وربما
يرجع بروز هذه الظاهرة في لبنان أكثر
من أية دولة عربية أخرى، إلى التكوين
الطائفي للبنان (ثماني عشرة طائفة)،
وإلى الدستور الذي يكفل حق الطوائف في
إنشاء مؤسساتها التعليمية. كما أن
طبيعة النظام الذي يرتكز إلى ما يعرف
بالطائفية السياسية التي تحدد حصص كل
طائفة وحقوقها في هذا الموقع أو ذاك (رئاسة
الجمهورية للموارنة ورئاسة المجلس
النيابي للشيعة ورئاسة الحكومة للسنة)،
وهكذا بقية الطوائف الأخرى، وبقية
المواقع العليا في الجيش وفي الإدارة،
هي التي عززت هذا الاتجاه نحو التوريث
العائلي الذي يحتمي بالانتماء الطائفي
على أساس أن الولاء لهذا الزعيم أو ذاك
في طائفة معينة هو ولاء للطائفة وقوة
لها.
كما
أن انتقال الوراثة إلى أحد أبناء
الزعيم الراحل ومبايعته على ذلك يحمل
حرصًا ضمنيًّا على استمرار تماسك
الطائفة كما كانت في ظل قيادة الزعيم
السابق، كما يعود هذا التقليد من
التوريث من جهة ثانية إلى ضعف الإحساس
بالانتماء إلى "المجتمع المدني"
وإلى قوة الشعور بالانتماء إلى "المجتمع
العائلي" أو المجتمع العشائري ليس
في لبنان وحسب، بل في أكثر من دولة
عربية، ولا يعني ذلك أن القضاء على هذه
الظاهرة يكمن كما يعتقد البعض في مجرد
الدعوة إلى الانتقال من هذا الانتماء
العائلي إلى ذاك الانتماء المدني، أو
في عقد الندوات والمؤتمرات المحلية
والإقليمية حول "فضائل" المجتمع
المدني؛ لأن مثل هذا الانتقال عندما
يحصل سيكون ثمرة تحولات واسعة في
الجوانب الثقافية والاجتماعية
والسياسية والتربوية والتي تحتاج إلى
بيئة مناسبة لكي تنمو فيها بشكل طبيعي
من دون أي افتعال.
وما
يلفت النظر في التجربة اللبنانية
هو
تلك المفارقة بين الشعارات "الحديثة"
مثل الديمقراطية والاشتراكية
والتقدمية ورفض التخلف، ونقد التسلط
والاستبداد التي ترفعها كثير من
الأحزاب اللبنانية وبين الواقع الفعلي
لتلك الأحزاب الذي يقوم في كثير من
الأحيان على الانتماء الطائفي
والمذهبي، وعلى استمرار الزعامة
الفردية العائلية سنوات طويلة من دون
أي تدوال لتلك الزعامة، إلا لوريث من
العائلة. وقد نجحت معظم الطوائف في
لبنان في مراحل مختلفة من تاريخه في
"إنتاج" تنظيم للطائفة بدأ
محليًّا، أو "مناطقيًّا" ثم اتسع
ليشمل الطائفة على نطاق الوطن كله،
وليصبح هو عصب الطائفة الحيوي في تجسيد
مصالحها وفي الدفاع عنها وفي حماية "حصصها"
في التركيبة الطائفية اللبنانية مثل
ما حصل مع آل جنبلاط/ الحزب التقدمي
الاشتراكي لدى الدروز، ومع حركة أمل
ولاحقًا/ حزب الله عند الشيعة، وسابقًا
"مع آل الجميل/ حزب الكتائب منذ
الاستقلال إلى نهاية الحرب الأهلية.
الظاهرة
"الحريرية"
ولم
تشهد الطائفة السنية في لبنان مثل هذا
الامتداد عبر المناطقي "الموحد"
الولاء إلا عبر الظاهرة "الحريرية"
نسبة إلى تيار الرئيس الراحل رفيق
الحريري، وأن تحظى في الوقت نفسه
بتأييد قطاعات واسعة في أوساط الطوائف
الأخرى في لبنان، فطوال السنوات
السابقة شهدت الطائفة السنية زعامات
محلية ومناطقية في بيروت وفي طرابلس
وفي صيدا تتنافس في ما بينها من دون أن
يقدر أي زعيم على توحيد كل أبناء
الطائفة تحت قيادته، أو أن يمد "نفوذه"
إلى مناطق الزعيم الآخر، كما شهدت هذه
الطائفة ديناميكية حزبية وسياسية
واسعة ومتنوعة اتسمت طوال العقود
الماضية بطابعها العروبي الإسلامي
الذي عبرت عنه ظواهر الناصرية والبعث
والقومية والمقاومة الفلسطينية التي
انتمى إليها أبناء هذه الطائفة قبل أن
تنشط في داخلها أيضًا "الظاهرة
الإسلامية" باتجاهاتها كافة مثل ما
حصل في أكثر من بلد عربي وإسلامي.
