|
المصلحة أمريكية.. والإصلاح عربي |
|
خليل
العناني**
|
30/04/2005
|
|

|
|
الرئيس الأمريكي جورج بوش |
إلى
أي حد يمكن أن تستمر الولايات المتحدة
في تبني "أجندة" الإصلاح في
العالم العربي؟ وما هي مصلحة أمريكا في
إصلاح العالم العربي؟ وأين تتقاطع
حدود المصالح الأمريكية بالمنطقة مع
مسألة الإصلاح؟ وعند أي حد يمكن أن يقف
الضغط الأمريكي لإجبار النظم العربية
على القيام بإصلاحات ديمقراطية؟
ومنبع
الجدل حول هذه الإشكالية أنها تفترض
المزج بين متغيرين متداخلين إلى درجة
وجود قدر من التجاذب والتنافر بينهما
في آن واحد؛ هما "المصلحة الأمريكية"
في مقابل "مصالح" الأنظمة
العربية؛ فما تراه الولايات المتحدة
الآن صالحا لها، لم يعد بالضرورة -كما
كان الحال في السابق- كذلك بالنسبة
للنخب العربية القائمة.
تفكيك
المصلحة الأمريكية
اعتادت
الولايات المتحدة أن تعرف مصالحها في
الشرق الأوسط من خلال دعم مثلث
الاستقرار في المنطقة الذي يمثل كل من
حماية إسرائيل وضمان الإمدادات
النفطية ضلعيه؛ وهو ما تطلب معه قاعدة
محورية هي حماية الأنظمة العربية
القائمة رغم تميزها بالتسلط والجمود،
بيد أن "الأمن" الأمريكي قد بات
على رأس كل الأولويات والمصالح
الأمريكية منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، وهو
ما يتطلب تحولا هيكليا في مسار السياسة
الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط؛
حتى يمكن ضبط حركة المثلث الجديد (الأمن
وإسرائيل والنفط)؛ بحيث لم تعد مسألة
حماية الأنظمة العربية تحظى بنفس
القدر من الاهتمام الأمريكي، إن لم يكن
هناك ضمور فعلي في ملامح هذا الاهتمام.
ولكن
كيف يمكن للولايات المتحدة حماية "مثلثها"
المصلحي الجديد في ظل هذا التحول؟ واقع
الأمر أن هناك غلافا دعائيا يضفي مسحة
"تفاؤلية" على مفردات الخطاب
الأمريكي في المنطقة ينطلق من إقرار
الديمقراطية كخيار وحيد أمام نظم
المنطقة، وهو غلاف يغطي حقيقة المثلث
المذكور، ويستند في مجمله إلى طبيعة
الأوضاع المتردية في العالم العربي،
والأزمة التي تعيشها المجتمعات
العربية، وتؤكدها بيانات وأرقام
تقارير التنمية الإنسانية العربية
التي تقر صراحة بحال الفشل الذي وصلت
إليه النظم العربية في مجال الحريات
السياسية. وعبر هذا الخطاب الدعائي
تنفذ الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها.
من
جهة أخرى فقد كشف التحول الحادث في
السياسة الخارجية الأمريكية تجاه
العالم العربي حقيقة الرؤية الأمريكية
لأطراف النزاع العربي الإسرائيلي،
وكشف أيضا "دعابة" مفاهيم النزاهة
والشراكة التي سيطرت على التقييم
العربي للموقف الأمريكي من عملية
السلام في الشرق الأوسط برمتها.
ولم
تكتف الولايات المتحدة بتبني المفردات
الجديدة للصراع التي نجحت إسرائيل في
فكها وإعادة تركيبها من جديد كي تناسب
رؤيتها للقضية، بل قامت أيضا بمهمة
تثبيت هذه المفردات الجديدة في العقل
العربي إلى جانب مهمة موروثة هي التحيز
السافر لإسرائيل. وأبرز هذه المفردات
التي روجت لها إسرائيل هي أن حل نزاعها
مع العرب يتطلب حلحلة "أقفال"
العقل العربي، من خلال تبني أجندة
إصلاحية تضمن إذابة كثير من مفردات
الصراع، وهنا تلتقي المصلحتان
الأمريكية والإسرائيلية في إصلاح
العالم العربي؛ إسرائيل من خلال ضمان
اعتناق رؤيتها للصراع، وأمريكا من
خلال تغيير بنية العقل العربي الذي
يدمج بين واشنطن وتل أبيب في تفسير
أهوال الفلسطينيين ومآسيهم. لذا كان
الأفضل أن يتم فرض رؤية جديدة على
العرب، عليهم أن يقبلوها إذا رغبوا في
العيش بأمان مع إسرائيل، وليس العكس.
