|

|
|
كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية أثناء لقائها برئيس الوزراء الصينى ون جى باو في بكين في مارس 2005
|
ما
زالت الولايات المتحدة تلعب الدور
الأكبر عالميا، سواء من خلال استعراض
عضلاتها العسكرية أو الاقتصادية.
وتلعب دورا محوريا أيضا في منطقة جنوب
آسيا، والذي ازداد تأثيرا بعد تطور
العلاقات الأمريكية الهندية في العقد
الماضي، ذلك العقد الذي تُوج بإعلان
الشراكة الإستراتيجية بين أكبر بلدين
ديمقراطيين في نوفمبر 2001، وما أعقبه من
إعلان الرئيس الأمريكي "بوش"
ورئيس الوزراء الهندي "فاجبايي"
بالاتفاق سويا على توسيع الحوار
بينهما فيما يتعلق بالدفاع الصاروخي،
وتوسيع التعاون المشترك في ثلاثة
مجالات: الأنشطة النووية المدنية،
برامج الفضاء المدني، التجارة
التكنولوجية المدنية.
ومما
يلاحظ هنا، أنه بالرغم من وجود تلك
الشراكة الإستراتيجية الأمريكية
الهندية، إلا أنها تخفي في طياتها
العديد من التناقضات والخلافات الخفية
والتوجسات المتبادلة؛ حيث عمدت
الولايات المتحدة إلى استبعاد كل ما
يخص الأنشطة والبرامج والتجارة غير
المدنية، وهو ما لم تكن ترغبه حكومة
"فاجبايي".
ويذهب
الكثير من المحللين إلى أن كلا من
الهند والصين سيشكلان على المدى
البعيد خطرا جسيما على الولايات
المتحدة. فكما تشهد الصين حاليا "بزوغا"
مثيرا لغيرة وحسد الجميع، فإن الهند
تُظهر بالمثل طموحاتها الإقليمية
للهيمنة على منطقة جنوب آسيا، فعبر
الخمس سنوات الماضية، طورت الهند
علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية
والعسكرية معا، واشتركت مع عدد كبير من
الدول الآسيوية في مجال التدريبات
البحرية والبرية؛ ومن هذه الدول: عمان
وماينمار وبنجلاديش وسنغافورا
وتايلاند وماليزيا وفيتنام والفلبين
وجنوب كوريا واليابان. هذا بالإضافة
إلى تواجدها العسكري -لأول مرة- في شكل
قواعد جوية في خارج حدودها في منطقة
"أياني" على بعد 10 كيلومترات من
مدينة "دوشناب" عاصمة طاجكستان،
مما أوجد الفرصة للمستثمرين الهنود كي
ينهلوا من "بحيرة" النفط "القزوينية"
المتواجدة في وسط آسيا. كما أنها تعرض
"خدماتها" العسكرية على كل من
أفغانستان وإيران وتركيا والسعودية
ودول الخليج، وعلى سوريا مؤخرا. ويفترض
بعض المحللين تفوق الهند في يوم ما
–2010– على التكنولوجيا الأمريكية،
وأنه بحلول عام 2050 سوف تحتل الهند ثالث
أكبر اقتصاد في العالم (27.8 تريليون
دولار) بعد الولايات المتحدة (35.2
تريليون دولار)، والصين (44.5 تريليون
دولار)؛ ولذا،
فإنه يجوز القول بأن البلدين (الصين
والهند) سوف يشكلان توازنا منطقيا مع
كل من روسيا والولايات المتحدة
والاتحاد الأوربي.
ومع
تغير الإستراتيجية الأمريكية في جنوب
آسيا، وازدياد التواجد الاقتصادي
والعسكري الأمريكي في جنوب ووسط آسيا،
باتت الصين أمام خيارات وفرص جديدة،
فهي لا تقبل
بتحكم قوة واحدة في العالم، كما فعلت -وما
زالت- الإدارة الأمريكية بعد أحداث
سبتمبر؛ ومن ثم فقد كان من مصلحة الصين
أن تدخل في تحالفات واتفاقيات تجارية
واقتصادية من أجل ضبط تلك القوة
الأمريكية المتعجرفة.
ولهذه
الأسباب، انتقلت أولوية اهتمام
السياسة الخارجية الصينية إلى منطقة
جنوب آسيا لتحتل المكانة الأولى التي
كانت تحتلها منطقة شرق آسيا حتى أحداث
11 سبتمبر 2001، وكانت زيارة رئيس الوزراء
الهندي "فاجبايي" التاريخية إلى
الصين في يونيو 2003 علامة فاصلة في
العلاقات الصينية الهندية تؤكد قدرة
الدولتين على الاستجابة لتغير
الديناميكيات الإقليمية والدولية
التي ألزمتهما على العمل سويا من أجل
التعاون إقليميا والتداخل اقتصاديا
والانخراط جديا في تحقيق المصالح
بعيدة المدى، وبناء ثقة متبادلة
تتزايد تدريجيا، مما سيسهم في تضاعف
تجارتهما البينية عام 2005، ومكنهما من
القيام للمرة الأولى بتدريب بحري
مشترك على شواطئ شنغهاي.
ولم
تقلق باكستان من التقارب الملحوظ بين
الصين والهند؛ لأن "برويز مشرف"
يعلم جيدا ما الذي تعنيه الصداقة
الإستراتيجية بين باكستان والصين،
والتي وصفها بقوله: "إنها صداقة أعلى
من الهيمالايا وأعمق من المحيطات".
إن ارتباطهما الإستراتيجي ببعضهما
البعض يصل إلى درجة تمنع أي طرف منهما
الإخلال بهذا الارتباط. فالصين تعلم
جيدا أن تنمية الاقتصاد الباكستاني
ضرورة لتنمية المنطقة بأكملها؛
وباكستان تؤيد دخول الصين في عضوية SAARC.
هذا بالإضافة إلى علاقات باكستان
الإستراتيجية والتاريخية بوسط وغربي
آسيا التي تشكل عاملا مهما في إنجاح
المثلث الصيني- الهندي- الباكستاني.
لكن
المثير حقا في الرؤية الأمنية
الأمريكية، هو ذلك التبني الجديد
لسياسة "المغازلة" الثنائية
للهند وباكستان معا من أجل تطبيق أوسع
وأشمل للأجندة الأمريكية العالمية،
فكما فعلت الإدارة الأمريكية مع
الدولة الهندية مسبقا؛ أي التدرج معها
من الحوار الإستراتيجي إلى الشراكة
الإستراتيجية، فإنها تعتزم حاليا فعل
نفس الشيء مع الدولة الباكستانية،
خاصة بعد أن عرض الرئيس الأمريكي
بالفعل ذلك "الحوار الإستراتيجي"
على "إسلام آباد" التي عبرت عن
أملها في التعاون مع "واشنطن" في
نفس المجالات التي تعاونت فيها
الأخيرة مع الهند.
وقد
بدأت سلسلة الحوارات الإستراتيجية بين
"واشنطن" و"إسلام آباد" منذ
يوينو 1998، وتركزت معظمها حول "السلام"
و"الأمن"؛ ثم تطور الأمر إلى
العرض الأمريكي على باكستان لكي تصير
حليفا أساسيا للولايات المتحدة لا
ينتمي إلى حلف الأطلسي، وهو وضع أرادت
به الإدارة الأمريكية أن تضع علاقتها
مع باكستان على طريق الشراكة
الإستراتيجية. وبالطبع كانت الحكومة
الباكستانية ملزمة بالنظر إلى صداقتها
العريقة مع الصين، وبعدم الاستهوان
بها؛ فما كان عليها إلا أن سارعت
بطمأنة الحكومة الصينية بأن وضعها
الجديد لن يؤثر بالسلب على علاقتها
الوطيدة مع الصين. أما الهند، فقد
استقبلت الأمر بكثير من الانزعاج
والإحباط، واصفة تطور العلاقات
الأمريكية الباكستانية بالطعنة
الحقيقية في الظهر الهندي، بعد تاريخ
طويل من الثقة المتبادلة.
وعلى
عكس الرئيس الأمريكي السابق "بيل
كلينتون"، يحرص الرئيس الأمريكي
الحالي كل الحرص على التعاون مع
باكستان، باعتبارها شريكا مهما جدا في
"الحرب على الإرهاب"؛ لذا تمر
العلاقة الأمريكية الباكستانية
الحالية بتطور جديد ينحو باتجاه شراكة
طويلة المدى، تتضح من تصريحات الثناء
والتعاطف التي يدلي بها الرئيس "بوش"
أينما وكلما توجه بالخطاب إلى حكومة
"برويز مشرف"، وهو موقف إنما ينم
عن إدراك إدارة "بوش" للواقع
السياسي وعدم رغبته في اللعب في المياه
الراكدة.
لكن
لم تتضح حتى الآن النوايا الحقيقية
للإدارة الأمريكية في إقامة علاقة
إستراتيجية مع الهند، وفي تأثير ذلك
على كل من باكستان والصين. بمعنى آخر،
هل ستؤيد الولايات المتحدة المثلث
الصيني- الهندي- الباكستاني؟ قد يعلق
بعض الخبراء على التوجه الإستراتيجي
الأمريكي صوب الهند وباكستان معا، على
كونه محاولة أمريكية لتطويق الصين،
ويستدلون على ذلك بالجهود الأمريكية
الأخيرة -عام 2004- في تحسين العلاقات بين
الهند وباكستان، وفي تأييدها لعلاقات
التطبيع بين العدوين اللدودين. فلأول
مرة في التاريخ، تتمتع "واشنطن"
بعلاقات وطيدة جدا مع "إسلام آباد"
و"دلهي"؛ وهي علاقات تتدرج من
التعاون العسكري إلى الشراكة العسكرية.
والسؤال
المطروح الآن هو: إلى أي مدى سيثبت ذلك
المثلث الأمريكي- الهندي- الباكستاني
الذي طفح على الساحة الآسيوية في شكل
غريب؟ وما التأثيرات التي سيجلبها
للمنطقة وللعالم كله؟
تابع
في هذا الملف:
مواقع
ذات صلة :
اقرأ
أيضًا:
*
دراسة نشرت تحت عنوان " China- South Asia in a changing world "، دورية SPOTLIGHT ON REGIONAL AFFAIRS العدد 222 أكتوبر 2004.
** باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.