بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أوروبا وأمريكا الشمالية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


"حرب العقول".. رأس حربتها مسلمو أوربا

جيل كيبل Gilles Kepel *

ترجمة وتحرير: شيرين حامد فهمي**

16/01/2005

الباحث الفرنسي جيل كيبل

"إلى أولئك الذين يريدون فهم السياسة الإسلامية فهما واضحا، وإلى أولئك الذين يأملون في أن يصير المسلمون يوما أناسا يحتضنون قيم الديمقراطية، ويعتنقون قيم التعددية بدلا من احتضان واعتناق الحلول الراديكالية.. إلى أولئك جميعا أقدم الأستاذ الجامعي "جيل كيبل"، من خلال كتابه الجديد "حرب العقول المسلمة: الإسلام والغرب"، الذي ركز فيه على آخر التطورات الإسلامية في الشرق الأوسط، محاولا تفنيد الخطوط المعقدة لأيدلوجية المقاومة التي هيمنت مؤخرا على فكر الشعوب، سواء كانت هذه الشعوب إسلامية أم غربية. وفي نهاية كتابه عبر "كيبل" عن آماله وطموحاته في إعادة العلاقة ثانية بين المسلمين والغرب، بالشكل اللائق الذي يصب في مصلحة الطرفين، إلا أن الأمر مرهون، أولا وأخيرا، على إشراك المسلمين الأوربيين المعتدلين في تلك القضية.

هذه العبارات قيلت في مركز "كارنيجي" الأمريكي، في خريف 2004، للترحيب بالضيف الفرنسي "جيل كيبل". أما سبب الترحيب فهو راجع إلى صدور كتابه الجديد "حرب العقول المسلمة: الإسلام والغرب" الذي ترجم إلى الإنجليزية من قبل دار النشر التابعة لجامعة "هارفارد" الأمريكية. إلا أن سبب الترحيب لا يتمثل في الكتاب وحده، بل يتمثل أيضا في أهمية وضع الكاتب نفسه، الذي يعتبر من أبرز المتخصصين الغربيين الذين بحثوا وتعمقوا في الإسلام والمسلمين والحركات الإسلامية، حيث بدأ مشواره في هذا المجال منذ أوائل السبعينيات، وذلك حينما قام بدراسة ميدانية حول الأصوليين الإسلاميين في الشرق الأوسط، والتي ظل من بعدها، وحتى هذه اللحظة، عاكفا على دراسة هذا "العالم الأصولي".. إن جاز التعبير.

وفي كتابه الجديد -الذي سيكون محور هذا المقال- استند الباحث إلى مصادر إسلامية وغربية متنوعة ليصل إلى الحجة التي أقام عليها هذا الكتاب، ألا وهي: أن أهم جولات حرب العقول المسلمة، في ظل العقد القادم، سوف تتركز في داخل المجتمعات المسلمة التي تعيش في الغرب، في لندن وباريس حيث عاش الإسلام واستقر. ومن ثم فإن مسلمي الغرب الأوربي سيكونون رأس الحربة في تغيير عقول المسلمين نحو الديمقراطية والتعددية، وصرفهم عن التطرف والأصولية.

وقبل أن يُعطى "كيبل" الكلمة، لم ينس المركز أن يسرد بعض أعماله أو كتبه السابقة: "الجهاد: خط الإسلام السياسي"، و"الانتقام الإلهي: الصحوة الإسلامية والمسيحية واليهودية في العالم الحديث"، وكذلك رسالة الدكتوراة التي كتبها في بداية الثمانينيات عن "الحركة الإسلامية الراديكالية بمصر". وفي ما يلي تلخيص أهم ما قاله "كيبل" بخصوص كتابه الجديد.

"القاعدة" والإنترنت

يبدأ "كيبل" حديثه بانتقاد مقولة أو نظرية "صدام الحضارات"، موضحا أن الأمر ليس بتلك البساطة أو السهولة التي تفترضها النظرية، فالحقيقة تتطلب منا -والكلام لـ"كيبل"- السعي بجهد وراء تقويم أحداث سبتمبر 2001، من خلال قياس حجم "الإنجازات" التي كان يحلم بها المنفذون "القاعديون- نسبة لتنظيم القاعدة". بمعنى آخر، هل استطاع منفذو عمليات 11 سبتمبر تحقيق أهدافهم وآمالهم التي كانوا يتمنونها؟ هل أظهرت السنوات التي تلت الأحداث "إنجازات" إيجابية لتنظيم القاعدة؟ وما رد الفعل المناسب الذي يجب على الغرب تبنيه لمواجهة هذا التحدي "القاعدي"؟.

الإنترنت.. هو السبب الأول والأساسي الذي يراه "كيبل" لنجاح تنظيم القاعدة في القيام بأحداث سبتمبر. فلولا الإنترنت لما وُجدت "القاعدة". ويدلل على افتراضه هذا بالرجوع إلى معني كلمة "القاعدة" باللغة العربية، مشيرا إلى معنيين مختلفين:

فأما المعنى الأول فهو "القاعدة" التي يتدرب فيها أنصار التنظيم، وهي عبارة عن مخيمات وكهوف تدريبية، مُقامة في أفغانستان لهذا الغرض. وقد آمنت الإدارة العسكرية بهذا المعنى، متخيلة أن تدميرها لتلك المخيمات والكهوف سوف يقضي على شبكة التنظيم بأكملها، إلا أن الواقع لم يصدق إيمانها.

وأما المعنى الثاني فهو معنى تشبيهي غير مجسد، إنه معنى "القاعدة المعلوماتية" (الإنترنت) التي يجتمع حولها الحركيون والمسلحون التابعون للتنظيم، بعد أن دُمرت الأماكن المُجسدة التي كانوا يلتقون فيها. ومن ثم، يخلص "كيبل" قائلا: "إن 11-9 يمثل نتاجا للإنترنت".

من العدو القريب إلى العدو البعيد

غلاف كتاب حرب العقول المسلمة

عكس كتاب "فرسان تحت راية النبي " -الذي ألفه أيمن الظواهري، "الرأس المدبرة"، كما يصفه الكاتب، لتنظيم القاعدة والذي انتشر بسرعة رهيبة بفضل المواقع الإسلامية على الإنترنت- مدى "الفشل الذريع" الذي منيت به الحركات الإسلامية في عقد التسعينيات بالقرن العشرين. وهو فشل برهن نفسه في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، من مصر إلى الجزائر إلى البوسنة إلى الشيشان إلى كشمير. ويُرجع الكتاب السبب الأصلي وراء هذا الفشل إلى غطرسة الحكومات المسلمة -التي يصفها الظواهري بالعدو القريب- ومن ثم منعها للحركات الجهادية من تعبئة الجماهير أو الشعوب المسلمة. وبناء عليه -كما يقول الظواهري- اضطرت الجماعات إلى إيجاد طريق جديد لتعبئة الشعوب بعيدا عن أعين الحكومات. وكان هذا الطريق هو تحويل الدفة من العدو القريب -الذي ركزت عليه الجماعات الجهادية طيلة عقدي السبعينيات والثمانينيات في القرن العشرين- إلى العدو البعيد المتمثل في إسرائيل والغرب، على أن تعاود تلك الجماعات حربها مع العدو القريب بعد فراغها من القضاء على العدو البعيد.

ويكمل "كيبل" ما قرأه في كتاب الظواهري، فيمضي قائلا بأن ذلك الطريق الجديد قد تطلب إيجاد شكل تعبوي جديد -كما يقول الظواهري في كتابه- يستطيع الإفلات من أعين أجهزة المخابرات التابعة للحكومات المسلمة. ومن ثم كان التوجه من التعبئة الشعبيوية، التي أثبتت فشلها، إلى تعبئة جماعة صغيرة من المسلحين والحركيين، تتسم بثلاث خصال:

الأولى: الإيمان الشديد بفكرة جهاد العدو البعيد.

والثانية: التعليم المتميز، ويا حبذا إذا كانوا من خريجي الجامعات الأوربية أو الأمريكية.

والثالثة: القناعة العقلية التامة بالفكر السلفي، أو بالفكر الذي يفضل استخدام ظاهر النص عن استخدام روحه أو مقصده.

ويرى "كيبل" أن هذه الجماعة -التي تلقت تعليما غربيا- استسلمت إلى عملية "غسيل مخ" مقصودة، ليتم حقنها بعد ذلك بالفكر السلفي.

11-9.. هوليوود أمريكي

ينتقل "كيبل" بعد ذلك إلى التحدث عن الأثر "التراجيدي" الذي عكسته أحداث 11-9-2001، ذلك الأثر الذي يذكرنا -كما يقول الباحث الفرنسي- بأفلام "هوليوود" الأمريكية، المعروفة بإثارة مشاعر المشاهد لدرجة تجعله يتعايش معها، متوحدا معها وكأنها حقيقة. وينقل إلينا "كيبل" المبرر الذي صاغه الظواهري لإحداث تلك التراجيديا، فيقول:

كان الظواهري يأمل -أولا- في إرسال صدمات من الرعب والخوف إلى الغرب، العدو البعيد.. بحيث تؤدي تلك الصدمات إلى إثارة وتعبئة جماهير الأمة، لتشارك حماة الدين في إسقاط القوى "الظالمة" بدون خوف "من الحكومات المسلمة". وثانيا، كان يأمل في إيجاد الشعار المناسب لتعبئة الجماهير. فقد أدرك الظواهري أن الشعوب المسلمة بحاجة إلى شعار مفهوم تحارب تحت لوائه، فالشعوب المسلمة لا تستطيع فهم "الدولة الإسلامية" بسهولة، ومن ثم اختار الظواهري شعار "الجهاد ضد إسرائيل"، حيث وجده مناسبا وملائما لجميع المسلمين والعرب، ملتزمين كانوا أم غير ملتزمين، مؤمنين كانوا أم غير مؤمنين. وهكذا جاءت أحداث سبتمبر 2001 -كما يدلل الباحث- بعد تحول هام على مسار انتفاضة الأقصى التي كانت قد اندلعت في سبتمبر 2000، ذلك التحول الذي شهدناه في أغسطس 2001، حينما عادت "حماس" و"الجهاد" إلى وسط الساحة الفلسطينية مرة أخرى، بعد أن كان تنحيتهما عن الساحة هو المفترض، إلا أن فشل مفاوضات "كامب ديفيد 2" في يوليو-أغسطس 2000 في التوصل لتسوية للقضية الفلسطينية -بسبب تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي "إيهود باراك"- عجل بتلك العودة بعد أن أطلق الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الضوء الأخضر لاندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000، مؤملا في الضغط على باراك للوصول إلى مفاوضات أفضل.

ملخص القول: أن تنظيم القاعدة -كما يرى "كيبل"- نجح ببراعة في ربط انتفاضة الأقصى، التي كانت أحداثها حينذاك متأججة في قلوب جميع المسلمين، مع أحداث سبتمبر.. بهدف تعبئة الأمة الإسلامية سياسيا. لقد نجحت القاعدة -من خلال تفجيرات سبتمبر- "في استغلال الحدث لصالح تحويل الإرهاب إلى عمل سياسي، الغرض منه هو ترويج التعبئة السياسية".

بعد 3 سنوات.. هل نجحت القاعدة؟

ويطرح الباحث سؤالا وجيها هو: هل نجح تنظيم القاعدة في تحقيق المكاسب التي كان يبغيها من خلال عملية الحادي عشر من سبتمبر؟ بمعنى آخر: هل تحولت الدول المسلمة -في السنوات الثلاث الأخيرة- إلى دول إسلامية، كما كان يريدها بن لادن؟ وهنا يجيب الباحث بالنفي القاطع، ويدلل نفيه هذا بالحالة التي صارت عليها كل من أفغانستان والعراق. فأما الأولى فقد أضحت دولة أخرى، ومختلفة تماما عن تلك الدولة التي كانت في يوم من الأيام تأوي بن لادن وأنصاره، وتحقق لهم الملاذ الآمن. وأما الثانية، فقد أضحت مسرحا للقوات الأمريكية المحتلة، بل أضحت عاصمتها بغداد -التي كانت يوما عاصمة الخلافة العباسية- أضحت خاضعة ومستسلمة لقوة محتلة غير مسلمة. "لقد باتت أراضي الإسلام تحت هيمنة الكفار"، من وجهة نظر "كيبل".

أما ما نشهده الآن في فلسطين فحدث ولا حرج. فلم يحدث أن تدهور الوضع الفلسطيني -منذ عام 1948- بالسوء الذي نراه عليه اليوم. ويكمل الباحث الفرنسي قائلا: "إن المصير السياسي للفلسطينيين كشعب أو ككيان مظلم للغاية، وهو لم يبلغ هذا التيه الذي نراه عليه اليوم، فالانتفاضة تنهار، وشارون يبني الجدار العازل، وياسين والرنتيسي تُصفى دماؤهم، و"حماس" و"الجهاد" تحاربان عرفات [لم يكن قد وافته المنية بعد]".

ثم يطرح الباحث سؤالا آخر هو: كيف يرى تنظيم القاعدة نفسه بعد ثلاث سنوات؟ وما الإنجازات التي يعتقد أنه حققها في السنوات الثلاث الماضية؟

وتتلخص الإجابة -حسب رؤية الباحث- في اعتقاد التنظيم بكونه قد حقق نجاحا ملحوظا في جعل الإرهاب هو الموضوع الأهم على الأجندة العالمية، وذلك ليس فقط على الصعيد الدولي، وإنما أيضا على الصعيد المحلي. فاختطاف الصحفييَن الفرنسييَن من قبل أنصار التنظيم في العراق، وتفجير قطار مدريد، والهجوم على المركز اليهودي في الدار البيضاء، وتفجيرات إستانبول التي استهدفت الأتراك اليهود.. كلها أحداث دلت على أن التنظيم لم يمت ولم ينته، دلت على أن التنظيم لن يكف عن التوالد والتشعب والتفرع، وهذا ما يحسبه التنظيم نجاحا وتفوقا على جميع الظروف التي تبغي خنقه وتقييده. ولا ينسى الباحث أن يلفت انتباهنا -في هذا الصدد- إلى فشل المسئولين الأسبان والأمريكان في مواجهة القاعدة. فالإثنان أدركا القاعدة بأسلوب ساذج وجاهل. فأما "أزنار" رئيس الوزراء الأسباني فقد أسرع بشن الاتهام على المنظمة الإرهابية الأسبانية "إيتا"، مستبعدا أن يكون لتنظيم القاعدة أي دخل في تفجير قطار مدريد، الأمر الذي أطاح به من رئاسة الوزارة، ليأتي "ثاباتيرو" مكانه. وأما المسئولون الأمريكيون فقد ظنوا أن دخولهم بغداد وإسقاطهم إياها بتلك السهولة المفرطة التي أظهرتها شاشات التلفزيون حينذاك، سيتيح تلقائيا تعبئة المجتمع المدني العراقي سياسيا لينضم إلى المشروع الأمريكي الكبير لمقرطة الشرق الأوسط، إلا أن هذا لم يحدث على الإطلاق.

ويخلص "كيبل" إلى أنه رغم نجاح تنظيم القاعدة في جعل الإرهاب الموضوع رقم "1"، فإنه لم ينجح في تعبئة الأمة الإسلامية سياسيا، كما لم تنجح القوات الأمريكية في تعبئة الشعب العراقي سياسيا. فما فعله أنصار التنظيم في المغرب وتركيا من تفجيرات أسفر عن مقتل كثير من المسلمين، وقليل من اليهود. أي أنهم تسببوا في قتل "أبناء وبنات المجتمع المدني الذي كانوا يودون تعبئته تجاه الإرهاب".

دور أوربا في المعركة

يعلق الباحث الفرنسي آمالا عريضة على مسلمي أوربا في إحداث نقلة نوعية في فكر المسلمين. ويفرد فصلا كاملا في نهاية كتابه عن هذا الشأن الذي يراه المفتاح الوحيد لحسم المعركة مع تنظيم القاعدة، والأمل الوحيد لتطهير عقول المسلمين من أفكار الإرهاب والأصولية والتشدد، حسب وجهة نظره. وهو يذكر لنا واقعة حقيقية حدثت في موطنه، ليعطي لنا دليلا على وجاهة ورجاحة رؤيته. هذه الواقعة حدثت وقت اختطاف الصحفيين الفرنسيين من قبل تنظيم القاعدة بالعراق في أغسطس 2004، حيث هب المجتمع الفرنسي كله بما فيه الفرنسيون ذوو الأصول المسلمة، معبرا عن سخطه على ما يفعله التنظيم بحق هذين الصحفيين، من خلال إرساله وفود نائبة عنه إلى الشرق الأوسط، لتوجه كلمته إلى الخاطفين قائلة: "من أنتم؟ نحن لا ننكر فقط حقكم في التحدث باسم الإسلام، بل ننكر أيضا حقكم في التحدث باسمنا. نحن نكرهكم. وليس لدينا أية علاقة بكم".

إن الحرب التي يراها باحثنا الفرنسي ليست هي حرب "هنتنجتون" -حرب الغرب والشرق- وليست هي حرب الغرب مع الغرب، وإنما هي حرب تُدار على صعيد المجتمعات المدنية داخل العالم الإسلامي، تُدار بين مسلمين "متنورين" ومسلمين أصوليين ومتشددين، وعلى الفئة الأولى أن تُصلح من عقول الفئة الثانية. فالإرهاب -من منظوره- لن تُقتلع جذوره إلا إذا عُبئت المجتمعات المسلمة ضد الإرهاب، سواء كانت هذه المجتمعات في داخل الدول ذات الأصل المسلم، أو في داخل الدول التي هاجر إليها المسلمون مؤخرا. فالمجتمعات المدنية المسلمة -في رأي الباحث- لها من الأهمية في مواجهة الإرهاب مثل ما للقوة العسكرية من أهمية. باختصار: إن العسكر لا ولن يكفي لاجتثاث جذور الإرهاب.

وقد يضع باحثنا معولا كبيرا على أولئك المسلمين المنجذبين للنموذج الأوربي، إذ يرون فيه بديلا عن الراديكالية. ويضرب أمثلة لأولئك المسلمين من واقعنا المعيش: الإسلاميون الأتراك، مفتي البوسنة، المواطنون الأوربيون ذوو الأصول المسلمة، وطبعا الحكومة التركية الإسلامية الحالية التي تبذل كل ما في وسعها للتقرب من الاتحاد الأوربي، أكثر مما كانت تفعله الحكومات التركية العلمانية. أولئك جميعا يراهم "كيبل" تيارا إسلاميا معتدلا -وبالطبع مبشرا- لكونه يسعى إلى دحض الفكر "الإرهابي"، ولكونه يسعى أيضا إلى إجهاض "الفتن" التي تسببها عمليات القاعدة. وقد يسعد "كيبل" بنمو هذا التيار في داخل الأوساط المسلمة، ويسميه بتيار أو فريق "الفتنة" مقابل فريق "الجهاد". فالفريق الأول يؤمن بأن أحداث سبتمبر أدت إلى احتلال العراق، ووقوعه -كأكبر بلد مسلم منتج للنفط- تحت أيد غير مسلمة، ومن ثم فإن الأحداث أدت إلى فتنة خطيرة للمسلمين. بينما يؤمن الفريق الثاني بأن أحداث سبتمبر كانت جهادا، وبأن محاربة الاحتلال الأمريكي في العراق ستظل جهادا مستمرا حتى يتم إنشاء دولة عراقية إسلامية على حطام وأشلاء المحتلين.

وقد يرى الباحث محورية ومركزية القارة الأوربية في مثل هذه القضية، فأوربا من وجهة نظره تختلف عن الولايات المتحدة، حيث تعتبر الأولى هي الدائرة الأقرب إلى العالم المسلم. فكما يقول "كيبل": "نحن جزء من العالم المسلم، والعالم المسلم جزء منا. ومن ثم أمامنا مسئوليات وتحديات وفرص مختلفة". وكذلك فإن أوربا -حسب كلامه- تطرح نموذجا بديلا وقريبا للمسلمين، كما ذكرنا أعلاه. وهذا على عكس النموذج الأمريكي البعيد، الذي لم يعد يمنح المسلمين تأشيرات دخول إلا في أضيق الحدود.

وفي النهاية يخلص الباحث الفرنسي قائلا: "إن التحدي الماثل (أمام المسلمين الآن) هو إما التغيير والتعديل والإصلاح، ليجنوا المكاسب التي يحظى بها الأوربي اليوم، فيصبحوا جزءا من الخبرة والتجربة الأوربية -باعتبار أن أوربا تخطو خطوات متقدمة وإما الاندراج في الفتنة والإرهاب.. إن أوربا هي بالونة اختبار".

وأخيرا فإن استعراض هذه الرؤية الغربية لظاهرة الإرهاب وكيفية مواجهتها يجعلنا نطرح جملة التساؤلات الآتية:

هل أصبح الخيار أمام المسلمين اليوم هو إما العيش داخل منظومة وتجربة الآخر وإما العيش على الهامش؟

وهل أصبح الغرب هو المحدد للمسلم المعتدل وللمسلم غير المعتدل؟

ولماذا يُعلق ذنب الإرهاب دائما على أكتاف المسلمين ذاتهم -مرة اقتصادهم، ومرة حكوماتهم الديكتاتورية، والآن عقولهم- ولا يُعلق بالمثل على أكتاف الآخر؟

ولماذا يُنظر دائما إلى أن أسباب الإرهاب تكمن في الإسلام وفي المسلمين؟

ولماذا يُستبعد الآخر دائما من المحاسبة في كثير من الأدبيات الغربية؟

وأخيرا.. هل نستطيع معالجة المرض بمعزل عن الأسباب الحقيقية المؤدية له؟

وهل تطوير الفكر الإسلامي يبقى بالفعل مرهونا بمسلمي الغرب؟.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع