|
العلاقات السعودية الأمريكية.. ملامح لسياسات جديدة
|
|
سارة دابي*
قراءة وترجمة: شيرين حامد فهمي**
|
01/08/2005
|
|

|
|
جون برادلي
|
كيف
تقرأ دوائر الأبحاث الأمريكية موقف
المملكة العربية السعودية الراهن إزاء
كل من التطورات الدولية لا سيما
علاقتها بالولايات المتحدة من جانب؟
وكيف ترى خطوات الإصلاح التي تتخذها
المملكة في الآونة الأخيرة من جانب
آخر؟.. هذان سؤالان محوريان طرحهما
المنتدى الخاص بوضع السياسة Special Policy
Forum الذي ينظمه مركز واشنطن لدراسات
الشرق الأدنى بشكل مستمر لعرض وجهات
نظر مختلفة حول موضوع ما.
وفي
هذا المنتدى الذي عقد في مطلع يوليو 2005
تم طرح عدة محاور لبحث السؤالين
السابقين، منها:
1)
النهج الديني الذي انتهجته العائلة
المالكة تجاه الشعب السعودي لمواجهة
عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر.
2)
السياسة الخارجية السعودية المتناقضة
التي طالما أدت إلى تعكير العلاقات
الأمريكية السعودية.
3)
الإصلاح الذي تتهرب منه المملكة عبر
رفعها لشعار "محاربة الإرهاب"
تارة، وعبر مشاريعها الضخمة التي تغدق
بها على مواطنيها تارة أخرى.
4)
المنافع النفطية قصيرة المدى التي
تحصدها واشنطن من الرياض، وعدم التفات
الأولى إلى ما وراء تلك المنافع من
أضرار، خاصةً ما يتعلق بـالحرب على
الإرهاب.
5)
البُصْلة التي سيتوجه نحوها النظام
السعودي في الفترة القادمة، والتساؤل
عن مدى قدرته على إعادة ترتيب أوراقه.
6)
السياسات الجديدة التي سيعاد تشكيلها
من قبل واشنطن والرياض لمواجهة
التحديات الجديدة.
وحول
هذا الموضوع ثمة وجهتا نظر: الأولى
يمثلها "جون برادلي" الذي كان
يعمل كمراسل أول للأخبار العربية
بالمملكة العربية السعودية في فترة ما
بين عامي 2002 و2003، وصاحب كتاب "السعودية
تحت المجهر: في الداخل توجد أزمة Saudi
Arabia Exposed: Inside a Kingdom in Crisis " المنشور
عام 2005. وأما الثانية فتمثلها "راشيل
برونسون" رئيسة قسم دراسات الشرق
الأوسط والخليج بمجلس العلاقات
الخارجية الأمريكية، وصاحبة كتاب "أبعد
من النفط.. الولايات المتحدة والسعودية
– تاريخ Thicker Than Oil: The U.S. and Saudi Arabia —A History"، الذي أصدرته "دار نشر
جامعة أوكسفورد"، والمنتظر نشره في
هذا العام.
وقد
استعرضت "سارة دابي" معدة هذا
التقرير الذي يحمل عنوان "المملكة
السعودية.. جزء من المشكلة أم جزء من
الحل؟" هاتين الرؤيتين كما يلي:
جون
برادلي
في
الوقت الذي تقوم فيه إدارة "جورج بوش"
بتركيز أجندتها الشرق أوسطية على
الترويج للديمقراطية والحرية في مختلف
ربوع المنطقة تقوم المملكة السعودية
باعتماد أجندة مناقضة تماما، ترتكز في
مجملها على محاربة الإرهاب. وقد جعلت
المملكة من تلك الأجندة ستارا لتنبذ من
ورائه المبادرات الإصلاحية المعدودة
التي كانت قد بدأت في الخروج إلى النور.
فعقب
أحداث الحادي عشر من سبتمبر اتجهت
العائلة المالكة نحو النهج الديني لحل
الأزمة المحلية الناتجة عن الأحداث.
فكان أول ما قامت به هو استمالتها لعصب
المملكة -أي العصب الوهابي- عبر إبراز
الحجج والبراهين الدينية التي تقول
بأن العائلة المالكة هي التي تقدم
الإسلام "الحقيقي" وليس المنظمات
الإرهابية. ومن خلال ذلك بدأت المملكة
في إحكام قبضتها على الشعب السعودي؛
وهو الأمر الذي تبلور وتشكل فيما بعد
عبر صور عدة، منها عزل وزير التعليم
السعودي "محمد الرشيد" صاحب النهج
الإصلاحي من منصبه، ومنها الاعتقالات
الجماعية للسعوديين المسيحيين،
والإعدامات المتزايدة في آنٍ واحد.