والطائفة السنية لا تتسم بعصبية
انغلاقية تدفعها إلى الدمج بين زعامة
العائلة وزعامة الطائفة، فهي ذات
امتداد عربي وإسلامي واسع يحقق لها
توازنًا "داخليًّا" وحماية
طبيعية، خلافًا لطوائف أخرى أقلية
تزداد انغلاقًا كلما شعرت بالذوبان في
المحيط الأوسع.
ولم
يأت رفيق الحريري إلى عالم الزعامة
السياسية من البوابة العائلية أو
الحزبية، بل من بوابتي الاقتصاد
والسلم الأهلي، ومن البوابة الإقليمية
(السعودية) بعد اتفاق الطائف، فقد بدأ
صيته يعلو في الأوساط اللبنانية
المختلفة في مطلع الثمانينيات بسبب
المنح الدراسية في لبنان والخارج التي
قدمتها "مؤسسة الحريري" لآلاف
الطلاب من مناطق مختلفة ومن طوائف
مختلفة، أما ظهوره "الرسمي" على
المسرح السياسي اللبناني فكان مع
إعلان انتهاء الحرب الأهلية من مدينة
"الطائف". وكان الحريري أحد أبرز
عرابي ذلك الاتفاق عام 1989 الذي أصبح
دستور لبنان الجديد وفيه تعززت
صلاحيات رئيس مجلس الوزراء على حساب
رئيس الجمهورية. ومنذ ذلك الاتفاق وإلى
لحظة اغتياله، تولى الحريري رئاسة
معظم الحكومات في لبنان، وإليه يعود
الفضل في إعادة إعمار وسط بيروت الذي
لم يسلم من انتقادات حادة من كثير من
معارضيه، وتمكن تدريجيًّا في خلال تلك
السنوات من تأكيد زعامته على الطائفة
السنية بأكملها، بعدما تحول إلى الرجل
القوي إن لم يكن الأقوى بين رؤساء
المواقع الطائفية الأخرى.
يغيب
الرئيس الحريري بعدما لعب دورًّا
مهمًّا طوال أكثر من خمسة عشر عامًا في
التحولات التي مر بها لبنان من
الاقتتال الداخلي إلى السلم الأهلي
ومن مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية
إلى تحرير جنوب لبنان، ومن إعادة
الإعمار إلى تأكيد حضوره الإقليمي
والدولي. ويغيب الرئيس الحريري ولبنان
أمام تحدٍّ مصيري جديد بسبب المشروع
الأمريكي الذي يريد إعادة تشكيل منطقة
الشرق الأوسط من أفغانستان إلى العراق
وفلسطين مرورًا بسوريا ولبنان لجعلها
منطقة خالية من "الكراهية للولايات
المتحدة"، وخالية من العنف ضد
إسرائيل، كما يؤكد ذلك علانية قادة
الإدارة الأمريكية، أي أن الاستحقاق
الداهم الذي سيواجهه لبنان هو علاقته
مع سوريا وتأثير هذه العلاقة على
استمرار وجود المقاومة (حزب الله) على
الحدود الجنوبية، وتواصلها مع
الانتفاضة في فلسطين؛ لأن المطلوب
بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو قطع
هذا التواصل وإنهاء الوجود العسكري
لهذه المقاومة. كما يغيب الحريري وفي
لبنان حالة سياسية من الاعتراض على
الوجود السوري بدأت بالتشكل قبل
اغتياله ببضعة أشهر وتتشكل أساسًا من
قسم كبير من المسيحيين، ومن غالبية
الدروز بقيادة وليد جنبلاط، وتدعو هذه
المعارضة إلى انسحاب الجيش السوري من
لبنان، استنادًا إلى القرار الدولي 1559
الذي صدر قبل أشهر عن مجلس الأمن. وكانت
هذه المعارضة تتطلع إلى انضمام الرئيس
الحريري إليها انضمامًا كليًّا لكي
تصبح جبهة معارضة واسعة تضم غالبية
اللبنانيين.
تحولات
عاصفة
وإذا
كانت تلك الظروف في لبنان والتحولات في
المنطقة قد واكبها الرئيس الحريري،
فإن من سيرث موقعه سيواجه كل تلك
المتغيرات دفعة واحدة من دون الإرث
السياسي والشخصي الذي كان يتمتع به
الرئيس الراحل، ولهذا تبدو مهمة
خلافته مهمة عسيرة بالنسبة إلى عائلته.
