|
أمريكا والحوار مع الإسلاميين.. إسرائيل حجر عثرة |
|
نهاد الشيخ خليل**
|
15/05/2005
|
|

|
|
حوار أمريكا مع الإسلاميين لن يكون على حساب إسرائيل
|
أبدى
عدد من المسئولين الأمريكيين خلال
إبريل الماضي استعدادا لقبول الحوار
مع القوى والحركات الإسلامية المعتدلة
والتعامل معها في حال وصولها للسلطة
عبر طريق ديمقراطي، وكانت وزيرة
الخارجية الأمريكية "كونداليزا
رايس" من بين الذين أطلقوا مثل هذه
التصريحات، إضافة إلى "ريتشارد هاس"
مدير إدارة التخطيط في وزارة الخارجية
الأمريكية.
ومن
الطبيعي أن يثير الموقف الأمريكي
الجديد اهتمام أطراف كثيرة في العالم
العربي بالإضافة إلى إسرائيل؛ لأن هذا
الطرح الجديد يثير إشكالية مباشرة حول
الموقف الإسرائيلي وانعكاساته
المتوقعة لا سيما أن هذه التصريحات
الأمريكية ليست عابرة، بل سبقها إعداد
دراسات تنصح الإدارة الأمريكية بضرورة
تغيير السياسة الرسمية إزاء الحركات
الإسلامية المعتدلة. ومن هذه الدراسات
كتاب "العالم المسلم بعد 11/9"
الصادر عن مركز "راند" عام 2004،
والذي يدعو الولايات المتحدة إلى دعم
المجتمع المدني المسلم بعد التفريق
بين المعتدلين والمتشددين، ودراسة
أخرى صدرت في نفس العام عن جهاز
المخابرات الأمريكية تحت عنوان "خريطة
العالم 2020" وتوقعت ازدهار
الأيديولوجيا الإسلامية وظهور
تنظيمات أكثر تطرفا من القاعدة؛ ما
يستلزم ضرورة قيام الولايات المتحدة
بكسب الرأي العام العالمي لصالحها.
هذه
الدراسات وغيرها تشير إلى أن "الإسلام
المتطرف" في تصاعد، وأن الأنظمة
العربية عاجزة عن مواكبة التطور،
وعاجزة عن السيطرة، لهذا تحاول
الولايات المتحدة البحث عن جهات تمتلك
تأييدا شعبيا واسعا في العالم العربي،
حتى تستطيع من خلال التحالف معها
مواجهة التطرف. لكن هذا التوجه
الأمريكي ليس توجها بريئا، كما أنه لا
ينطلق من بواعث ثقافية، بل إن المحرك
الأساسي له هو المصلحة الأمنية
الأمريكية، وربما يحاول صناع السياسة
الخارجية الأمريكية من وراء هذا
التوجه تحقيق مجموعة من الأهداف؛ منها:
استكشاف إمكانية التفاهم مع الحركات
الإسلامية وخاصة "الإخوان المسلمين"
من خلال الإعلان عن أنها لم تعد تخشى
وصول الإسلاميين للحكم، وفي نفس الوقت
استنهاض الحكومات للعمل بقوة من أجل
الإصلاح الذي تنادي به الولايات
المتحدة في المنطقة.
أين
تتلاقى الرؤيتان الأمريكية
والإسرائيلية بشأن الداخل العربي؟
نقطة
الانطلاق الأمريكية للحوار مع
الإسلاميين تكمن في رؤيتها لطبيعة
الإصلاح في العالم العربي ونشر
الديمقراطية وتحسين صورتها لدى
الجماهير العربية؛ الأمر الذي يخلق
معه صعوبة استبعاد تلك القوى
المجتمعية المؤثرة على توجهات الرأي
العام العربي وأبرزها التيارات
الإسلامية، ومن جانب آخر ثمة حاجة
للتعاون مع هذه القوى بحجة مقاومة
الأفكار الأكثر راديكالية وتطرفا.
وتثبت التجارب السابقة للولايات
المتحدة أنها لا تتردد في استخدام هذه
السياسة عندما يتعلق الأمر بأمنها
ومصالحها كما حدث سابقا في مواجهة
الغزو الروسي لأفغانستان.
وفى
قلب هذه المعادلة يقع التركيز
الأمريكي على إصلاح الداخل العربي حيث
تعتبره الإدارة الأمريكية أولا الطريق
للقضاء على موجات التطرف، وثانيا تعده
ضمانة السلام في المنطقة بما لا يخرج
عن حدود التصور الإسرائيلي في تناقض
واضح لرؤية أمريكية سابقة تبناها "بيل
كلينتون" الذي كان يعتبر أن السلام
سيجلب الديمقراطية والإصلاح في العالم
العربي.
وهنا
تتلاقى سياسة بوش الجديدة مع فكرة
إسرائيلية سابقة طرحها "بنيامين
نتنياهو"، وأكد عليها أحد زعماء
اليهود الروس والوزير الإسرائيلي
السابق "شيرانسكي" في مؤلفه عن
الديمقراطية في العالم العربي، حيث
يرى الاثنان أن سبب فشل "السلام"
هو غياب الديمقراطية في العالم العربي،
وقد أبدت كونداليزا رايس -عندما كانت
مستشارة للأمن القومي- إعجابها الشديد
بهذا المؤلف.
لكن
تبقى نقطة الخلاف الرئيسية بين الطرح
الأمريكي الجديد وهذه الرؤية
الإسرائيلية أن أمريكا بعد احتلالها
للعراق واستكشافها طبيعة العالم
العربي عن قرب ونتاجا لحوار مباشر مع
أطراف إسلامية في العراق، أدركت
استحالة بناء المجتمع العلماني
الديمقراطي الذي تخيلته في هذه
المنطقة التي يغلب عليها الطابع
الديني قبل أي شيء آخر وهو ما دعم فكرة
الحوار مع الإسلاميين. أما "شيرانسكي
ونتنياهو" فيشددان على ضرورة محاربة
الحركات الإسلامية، لأنها تتناقض مع
الديمقراطية ابتداء؛ ولأنهما يعتقدان
أن "الأصولية الإسلامية" داعم
أساسي للإرهاب. وهم يطرحون هذه الأفكار
ليس من أجل تطبيقها، ولكن لتبرير
مواقفهم المتطرفة التي ترفض تقديم أي
تسهيلات لعملية التسوية السياسية
ولإقناع إدارة بوش الابن بضرورة تحقيق
الديمقراطية أولا قبل السلام لعلمهم
المسبق بطبيعة العالم العربي وبما
تحدثه هذه الإشكالية من جدال وشد وجذب
في الداخل العربي يؤدي لانشغاله
بقضايا داخلية تطغى على وتصرف الأنظار
عن المخططات الإسرائيلية لنهب المزيد
من الأراضي الفلسطينية.
في
هذا السياق لم يخف المحلل الإسرائيلي
"ناتان غوتمان" في تعليقه بصحيفة
هاآرتس يوم 4 مايو الجاري على "المنتدى
الثاني للحوار الإسلامي الأمريكي"
الذي عقد بالدوحة إعجابه بما يعتبره
تحولا نوعيا واضحا في ترتيب الأولويات
في الحوار بين النخب الإسلامية
والأمريكية حيث تجنب المشاركون الحديث
عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي،
وتركز الحوار على قضايا الإصلاح
والديمقراطية، ويذكر الكاتب
الإسرائيلي في مقاله أن المنتدى الأول
الذي عُقد قبل عامين تحدث فيه
المشاركون المسلمون بغضب عن أمريكا
معتبرين أنه لا يمكن أن يحدث تقدم في
العلاقات مع أمريكا قبل أن تحل المشكلة
الفلسطينية.
وفي
تعليقه على إعلان مساعد وزيرة
الخارجية الأمريكية "سكوت كيرنباتر"
أن بلاده لا تخشى صعود الإسلاميين
للسلطة، أشار "غوتمان" إلى أن
الأمريكيين يدركون أن الاستعانة
بالإسلاميين المعتدلين لمواجهة "المتطرفين"
يحتاج إلى بناء مجتمع مدني، وجهاز قضاء
وإعلام وطبقة وسطى وقوات أمن مركزية
تقف في وجه المتطرفين. وهذا يعني أن
الطريق طويلة أمام هذا المشروع لكي
يحقق نتائج.
هل
تقبل إسرائيل بالطرح الأمريكي الجديد؟
لا
شك أن الخبرة السابقة لإسرائيل مع
الإسلاميين في المنطقة العربية خبرة
سلبية نظرا لموقف القوى الإسلامية من
الصراع العربي الإسرائيلي؛ إذ لن تنسى
إسرائيل أن أحد أهم أسباب اغتيال
الرئيس "السادات" أخذا في
الاعتبار أثر العوامل الداخلية كان
زيارته للقدس ثم توقيع اتفاق السلام مع
إسرائيل، كما لا تغفل إسرائيل لجوء بعض
الأنظمة العربية إلى تكتيك إشراك بعض
الإسلاميين في السلطة للضغط على
إسرائيل عند عقد أي اتفاقيات مثلما فعل
الملك الأردني "حسين" من قبل. أيضا
تعلم إسرائيل ما يواجه محاولات تطبيع
علاقاتها مع الدول العربية المختلفة
من حاجز أساسي قوامه القوى الإسلامية
في هذه الدول؛ وهو ما يجعل التطبيع
دائما عبر الأبواب الخلفية أو تقديم
العديد من التبريرات المختلفة لإحداث
علاقة ما من أي نوع مع إسرائيل.
ومن
ثم يثير الحوار الأمريكي والأوربي مع
الإسلاميين مخاوف عديدة لدى إسرائيل
أقلها أن يكون الحوار مجالا للمساومة
من الإسلاميين لمنع التوصل لاتفاق
سلام على طريقة "شارون" هو سلام
الاستيطان وتهويد القدس ونهب الأراضي
ثم فرض الحلول الواقعية البعيدة عن
الشرعية الدولية، وأقصى هذه المخاوف
هو وصول الإسلاميين فعلا للسلطة بما قد
يحمله من انقلاب هذه التيارات وعودتها
لفكرة إلقاء إسرائيل في البحر أو حتى
مجرد عدم الاعتراف بإسرائيل أو سعيها
لتحقيق توازنات مع إسرائيل ربما في
المجال العسكري وسواه.
على
أن هذه المخاوف تبقى محل شكوك كبيرة
حيث يراهن الإسرائيليون بداية على أن
الإسلاميين ربما يهدفون من هذا الحوار
إلى تحسين صورتهم أو تحقيق مكاسب
داخلية ضد الأنظمة الحالية عبر تخفيف
القيود عليها أو اشتراكها في السلطة،
وهو ما قد يبدو صحيحا بالنظر إلى تراجع
القضية الفلسطينية على بنود مؤتمر
الدوحة الأخير. أما مسألة وصول
الإسلاميين للسلطة فهي تبدو محل شكوك
أعمق لأنه لا يتصور أن تسمح الولايات
المتحدة بوصولهم للحكم، فطبيعة
المصالح الأمريكية على المدى المتوسط
تقتضي تحريك الداخل العربي من ركوده
ولكن بالقدر الذي لا يسمح بالانزواء
الفوري للأنظمة الراهنة.. فهي لعبة
الفوضى الخلاقة كما وصفتها "رايس".
ومن
ثم يمكن القول إن إسرائيل تفرق بين
حوار أمريكي مع دولة مثل تركيا بما لها
من نمط خاص ومصالح مشتركة مع أمريكا
وإسرائيل، وتفرق أيضا بين الحوار مع
الإسلاميين في المغرب والجزائر مثلا
لأنه وإن تخيلنا حدوث آثار سلبية فقد
تكون في جانب التطبيع مع إسرائيل دون
المساس المباشر بسياسة إسرائيل تجاه
القضية الفلسطينية، أما الحوار مع
الإسلاميين في دول الجوار بما في ذلك
مصر والأردن فإن نتائجه ذات آثار
مباشرة على إسرائيل وعلاقاتها وقوتها
الإقليمية. ويمكن القول إنها ستبذل كل
جهد حتى لا يخرج هذا الحوار عن النمط
الفكري والديني والثقافي دونما اقتراب
من السياسة أو الصراع الفلسطيني
الإسرائيلي وربما تلجأ إسرائيل إلى
الضغط على الولايات المتحدة لإثنائها
عن حوار يقود لنتائج سياسية من أي نوع.
ماذا
عن الحركات الإسلامية الفلسطينية؟
معروف
أن الإدارة الأمريكية تطالب حزب الله
وفصائل المقاومة الفلسطينية وخاصة
حماس والجهاد الإسلامي بإلقاء السلاح
والتحول إلى قواعد اللعبة السياسية،
وهو ما قد يكون مدخلا لفتح حوار بينهما
والإدارة الأمريكية. وقد ردت حماس
بموقف مبدئي يقوم على الموافقة على
التحاور مع الإدارة الأمريكية مع
تمسكها بخيار المقاومة المسلحة في ذات
الوقت التي تخوض فيه معترك السياسة،
ولا يزال الطرفان في مرحلة ما يعرف
بالخطوة الاستكشافية التي فيها أكدت
حماس قبولها بداية بالتحول الخطير
الذي يؤسس لها مكانتها السياسية على
الساحة الفلسطينية كما برز في
الانتخابات البلدية.
وقد
استبقت إسرائيل هذه الخطوة من أبرز
الحركات الإسلامية الفلسطينية بإطلاق
تصريحات تعلن الرفض القاطع للتعامل مع
حماس لو وصلت إلى حكم السلطة
الفلسطينية، فقد ذكر "نتنياهو" أن
أمريكا وإسرائيل لا تريدان وصول حماس
للسلطة، وعبر "شارون" عن عدم
ارتياحه لفوز حماس في الانتخابات
البلدية، واعتبر "شمعون بيريز" أن
الانتخابات التشريعية الفلسطينية لن
تكون ديمقراطية إذا شاركت فيها حماس،
بينما أعلن "سيلفان شالوم" أن
إسرائيل ستعيد النظر في انسحابها من
قطاع غزة إذا فازت حماس في الانتخابات
التشريعية المقبلة.
ويمتد
هذا الموقف الرافض لإمكانية التعامل
مع حماس وبالتالي رفض أي نوع من الحوار
الأمريكي مع الحركة إلى الأوساط
الإعلامية الإسرائيلية؛ فالخبير
الإسرائيلي "زئيف شيف" يرى أن فوز
حماس في الانتخابات المقبلة يضر
بالعلاقات الفلسطينية الإسرائيلية،
وطالب الإدارة الإسرائيلية بمساعدة
أبو مازن من أجل التغلب على حماس. أما
"فيشمان" المعلق العسكري بصحيفة
"يديعوت أحرونوت" فيذكر "أن
حماس تضحك على الجميع؛ فهي تتحول من
خلال الانتخابات إلى قوة سياسية شرعية
مع الاحتفاظ بسلاحها ونشاطها العسكري،
ورغم أنها ملتزمة بالتهدئة، فإنها
تطور الأسلحة". وتوقع فيشمان أن تقوم
إسرائيل بعملية عسكرية "وقائية"
ضد حماس مع نهاية الصيف.
هذه
التصريحات تكشف عن السلوك الإسرائيلي
الذي يرفض القوى الإسلامية الفلسطينية
من جانب وتؤكد عدم قبولها لقيام
الولايات المتحدة بحوار ما مع هذه
القوى من جانب آخر.
والمثير
في الأمر هو شيوع حالة من الارتباك
الأمريكي والإسرائيلي أيضا في التعامل
مع كل من حماس وحزب الله بشكل خاص؛ لأن
تحولهما إلى السياسة، وفي ظل وجود
ديمقراطية صحيحة، ووفقا لما يتمتعان
به من شعبية جماهيرية ربما يقود لوصول
أي منهما لسدة الحكم وهو ما يوقع
الطرفين في حرج بالغ.. ويبقى هذا رغم كل
شيء تصورا مطروحا بل إنه ليس مستبعدا
في ظل الحالة السياسية الراهنة على الساحتين الفلسطينية
واللبنانية.
أما
الملاحظة الجديرة بالاعتبار فهي أن
إسرائيل تتعمد مرة ثانية تغييب الشريك
الفلسطيني حتى لو كان "أبو مازن"؛
لأن النخبة الإسرائيلية المسيطرة الآن
لا تؤمن باندماج الفلسطينيين، وهم
أصحاب القضية، في أي إطار للحل.
ومن
ثم ستبقى مناهضة القوى الإسلامية
داخليا واستمرار احتوائها خارجيا هدفا
إسرائيليا مستمرا لسببين: الأول أن
إسرائيل حاولت في السبعينيات من القرن
الماضي اللعب على خيار الحوار مع القوى
الإسلامية، لكنها فوجئت بالحركة
الإسلامية تبدأ مقاومة لا هوادة فيها
ضد الاحتلال. وثانيا أن المخططات
الإسرائيلية الجارية بشأن التوسع
الاستيطاني واستكمال تهويد القدس
وربما تقسيم المسجد الأقصى أو السيطرة
عليه تقتضي رفض الحركات العلمانية
الفلسطينية قبل الحركات الإسلامية،
ولهذا فإن شارون وكل الساسة
الإسرائيليين لا يعولون على الحوار مع
الحركات الإسلامية، ولا الوطنية
الفلسطينية في هذه المرحلة بل يعملون
على كبح الدور الدولي وعلى رأسه
الأمريكي بالدخول في تفاصيل ثانوية
مثل إلقاء سلاح حماس أو مواجهة فوزها
في الانتخابات المقبلة أو التحجج
والتلكؤ في تطبيق الانسحاب من غزة إلى
درجة اتهام السلطة الفلسطينية
بإخلالها فيما يتعلق باستحقاقاتها
الأمنية.
وخلاصة
ذلك أن إسرائيل ترغب في عزل السلطة
الفلسطينية عن الخارج وتعمد اتهامها،
فكيف يكون إذن موقفها من الحركات
الإسلامية الفلسطينية أو من حوار
أمريكا معها؟!!.
اقرأ
أيضا:
**
مدرس التاريخ بالجامعة الإسلامية بغزة وخبير بالشئون الإسرائيلية.
|