وعلى
الرغم من تلك الحقائق فإن الرياض ما
زالت باقية على نهجها في ترويج وإذاعة
ذلك الوهم الذي يقول بأن المملكة تسعى
للأخذ بالسياسات الإصلاحية. ويكفي أن
نسوق بعض الأمثلة ليتبين لنا حقيقة هذا
الوهم؛ فهاهي الانتخابات المحلية -في
فبراير 2005- تنكر على المرأة السعودية
حقها في التصويت؛ وهاهم الوهابيون
المتشددون يخرجون من تلك الانتخابات
ظافرين منتصرين بدون أن يحرك ذلك
ساكناً لدى العائلة المالكة. والحقيقة
أن تلك الانتخابات لم تخرج عن كونها
جزءًا من تقليد تاريخي طويل للسياسة
الخارجية السعودية، وهو تقليد التناقض.
فقد دأبت السياسة الخارجية السعودية
على التعامل مع عدوين متناقضين، وظلت
تلعب دائما على وترين معاكسين: امتصاص
غضب الوهابيين من ناحية كما فعلت في
انتخابات فبراير 2005، وامتصاص غضب
الولايات المتحدة من ناحية أخرى؛ وهو
الأمر الذي أدى كثيرا إلى تعكير
الأجواء الأمريكية السعودية، وإلى
انعدام قاعدة راسخة للعلاقات بين
الطرفين.. وهو ما تجلى في أحداث الحادي
عشر من سبتمبر وفي حرب العراق الأخيرة.
ورغم
أن الرياض حاولت مرارا وتكرارا مغازلة
واشنطن فيما يتعلق بحرب العراق
الأخيرة فإنها قد فشلت في منع أكثر من
2500 مواطن سعودي من السفر إلى العراق،
ومن تنظيم تلك العمليات الإرهابية
التي يبررونها بأنها تهدف إلى إجهاض
نشوء حكومة شيعية عراقية. ومن خلال هذا
التكتيك ضمنت العائلة المالكة انفجار
الطاقات الراديكالية السعودية في خارج
المملكة، وليس في داخلها.
ومع
النمو المنطقي للفائض الاقتصادي
السعودي بعد حرب العراق (60 بليون دولار)
صار في مقدور النظام السعودي استخدام
جميع السبل والطرق "التمويلية"
لكسب قلوب وعقول المواطنين السعوديين،
دون اللجوء إلى الأحكام والقوانين
الوهابية. ولكن النظام لم يستخدم ذلك
الفائض في تدشين تغيير ديمقراطي مخافة
أن يشكل ذلك تهديدا لبقائه، وإنما
استخدمه في تدشين المشاريع العامة
العملاقة التي تدعم من أهمية المملكة.
إن
الإصلاح الحقيقي لن يتأتى إلا من قبل
المواطنين السعوديين أنفسهم، لا من
قبل الملوك والأمراء السعوديين، وإن
الولايات المتحدة مُلزمة بوضع ثقتها
في أولئك المواطنين غير المؤيدين
للوهابية. ويكفي أن تحضرنا الفترة فيما
بين عشرينيات وثلاثينيات القرن
العشرين ليتبين لنا كم الاحتجاجات (26
احتجاجا) التي اندلعت ضد المذهب
الوهابي المفروض من قبل المملكة،
والتي أفضت إلى مقتل 400 ألف سعودي. ومن
ثم فإن التغيير لن يسير إلا من أسفل إلى
أعلى. وفي الوقت ذاته فإن الإصلاح لن
يكتب له النجاح إلا بعد تدخل العائلة
المالكة؛ وهو الأمر الذي لا يتحقق
للأسف على الصعيد الواقعي. وما يؤسف
حقًّا هو عدم تشجيع الاتجاهات الحالية
لأي تنمية ديمقراطية حقيقية، وحتى تلك
الشخصيات السعودية المرموقة المتمثلة
في عائلة "آل فيصل" وحلفائها من
العائلات الحجازية الليبرالية تم
تهميشها كليًّا من قبل النظام.
خلاصة
الأمر أنه بينما تعتمد الولايات
المتحدة على النفط السعودي يعتمد
النظام السعودي على الإدارة الأمريكية
لكي تمده بشرايين الشرعية والبقاء؛
وذلك نتيجة لفشل النظام في الحصول على
تلك الشرعية، سواء من قبل المجتمع
العربي، أو من قبل العالم الإسلامي، أو
من قبل مواطنيه أنفسهم. وربما تسعف
السياسة الأمريكية الحالية -تجاه
المملكة- في بقاء الإرهابيين في موضعهم
على المدى القصير، إلا أن بقاء واشنطن
على "ود وانسجام" مع الأمراء
السعوديين من شأنه أن يتحول إلى وبال
عنيف على رأس الإدارة الأمريكية؛
فوقوف واشنطن في صف نظام يقمع شعبه
بالظلم والبطالة والاختناق والفقر -في
بعض الأحيان- سيفتح باب المملكة على
مصراعيه لكي تصير مرتعا لتعبئة وتجنيد
"القاعدة" من جديد. بمعنى آخر: إذا
لم تنظر الإدارة الأمريكية إلى ما هو
وراء المنافع قصيرة المدى التي تحصدها
من وراء النظام السعودي فمن المتوقع أن
تواجه عواقب وخيمة بعيدة المدى.
راشيل
برونسون
 |
|
راشيل برونسون |
بما
أن أعضاء العائلة المالكة ينتمون
لمشارب متعددة وأيدلوجيات مختلفة، فمن
الواجب على واشنطن أن تؤيد أولئك
الأعضاء الذين تتفق أهدافهم مع أهداف
الولايات المتحدة؛ أي أولئك الذين
سيكونون على استعداد لإصلاح وتطوير
التفاسير الدينية الرسمية. من خلال ذلك
التحالف سيكون في مقدور الولايات
المتحدة حصد إنجازات وثمار حقيقية ليس
لها فقط، بل أيضاً للمملكة السعودية،
وللحملة العالمية على الإرهاب.
لقد
كان دور الدين -وما زال- أحد معالم
العلاقات الأمريكية السعودية، خاصة في
أثناء الحرب الباردة، حينما لعب
التدين السعودي دورا جوهريًّا في
إبقاء المملكة على الصف الأمريكي ضد
"الشيوعية الملحدة". وبغض النظر
عن تلك الخطب التي كان يطلقها العلماء
السعوديون فإن مواجهة الشيوعية
الملحدة كانت بمثابة حجر الأساس لدعم
ذلك التحالف، إلا أن تلك الخطب بقيت
على حالها دون تغيير حتى بعد تحول
السياسات الدولية، منذ سقوط الاتحاد
السوفيتي. وبالطبع أسفر مثل هذا السكون
المميت عن نتائج خطيرة؛ مما جعل إدارة
"بوش" توجه كل تركيزها على تلك
الخطب بعد الحادي عشر من سبتمبر.
إن
النظام السعودي يمر بمأزق خطير؛ فعليه
أن يقرر ماذا يريد بالضبط.. هل يريد أن
يمول الجهاديين الراديكاليين، معتبرا
أن ذلك يصب في مصلحته العليا؟ أم يرى
أنه قادر على استجلاب شرعية كافية
لحكمه من رؤيته ومنظومته الدينية؟
الكثير من الناقدين يقولون: إن النظام
السعودي عصي على التغيير السياسي، إلا
أن التاريخ يوضح لنا ويعلمنا أن النظام
قد أفلح مرارا وتكرارا في إعادة ترتيب
وتنظيم أجندته السياسية والدينية في
سبيل دعم موقفه، وأن الآثار الواقعة
حاليًّا -بعد الحادي عشر من سبتمبر- من
شأنها أن تسفر عن إعادة ترتيب أخرى. وقد
حدث ذلك بالفعل حينما أخذ النظام
السعودي على عاتقه المبادرة بالعديد
من الخطوات التي تمهد الطريق لحركة
إصلاحية فعالة، تسير من أعلى إلى أسفل.
وإحدى تلك الخطوات الناجحة تدشين "الحوار
الوطني" على يد ولي العهد الأمير "عبد
الله" الذي يجمع منذ عام 2003 العديد
من جماعات الأقليات بهدف مناقشة مختلف
القضايا المحلية مثل الإصلاحات
التعليمية، والتحديات الاجتماعية
الاقتصادية، والتيارات الراديكالية.
وعلى الرغم من النظرات المتشككة من قبل
المراقبين الغربيين فإن الكثير من
السعوديين نظروا إلى مثل هذه الخطوة
بعين التفاؤل والأمل. ومن ضمن الخطوات
الإصلاحية الأخرى فتح الجامعات الخاصة
التي لاقت ترحيبا واسعا من قبل الشعب
السعودي.
والأصعب
من كل ذلك هو الإجابة عن السؤال التالي:
هل تغير الإطار الديني الكلي للمملكة؟
بمعنى آخر: هل ما زالت الجماعات
الراديكالية تُغذى بنفس الطريقة التي
غُذيت بها قبل الحادي عشر من سبتمبر؟
إنه سؤال ما زال مطروحا، ومن ثم
الإجابة عليه ما زالت معلقة. فالإرث
التاريخي السعودي صوب الإصلاح لا ولن
يستطيع أن يقدم لنا تصورا مستقبليا
ممكنا.
إن
الرياض وواشنطن بحاجة إلى إعادة تشكيل
سياساتهما بحيث تتناسب مع التحديات
الراهنة والمستقبلية. ومن ضمن المسائل
الملحة التي يجب مناقشتها من قبل
الطرفين: الإشراف الدولي على المنظمات
الإسلامية غير الحكومية التي لم تخضع
لقوانين ما بعد الحادي عشر من سبتمبر،
وكذلك إدخال المملكة في عضوية منظمة
التجارة العالمية؛ مما سيؤدي إلى
مساعدتها على العولمة والإصلاح،
وأخيرا تمويل المدارس السعودية التي
تتبنى الأجندة الإصلاحية. والأهم من
ذلك كله أن تقوم الدولتان بمناقشة دور
الدين في القضايا الإستراتيجية لما
للدين من تأثير عظيم على الأمن العالمي.
اقرأ
أيضا:
*معدة
تقرير "منتدى السياسة الخاصة" Special
Policy Forum بمركز "واشنطن لدراسات الشرق
الأدنى"، في يوليو 2005.
**باحثة
دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم
السياسية بجامعة القاهرة.
|