ومهما قيل في الحالة الشعبية والتعاطف
الواسع الذي سيحصل عليه أي مرشح من
العائلة للانتخابات النيابية
المقبلة، فإن ذلك لا يعني تلقائيًّا أن
استبدال الوراثة قد تم بنجاح، أو أنه
بات "مضمونًا" في استرجاع سيرة
الوالد نفسها، وحضوره وتأثيره على
الصعد كافة، أو أن الوريث قادر على مد
نفوذه إلى الطائفة كلها متجاوزًا
الشخصيات السنية الأخرى التي تجاوزها
الوالد، أو إلى الطوائف الأخرى التي
نسج معها الرئيس الراحل علاقات سياسية
واقتصادية واجتماعية، ومن الواضح أن
أيًّا من الأبناء الذين انصرفوا إلى
إدارة المؤسسات والمشاريع التي يملكها
الوالد في أكثر من مكان في العالم، لا
يملك الخبرة السياسية أو التجربة التي
تؤهله لقيادة هذا الإرث الهائل
السياسي والاجتماعي والخدماتي
والإنمائي، ومن العلاقات المحلية
والإقليمية والدولية، ولمواجهة
التحديات الصعبة والخطيرة التي فتحت
كلها دفعة واحدة: من العلاقة مع سوريا،
إلى تطبيق القرار 1559، إلى سلاح
المقاومة وسلاح المخيمات الفلسطينية،
إلى التدخل الدولي، إلى الانتخابات
النيابية وتأثيراتها المرتقبة على
مستقبل لبنان، فتلك التحديات التي
كشفت عجز الكثير من السياسيين
اللبنانيين عن مواجهتها بالطرق
المناسبة، لن يتمكن أي وريث شاب مهما
أوتي من الكاريزما، أو من فرصة
الانخراط في العمل السياسي، من قيادة
التصدي لها كما هو مطلوب في هذه
المرحلة، وكما كان ليفعل الرئيس
الحريري لو لم يتم اغتياله، ولا يعني
ذلك استحالة اكتساب أي وريث للخبرة
المناسبة الضرورية بمرور الوقت في
مواجهة التحديات المختلفة، إذا كان
مستعدًّا لذلك.
إلا
أن المرحلة الحالية التي يمر بها لبنان
والمنطقة تشهد انقلابًا غريبًا في
التحالفات وتحولات عاصفة وخطيرة، لن
تتيح أي فرصة للتعلم وللمحاولة
والخطأ، فمثل هذا الأمر قد يحصل في
حالات أكثر استقرارًا يمكن أن تنجب
قائدًا مجربًا بعد حين ولهذا السبب،
ومهما علت أصوات المشيعين وهتافات
المحبين بمبايعة أحد الأبناء، فليس
ذلك هو المعيار الذي يمكن الركون إليه
للاطمئنان إلى قدرة هذا الوريث أو ذاك
على تكرار تجربة الوالد الفريدة، أو
على الالتفاف الشعبي حوله، أو على
إنقاذ الوطن من المتربصين به.
إن
غياب الرئيس الحريري سيترك فراغًا
لافتًا على مستوى القيادة السنية
يستحيل تعويضه بسهولة، بعد نحو خمسة
عشر عامًا من استقرار تلك القيادة من
دون منافس، وهي قيادة كما أسلفنا جاءت
من خارج الأبواب العائلية التقليدية
التي عرفها سُنّة لبنان سابقًا وبقية
طوائفه؛ ولهذا السبب حاولت القوى
السياسية اللبنانية المعارِضة أن
تستثمر لحظة الفراغ الذي نجم عن اغتيال
الرئيس الحريري ولم يملأه أي زعيم آخر،
أن تجذب الطائفة السنية كلها إلى موقع
المعارضة التي كان الرئيس الحريري
يفترق عن بعض أهدافها الإستراتيجية،
علمًا بأن بعض أوساط تلك المعارضة كانت
تخشى قدرات الرئيس الحريري الواسعة
وترى فيه (بحسب التوزيع الطوائفي) أقوى
شخصية سنية شهدها لبنان في رئاسة
الحكومة في مواجهة رئيس الجمهورية
الماروني.
وسيتيح
هذا الغياب المفاجئ لزعماء السنة
الآخرين وللزعماء الطامحين في بيروت
والمناطق الأخرى، محاولة استعادة
البريق الذي فقدوه طيلة السنوات
الماضية، إلا أن ذلك على افتراض حصوله
لن يردم هوة الفراغ الكبيرة التي تركها
الرئيس الحريري، وسيعود الأمر
تدريجيًّا إلى الزعامات المناطقية
التي ستعجز عن توحيد الطائفة السنية
كلها خلفها.
ولهذا
يستحيل في المدى المنظور، إن لم يكن
أبعد من ذلك بكثير، أن يشهد لبنان وأن
تشهد الطائفة السنية فيه مثل تلك
الشخصية القيادية التي كانت للرئيس
الراحل رفيق الحريري والتي جمعت في وقت
واحد الأبعاد المحلية والإقليمية
والدولية والتي اتضح بقوة حجمها
الحقيقي بعد رحيله والتي سبق للرئيس
الراحل أن استخدمها في لحظات الشدة
السياسية والاقتصادية.
عمومًا،
لقد فتح غياب الرئيس الحريري باب
الأزمة اللبنانية على مصراعيه بعدما
كان حضوره بداية إقفال لتلك الأزمة مع
اتفاق الطائف عام 1989، وما لم يتدارك
اللبنانيون مشاريع الفتنة الداخلية
ومشاريع التدخل الخارجي، فإن ما يحصل
قد يطيح بكل منجزات حقبة التحرير
والاستقرار والإعمار التي كانت في
الوقت نفسه حقبة الرئيس رفيق الحريري
في لبنان.
اقرأ
أيضًا: