
اقتصادية سواء في صورة برنامج
المساعدات الدولي لها والذي قدره أمين
عام الأمم المتحدة بآلاف الملايين من
الدولارات، أو في صورة وقف نزيف
الخزانة السودانية على حرب الجنوب،
والتي كانت تقتطع أكثر من نصف موازنة
السودان بجانب عدم تعمير مدن السودان،
وعدم الاستفادة الكاملة من عوائد
النفط المتعاظمة في كل عام.
باق
من الزمن إذن حوالي 35 يوما لتحقيق أول
اتفاق سلام سوداني دائم منذ استقلال
السودان.. ولكن الباقي من الزمن لتضميد
جراح الحروب والكراهية والعداء
والتدخلات الاستعمارية في الجنوب،
والذي استمر ربع قرن سيكون أكثر من ذلك
بكثير!
اقرأ
أيضا:
**محلل
الشئون السياسية بـ"إسلام أون لاين.نت"
|