|
|
|
العاهل السعودى الجديد عبد الله بن عبد العزيز
|
لا
شك أن الأمير عبد الله بن عبد العزيز (82 عاماً)
الذي أعلن رسميا عن مبايعته ملكا للسعودية
خلفا للملك الراحل فهد بن عبد العزيز يمتلك
مؤهلات شخصية وخبرات عملية تؤهله لقيادة دفة
الحكم في المملكة العربية السعودية، فقد نشأ
في كنف والده الملك عبد العزيز مؤسس الدولة
السعودية الثالثة، وقد استطاع الإفادة من
تجاربه في مجالات الحكم والسياسة والإدارة
والقيادة، فضلاً عن تأثره بالعلماء
والمفكرين والمشايخ الذين أفاد منهم وتبادل
معهم الآراء والمشورة.
وعلى
الصعيد العملي فقد اكتسب الأمير عبد الله
خبرات متنوعة في حياته، حيث تم اختياره في عام
1964 رئيساً للحرس الوطني الذي أثبت كفاءة
نادرة في تطوير تلك المؤسسة بحيث أصبحت مؤسسة
عسكرية، ثقافية، اجتماعية، نظراً لما تضمه من
مدارس عسكرية ومجمعات سكنية وطبية، وفي عام
1975 أصدر الملك خالد بن عبد العزيز أمراً
ملكياً سامياً بتعيين الأمير عبد الله نائباً
لرئيس مجلس الوزراء، إضافة إلى منصبه رئيساً
للحرس الوطني، ويمكن القول إن الأمير عبد
الله قد اكتسب خبرة ممتدة منذ عام 1995 وحتى
الآن، حيث يقوم بمهام الحاكم الفعلي للبلاد
نظراً لمرض الملك فهد.
ومع
التسليم بالمؤهلات الشخصية والخبرة العلمية
التي يمتلكها الأمير عبد الله فإن هناك
عقبتين رئيسيتين لا بد من التغلب عليهما حتى
يتسنى له حكم المملكة بعيداً عن أي قلاقل:
-
أولها: وضعه كأخ غير شقيق للملك يتطلب دعم
الأعضاء الأقوياء في الأسرة أو ما يطلق عليهم
"السديريين السبعة" وهم الإخوة الأشقاء
للملك فهد (سلطان، سلمان، عبد الرحمن، نايف،
تركي، أحمد)، وبخاصة أن منهم من يشغل مناصب
مهمة في الدولة، فالأمير سلطان هو وزير
الدفاع والنائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء،
أما الأمير نايف فهو وزير الداخلية.
-
ثانيها: ما يتردد بشأن إمكانية حدوث
انقسامات داخل الأسرة الحاكمة، حيث إن هناك
اختلافا في وجهات النظر حول بعض القضايا، ففي
الوقت الذي يدعو فيه الأمير عبد الله لعملية
إصلاح تدريجية وإن كانت لا تخلو من وتيرة
سريعة نسبيا، نجد أن الأمير نايف بن عبد
العزيز وزير الداخلية أشد حذراً من تسارع
وتيرة الإصلاحات التي يرى أنها قد تؤدي إلى
تفكك المملكة على غرار ما حدث بالنسبة
للاتحاد السوفيتي السابق.
تحديات
الداخل والخارج
|
|
الملك فهد بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين رحمه الله |
مما
لا شك فيه أن الأمير عبد الله بعد ارتقائه
لعرش المملكة سيواجه العديد من التحديات
داخلياً وخارجياً التي تتطلب حنكة سياسية في
مواجهتها، وذلك بالنظر إلى دور المملكة
إقليمياً وعالمياً.
فعلى
الصعيد الداخلي:
ثمة
تحديات عديدة على الصعيد الداخلي تحتاج إلى
رؤية شاملة لمواجهتها ومن ذلك ثلاثة تحديات:
1-
الأوضاع الاقتصادية وتحدي البطالة:
على
الرغم من أن المملكة العربية السعودية تمتلك
احتياطياً من النفط يجعلها في مركز الريادة
إلى جانب الدول المصدرة له في العالم إذ يبلغ
أكثر من 60% من الاحتياطي العالمي، فإنها تعاني
من مشكلات اقتصادية عديدة لعل أهمها على
الإطلاق مشكلة البطالة، فوفقاً لاستطلاع رأي
أجري في المملكة في عام 2003 أكد 79% من أفراد
العينة التي شملت مناطق المملكة الثلاثة عشر
على أن البطالة هي التحدي الأهم، في حين لم
تتجاوز القضايا الأخرى (الفساد، التعليم،
الإصلاح السياسي، التطرف الديني) حد العشرة
بالمائة، ولعل هذه النسبة لها ما يبررها إذا
علمنا أن معدلات البطالة في المملكة العربية
السعودية وصلت 11.93% بين السعوديين الذكور عام
2002، وحوالي 30% بين الشباب. وسوف تتفاقم
المشكلة مستقبلاً في ظل ما تشير إليه
الإحصاءات من أن القوى العاملة في السعودية
سوف تتزايد من 3,3 ملايين شخص عام 2000 إلى 8,3
ملايين عامل عام 2020، في الوقت الذي تراجع فيه
دخل الفرد السعودي إلى 8424 دولاراً عام 2002
بعدما بلغ 18000 دولار عام 1981 على الرغم من
العوائد النفطية المرتفعة، والجدير بالذكر
أن تقرير صندوق النقد الدولي الذي صدر خلال
هذا العام بعنوان "الآفاق المستقبلية
للاقتصاد السعودي" قد حذر من مشكلة تزايد
البطالة في البلاد، مطالباً بضرورة تسريع
القطاعات الاقتصادية غير النفطية، وتعزيز
الإصلاحات الهيكلية لدعم تنافسية القطاع
الخاص والتسريع بعملية تنويع القاعدة
الاقتصادية، والعمل على تقليل مخاطر تقلبات
أسعار النفط.
ولاشك
أن الحكومة السعودية تدرك مدى خطورة هذه
الظاهرة حيث اتخذت قراراً في مطلع عام 2005
بإجراء حصر شامل لظاهرة البطالة داخل المملكة
حتى يتسنى لها وضع الخطط اللازمة لمعالجتها،
ولا شك أن تلك الظاهرة تتطلب حلولاً سريعة
بالنظر إلى المشكلات الأمنية التي تواجهها
المملكة، وعادة ما يكون المتهمون فيها من
الشباب صغير السن بلا عمل، وعلى الصعيد ذاته
هناك مبادرة ولي العهد التي أطلقها في نوفمبر
2003 لمكافحة الفقر؛ حيث قام بزيارة الأحياء
الشعبية في الرياض، وأسس على أثرها صندوق
مكافحة الفقر الذي يستهدف تحسين أوضاعهم
المعيشية، فضلاً عن تحدي تنويع مصادر الدخل،
وتقلب أسعار النفط في الأسواق العالمية، وأثر
ذلك على الموازنات السعودية وخططتها
التنموية.
