|
"البعث السوري".. مزيد من "التقوقع" والانصياع للضغوط |
|
محمد جمال عرفة**
|
14/06/2005
|
|

|
|
الرئيس السورى
|
في
الأول من يونيو الجاري 2005 وخلال مؤتمر
اتحاد المحامين العرب شرح الرئيس
اليمني "علي عبد الله صالح" سر
تردُّد الحكام العرب في الإصلاح،
قائلا: "الحكام العرب مثل الجمال، لا
بد من جرِّهم نحو الإصلاح".. و"إنهم
يريدون أن يطمئنوا على كراسيهم".
ويبدو
أن المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث
السوري الذي يعد أول مؤتمر من نوعه منذ
وفاة الرئيس الأسد الأب في يونيو 2000
كان يتحرك وفق نظرية الرئيس اليمني "بطريقة
الجمل"، وخشية الحزب الذي حكم سوريا
منذ 1963 من ضياع كرسي الحكم منه كما ضاع
من حزب البعث العراقي، فركز على الجانب
الأمني أكثر من الإصلاح الداخلي
الحقيقي؛ لينتهي المؤتمر عمليا إلى
مزيد من التقوقع الداخلي والانصياع
للضغوط الغربية في صورة "وعود"
بإصلاحات.
فالرئيس
السوري الجديد "بشار الأسد" نجح
في السيطرة على قيادة البعث والتخلص من
بعض رموز الحرس القديم الذي ارتبط باسم
والده، ولكنه عمليا صعد قيادات جديدة
أمنية واستخبارية؛ مما يدل على تغليب
الجانب الأمني في الحزب والدولة،
ويؤذن بمزيد من التقوقع الداخلي بدلا
من الاستقواء بالداخل في مواجهة ضغوط
الخارج.
فمن
أصل الأعضاء التسعة الذين جرى
انتخابهم في القيادة الجديدة للبعث (تضم
14 عضوا بدلا من 21 كما في القيادة
السابقة) جاء أكثر من نصفهم من الأجهزة
الأمنية أو الرئاسية، أبرزهم وزير
الدفاع حسن تركماني، ومدير إدارة
المخابرات العامة هشام بخيتار، ورئيس
مجلس الشعب محمود الأبرش، وهيثم
سطايحي مدير مكتب دراسات القصر
الجمهوري، وغيرهم من الحرس القديم
الباقي.
وبعد
أن تخلص الأسد الابن من قيادات الحرس
القديم (خصوصا نائب الرئيس "عبد
الحليم خدام" الذي طلب في بداية
المؤتمر إعفاءه من منصبه، ووزير
الدفاع السابق "مصطفى طلاس"،
والأمين العام المساعد السابق "سليمان
قداح"، ونائب الرئيس "زهير مشارقة"،
والرئيس السابق لمجلس الشعب "عبد
القادر قدورة"، ورئيس الوزراء
السابق "محمد مصطفى ميرو") أصحبت
القيادة الجديدة أكثر شبابا، ولم يبق
من القيادة السابقة إلى جانب الأسد سوى
وزير الخارجية "فاروق الشرع"،
ورئيس الوزراء "ناجي العطري"،
ووزير المالية "محمد الحسين"، و"محمد
سعيد بخيتان" رئيس مكتب الأمن
القومي.
"مشروعات"
إصلاحات
ومقابل
هذا التركيز على "أمن" النظام
الذي وضح من جلسات واختيارات أعضاء
القيادة القطرية للبعث، كان اللافت أن
أكثر الإصلاحات التي جرى الحديث عنها
هي "مشروعات إصلاحات"، وليست
إصلاحات حقيقية بدأت؛ بمعنى أن مؤتمر
الحزب "نصح" بها، وسيتم "لاحقا"
البحث فيها، رغم أن محللين غربيين
وسوريين اعتبروا هذا المؤتمر "الفرصة
الأخيرة" للنظام لإدخال إصلاحات،
وإلا انهار من جراء الضغوط الخارجية.
بل
إن مسئولين في حزب البعث قالوا صراحة
لوكالة رويترز: المؤتمر "كان يهدف
إلى إعداد إرشادات عامة للتغيير، وليس
صياغة سياسات تفصيلية"، وهو ما يؤكد
نية عدم التغيير الآن، وربما الصراع
بين أنصار "الإصلاح" وأنصار فكرة
"الجمل" التي تحدث عنها الرئيس
اليمني.
فالمؤتمر
انتهى إلى "توصيات" حول السماح
للأحزاب السياسية بالعمل بشروط،
وتخفيف قانون الطوارئ، وأعلنت وزيرة
المغتربين الناطقة الإعلامية باسم
المؤتمر "بثينة شعبان" أن المؤتمر
ناقش "قانون الأحزاب التي يجب أن
تكون غير طائفية وغير عرقية وغير دينية
وغير مناطقية"، وأن القانون سيأخذ
في الاعتبار "المصلحة الوطنية
ومصلحة الوطن وعدم العبث بأمن الوطن"؛
وهو ما يعني مسبقا استبعاد الإخوان
المسلمين والأحزاب الكردية المحظورة
حاليا.
كذلك
"ناقش" المؤتمر -وفق بثينة شعبان-
"استحداث مجلس أعلى للإعلام، وإصدار
إعلام مسموع ومقروء ومكتوب للقطاع
الخاص"، وهذا القانون "سيسمح
لوسائل الإعلام الخاصة بلعب دور أساسي
في المستقبل"، كما ناقش مسألة "فصل
الحزب عن الدولة" (بمعنى "عدم
استطاعة أي عضو قيادي أن يتسلم منصبا
آخر")، ومراجعة قانون الانتخابات
الذي ينتخب على أساسه أعضاء مجلس الشعب
والإدارة المحلية.
و"دعا"
المؤتمر إلى تشكيل مجلس أعلى للإعلام،
وإلى تعديل قانون المطبوعات الذي كان
ينص على عقوبات بالسجن بحق الصحفيين
المخالفين، كما تبنى مؤتمر حزب البعث
"مبدأ اقتصاد السوق الاجتماعي"،
وأقر بضرورة إصلاح القطاع العام
والعمل على تطويره ودعم القطاع الخاص.
والملاحظ
أن كل ما أثير عن إلغاء قانون الطوارئ
المطبق منذ 42 عاما وإعادة النظر في بعض
مواد الدستور كان مجرد تمنيات وتوقعات
لا ترقى إلى مرحلة الفعل والتنفيذ.
أما
الطريف فهو دعوة المؤتمر إلى "تحسين
علاقات سوريا الخارجية من خلال الحصول
على دعم قوى دولية للإصلاحات السابقة"،
رغم أن هذه الإصلاحات المعلنة قاصرة
ولم تحدث بعد، ولن يرضى عنها الغرب حتى
لو كانت إيجابية ما لم تنصَع سوريا
لمطالبه، ولهذا قال دبلوماسي غربي
لوكالة رويترز تعليقا على هذه
الإصلاحات المعلنة: "هذا لن يخفف
الضغوط الدولية؛ لأن هذه الإصلاحات
ليست كافية"، وقال: "الأمريكيون
سيأتون بمزيد من العصي (الترهيب) بعد
المؤتمر".
إحباط
المعارضة ومخاوف التغيير الخارجي
وربما
لهذا عبر ناشطون ومعارضون سوريون عن
خيبة أملهم من التوصيات التي صدرت عن
مؤتمر حزب البعث الحاكم، معتبرين أنها
"أنصاف حلول"، وانتقدوا الشروط
المفروضة للسماح بقيام أحزاب سياسية.
فالناطق
باسم الائتلاف السوري المعارض "حسن
عبد العظيم" الذي يشغل منصب الأمين
العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي
الديمقراطي الذي يشكل مع 5 أحزاب أخرى
"التجمع الوطني الديمقراطي"
المحظور في سوريا قال: "إما أن يدري
المؤتمرون خطورة المرحلة ودقتها وحجم
التغييرات العاصفة ويأخذوا خطوات
جريئة باتجاه التغيير الديمقراطي
والإصلاح السياسي.. وإما أن يجري
التمسك بقيادة الحزب للدولة والمجتمع
والنهج القديم، وعند ذلك يبقى النظام
معرضا للانهيار، وتكون سوريا معرضة
لمخاطر جدية لمسناها في العراق...
أمامهم فرصة أخيرة؛ إما أن يغيروا
برنامجهم، وإما أن يُغيروا من قبل
الخارج".
أما
المراقب العام للإخوان المسلمين في
سوريا د.علي صدر الدين البيانوني فقد
ذكر أنه لم يكن يعلق آمالا على المؤتمر
القطري العاشر للحزب البعثي السوري
الحاكم، وأنه حتى الذين كانوا يعلقون
آمالا عليه أصيبوا بخيبة أمل؛ لأن
المؤتمر لم يكن إلا تكريسا لدور حزب
البعث كقائد للدولة والمجتمع، وإقصاء
لكل الفئات السياسية الأخرى.
وقال:
لا معنى لأي إصلاح في ظل المادة
الثامنة من الدستور التي تحتكر الحياة
السياسية لصالح حزب البعث، وحزب البعث
لو كان واثقا من نفسه ويملك الشجاعة
على الدخول في منافسة حقيقية مع
الأحزاب الأخرى دون إقصاء لأي فئة من
الفئات لما وضع هذه القيود.
ويشير
"البيانوني" أيضا إلى أن مجرد
التوصية بصدور قانون للأحزاب لا يعني
شيئا؛ فهناك أحزاب قائمة في الجبهة
الوطنية التقدمية لكنها ليس لها دور،
ولا تعبر عن احتياجات الشعب السوري؛
لذلك وفي ظل احتكار الحزب للسلطة لا
معنى لوجود أحزاب أخرى.
أما
"طيب تيزيني" عضو مجلس إدارة
المنظمة السورية لحقوق الإنسان فقال:
"المؤتمر شكل ظاهرة إيجابية، لكن
إيجابيتها لا تكفي أبدا؛ لأن واقع
الحال السوري يحتاج إلى أكثر بكثير،
ولم يعد يحتمل أنصاف الحلول، أو حلولا
غير واضحة وغير مقننة".
وانتقد
"تيزيني" استمرار العمل بالمادة 8
من الدستور التي تنص على أن البعث يدير
المجتمع والدولة، مشيرا إلى أن هذا أمر
يخالف آليات الديمقراطية التي من
ضمنها مبدأ التداول السلمي للسلطة.
كما
انتقد أيضا توصية البعث بإصدار قانون
جديد للأحزاب، شرط ألا تقوم على أساس
"عرقي أو طائفي أو ديني أو إقليمي"،
معتبرا أن هذا "تدخل في عملية تكوين
الأحزاب قبل أن تتكون، وسيكون عملية
كبح لما هو قائم في الحقل السياسي".
أيضا
استغرب تصريحات المسئولين عن قرار "فصل
الحزب عن الدولة"، رغم أنه تم "ربط
السلطة بالحزب من خلال إقرار المؤتمر
أن رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشعب يجب
أن يكونا من أعضاء القيادة"؛ وهو ما
يعني أن رأس أهم سلطتين التنفيذية
والتشريعية هما من الحزب الحاكم وليس
سواه.
استجابة
للضغوط
وعلى
حين جاءت توصيات الإصلاح قاصرة وغير
كافية ظهرت بوادر التحرك السوري
للاستجابة للمطالب الأمريكية بوقف
تسرب المقاتلين إلى العراق في صورة
عملية مداهمة قامت بها قوات الأمن ضد
ما قالت: إنها مجموعة متشددة تطلق على
نفسها اسم "تنظيم جند الشام للجهاد
والتوحيد" في دمشق، وقتل بعض
أعضائها ومنهم رئيسها.
وجاء
هذا التحرك رغم إعلان سوريا قطع
علاقاتها الاستخبارية والعسكرية مع
واشنطن بعدما قدمت لها -باعتراف أمريكا-
خدمات كبيرة أمنية حول تنظيم القاعدة؛
وهو ما يمكن أن يعد إشارة على اعتزام
سوريا المضي قدما في التعاون الأمني مع
أمريكا، خاصة بعد تحذيرات وزير الدفاع
الأمريكي "رامسفيلد" لها مؤخرا.
مؤتمر
البعث قد يكون بالتالي خطوة على طريق
التغيير داخل الحزب الحاكم في سوريا
منذ أكثر من أربعين عاما، ولكن المشكلة
أن الحزب بدأ يناقش التغيير، وكيف يقوم
به، وأين ومتى يحدث، في الوقت الذي
تضيق حول رقبته الضغوط وخطط التحرك
الأمريكية والغربية التي بدأت بالقرار
1559، ثم الانسحاب من لبنان، واستمرت
باتهامه بدعم الإرهاب وتطوير أسلحته.
والحل
الذي يطرحه مثقفون سوريون في هذا الصدد
لمنع التدخل الخارجي في الشئون
السورية -والعربية عموما- هو الاستقواء
بالداخل والعمل على تحقيق إصلاحات
حقيقية تضمن التفاف كافة القوى
السياسية خلف النظام في معاركه ضد
الخارج، ومن ثم تفويت الفرصة على
التدخل الخارجي الذي يستغل غالبا -كما
في حالة العراق- المعارضة الخارجية
والداخلية كمعبر وحجة له للتدخل في
الشئون الداخلية وقلب أنظمة الحكم
التي لا تدين بالأجندة الأمريكية في
المنطقة.
اقرأ
أيضا:
**المحلل
السياسي بموقع "إسلام أون لاين.نت".
|