من
جهة ثالثة لا تزال مسألة النفط العربي
تحتل أولوية في التفكير الإستراتيجي
الأمريكي، ولعل الجديد الذي طرأ في هذا
المحور هو استغلال ورقة الإصلاح في
الضغط على الدول العربية المنتجة
للنفط، وعلى رأسها المملكة العربية
السعودية، ورغم الحاجة الأمريكية
الشديدة للنفط العربي فإن الولايات
المتحدة تحاول أن تبدو المتحكمة في
توجيه العلاقة مع العالم العربي وليس
العكس. وذلك من خلال إبراز ورقة
الإصلاح كرافعة للضغط كلما تأزمت
الأوضاع النفطية العالمية. وهو ما يبدو
جليا في العلاقة مع الرياض؛ حيث تتأرجح
المطالب الأمريكية من الإصلاح في
المملكة بين الشدة واللين؛ لأنها لا
تزال تضمن تأمين احتياجاتها النفطية
سواء من السعودية أو العراق من خلال
دور شركاتها الفاعل في أسواق النفط
العالمية، بينما تشتد المطالب
الأمريكية من الإصلاح بالمملكة عند
الارتفاع المطرد لأسعار النفط.
كيف
تتحقق المصالح الأمريكية؟
بناء
على ما سبق لم يعد هناك شك في أن الضغط
على الأنظمة العربية للتوجه نحو خطوات
إصلاحية يأتي في سياق تكييف للعقل
الجماهيري العربي للقبول بالمصالح
الأمريكية بالمنطقة، وتقبل المفردات
الجديدة للصراع العربي الإسرائيلي،
وعليه كان لزاما الفكاك من العلاقة
الحميمة بين هذه الأنظمة والولايات
المتحدة عبر إستراتيجية تحقق مثلث
المصالح الجديد، وتخاطب مباشرة
الأطراف والمؤسسات التي تمتلك علاقة
مباشرة مع الجماهير العربية.
وهنا
يمكن القول بأن الولايات المتحدة لم
تعد تتورع عن النقد العلني للنظم
القائمة، وتقديم الدعم المادي
والمعنوي لمعارضيها، والأهم تدشين
شبكة علاقات قوية مع مؤسسات المجتمع
المدني في العالم العربي؛ باعتبارها
الذراع الأكثر تأثيرا في الجسد العربي
المهلل، وباعتبارها موصلا جيدا
للتفاعل مع الشارع العربي.
وذهبت
الولايات المتحدة لأبعد من ذلك في
الآونة الأخيرة من خلال تلميحاتها
المستمرة عن إمكانية الاستغناء عن بعض
النخب العربية، وهو ما جاء في سياق عدم
رفض وصول "الإسلاميين" للسلطة في
أي بلد عربي، وفي هذا الإطار تحدث
البعض عن صلات ولقاءات حدثت بين بعض
النشطاء الإسلاميين والإدارة
الأمريكية، وكلها محاولات للضغط على
النظم القائمة لمزيد من الإذعان، أكثر
منه الإيمان بحق هؤلاء النشطاء وغيرهم
في ممارسة نشاطهم السياسي بحرية.
ومن
بين الإستراتيجيات التي تلمح الولايات
المتحدة إلى إمكانية اللجوء إليها
لممارسة مزيد من الضغط على النظم
العربية ما يلي:
-
زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية
على الدول العربية الكبيرة، وبالأخص
مصر والسعودية؛ لدفعها نحو مزيدٍ من
الانفتاح السياسي واحترام حقوق
الإنسان، كي تصبحا قاطرتي التغيير في
العالم العربي، حسب تعبير بوش.
-
تقديم دعم مادي لنشطاء المجتمع المدني
في البلدان العربية لحثهم على الضغط
على حكوماتهم، والمطالبة بالمزيد من
الحريات؛ وهو ما تم بالفعل مع عدد من
الجمعيات الأهلية في بعض البلدان
العربية.
-
عقد مؤتمرات عالمية بالتعاون مع حركات
المجتمع المدني في البلدان العربية،
وتبني توصياتها بحيث تستخدم كوسيلة
ضاغطة على الحكومات العربية لتقديم
تنازلات سياسية أكبر.
-
تهيئة الأجواء في البلدان العربية
لاحتضان حركات معارضة واحتجاج ضد
بعضها البعض، تحت دعوى التضامن من أجل
الحرية؛ فلا نستبعد مثلا تشجيع بعض
الأشخاص في إحدى البلدان العربية
للحديث عن الحرية وحقوق الإنسان لدى
بعض جيرانها.
-
قيادة حملة فكرية في واشنطن، بدأت
ملامحها بالفعل من كتابات بعض الكتاب
البارزين في أمريكا مثل "توماس
فريدمان"، للإيهام بأن خريف الحرية
والديمقراطية قد حل في المنطقة، وما
على الشعوب وشبابها إلا الانتفاض لهدم
الحواجز والتابوات المحرمة في بلدانهم.
إشكالية
الاستقرار مقابل الإصلاح؟
في
ظل الضغط الأمريكي المتواصل على النظم
العربية يصبح من المنطقي توقع اختلال
معادلة الاستقرار في المنطقة، وهنا
يثور التساؤل: بأيهما ستضحي واشنطن:
الاستقرار أم الإصلاح؟ خصوصا إذا كان
الجمع بين الخيارين أمرا صعبا في بلاد
تنوء بكافة أشكال التسلط والقهر.
بكلمات أخرى: إلى أي مدى يمكن أن تستمر
الولايات المتحدة في ممارسة ضغوطها
على النظم العربية؟ ومتى ستتوقف؟
إجابة
هذا السؤال "الإشكالية" تنبع من
نظرة الولايات المتحدة لإرساء
الديمقراطية في العالم العربي؛ كونها
أداة وليست غاية في حد ذاتها، وهي بذلك
ترتبط بما يمكن أن تحققه هذه الأداة
للولايات المتحدة من مصالح في
المنطقة، لم تفلح الأدوات الأخرى في
إنجازها. أي أن الإصلاح بالنسبة
للولايات المتحدة يقف عند الحد الأدنى
من التغيير الذي قد يؤثر على استقرار
وهز توازن المنطقة الثكلى بالصراعات.
ومن
هنا تصبح معادلة الاستقرار مقابل
الإصلاح محكا جيدا لاختبار حقيقة
الدعوة الأمريكية لإصلاح الأوضاع في
العالم العربي، وبأيهما يمكن أن تضحي
واشنطن. وفي هذا الإطار تبدو المزاوجة
ومحاولات التوفيق بين الاستقرار
والإصلاح هي الهدف الأمريكي الراهن.
ويمكن الرجوع إلى تصريحات رئيس مجلس
العلاقات الخارجية الأمريكي "بيتر
بترسون" أثناء زيارته الأخيرة
للقاهرة التي أكد فيها على ضرورة
الحفاظ على وتيرة الإصلاح في مصر بشكل
تدريجي حتى لا يحدث أي خلل بالاستقرار،
في دعوة غير مباشرة لتخفيف الضغوط على
مصر التي أسفرت حتى الآن عن تعديل
المادة 76 من الدستور المصري، وما
أعقبها من مظاهر عديدة قد توحي بأن مصر
ربما تدخل مرحلة من عدم الاستقرار في
الفترة القادمة.
وتدعيما
لما سبق يمكن الرجوع لتقرير رسمي حديث
أصدره معهد "واشنطن لسياسات الشرق
الأدنى" التابع للخارجية الأمريكية
في فبراير الماضي تحت عنوان "الأمن
والإصلاح والسلام.. الدعائم الثلاث
للإستراتيجية الأمريكية بالشرق
الأوسط"؛ إذ يضع هذا التقرير
إستراتيجية متكاملة لإمكانية
المزواجة بين معادلة الاستقرار
والإصلاح من خلال:
-
دعم الإصلاح التدريجي الذي تقوم به
النظم العربية فيما يخص اللبرلة
والدمقرطة وحقوق الإنسان.
-
تشجيع الإصلاح الاقتصادي في مقابل
نظيره السياسي لرفع معدلات الرفاهة
الاقتصادية لشعوب المنطقة.
-
تنمية دور المجتمع المدني كي يصبح
شريكا في مسألة الحكم في البلدان
العربية.
ويمكن
القول بأن الولايات المتحدة في ظل
حملتها للتغيير والإصلاح في العالم
العربي وإن رغبت بالفعل في تغيير بعض
قادة الدول العربية؛ فإنها في الوقت
نفسه لا تفعل ذلك من منطلق اعترافها
بالحاجة إلى تجديد الحياة السياسية
العربية بقدر ما هي رغبة في خلق قيادات
جديدة أكثر انصياعا للمطالب
الأمريكية، وأكثر تفهما للتغيرات
الجديدة على الساحة الدولية.
ومن
ثم فإن معركة
الولايات المتحدة مع أوضاع الجمود
والاستبداد في العالم العربي لم تعد
معركة استغلال ونفوذ فقط، وإنما باتت
معركة "عقول وأفكار" تعمل على أن
يكون العقل العربي أكثر انسجاما
ومواءمة مع طبيعة المصالح الأمريكية
في المنطقة العربية.
اقرأ
أيضا:
**
كاتب سياسي.
|