2-
تحدي الإصلاح:
لا
شك أن تحدي الإصلاح يعد من أهم التحديات التي
سيواجهها الأمير عبد الله بن عبد العزيز، حيث
يعد من أبرز المؤيدين لحركة الإصلاح؛ فقد
استقبل وفود الإصلاحيين وعرائضهم، مؤكدًا
أنه يؤيد كل ما ورد فيها، وبالتالي فإن أي
تراجع عن هذا الوعد سيعد انتكاسة خطيرة،
والجدير بالذكر أن المملكة قد بدأت مسيرة
ممتدة من الإصلاحات السياسية منذ التسعينيات
وحتى الآن، فصدر النظام الأساسي للحكم ونظام
مجلس الشورى ونظام المناطق، بيد أن هذه
الإصلاحات تسارعت وتيرتها بعد أحداث الحادي
عشر من سبتمبر، وتمثلت في مظاهر عديدة منها
فكرة الحوارات الوطنية التي اتخذت بعداً
مؤسسياً بإنشاء مركز الملك فهد للحوار
الوطني، فضلاً عن بروز الاهتمام بقضية حقوق
الإنسان من خلال إنشاء اللجنة الوطنية لحقوق
الإنسان، بالإضافة إلى إنشاء هيئة للصحافيين
للمرة الأولى في تاريخ المملكة، فضلاً عن
الانتخابات البلدية بمراحلها المختلفة،
وتعديل المادتين 17 و23 من نظام مجلس الشورى
السعودي بما يتيح له سلطات تشريعية حقيقية،
بالإضافة إلى ما أثير بشأن مناقشة أحقية
المرأة في قيادة السيارة بالمملكة.. وتعكس
الإجراءات السابقة حقيقة مفادها أن المملكة
التي ظلت لفترة طويلة من الزمن نظاماً مغلقاً
على ذاته قد بدأت تتفاعل مع المتغيرات
الداخلية والخارجية من خلال مسيرة إصلاحية
شاملة لكافة مناحي الحياة، وهو ما اعتبرته
85% من العينة المشار إليها في الاستفتاء فائدة
للبلاد، كما رأى 90% من أفراد العينة ضرورة منح
النساء المزيد من الحقوق، و63% صوت لصالح
السماح للنساء بقيادة السيارة.
وهنا
تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن النساء
يشكلن 58% من خريجي الجامعات السعودية فإنهن لا
يسهمن سوى بـ5% من القوى العاملة، ولم يكن نظام
التعليم السعودي ببعيد عن جهود المملكة
الإصلاحية، ففي سبتمبر 2002 قال وزير الخارجية
السعودي الأمير سعود الفيصل "إن نسبة 10% مما
وجدناه في كتب التعليم المدرسية قابل للشك،
وأن 5% منه كان في الحقيقة غير مقبول لدينا؛
لذلك اتخذنا قرارًا لتغيير ذلك وقد غيرناه"،
وفي يناير 2003 أكد وزير التعليم السعودي محمد
الرشيد خلال مناقشة مع مجلس الشورى السعودي
بأن الكتب المدرسية الوطنية تحوي "عدة
نواقص"، وأن الوزارة تقوم بعدة جهود
لمعالجة وإلغاء هذه "النواقص"، وفي
الثالث والعشرين من ديسمبر 2003 أقرت دول مجلس
التعاون الخليجي الست ومن بينها المملكة
العربية السعودية وجود بعض الأجزاء التي
تتعلق بازدراء الأديان الأخرى والتعصب
والتشدد في المناهج الدراسية.
وامتد
الإصلاح في المملكة ليشمل عددًا من مناحي
الحياة السياسية، حيث وضعت المملكة
إستراتيجية متكاملة لمكافحة الفساد تتضمن
قيام الأجهزة الحكومية بالمراجعة الدورية
للأنظمة المتعلقة بالمكافحة وتطوير البنية
الإدارية والأنظمة الرقابية، ومع التسليم
بما حققته المملكة من إنجازات في مجال
الإصلاح فإن ثمة معوقات يواجهها الحكم
السعودي خلال مسيرته الإصلاحية، أولها: تدهور
الوضع الأمني، فعلى الرغم من أن الحكومة
السعودية قد انتهجت خيار القبضة الحديدية في
مواجهة المتطرفين؛ مما أدى إلى مقتل الكثير
من هؤلاء المتشددين ومنهم قائد تنظيم القاعدة
في منطقة الخليج، بالإضافة إلى مصادرة أسلحة
وذخائر عديدة، إلا أن الاقتصار على الحل
الأمني وحده أمر غير كاف لمواجهة تلك
التيارات، حيث يمكن أن تنشط الحركات السرية
وتتعمق ثقافة التطرف، ومن ثم فإن المواجهة
الفكرية أمر مهم، وهي المعضلة التي تواجهها
المملكة أيضًا حيث تتعدد الفتاوى وتتناقض.
وما
بين الإصلاح ومتطلبات توفير الأمن
والاستقرار تُثار معضلة "التوفيق بين
الأمن والديمقراطية"؛ إذ كيف يمكن تحقيق
إصلاحات سياسية ملموسة في ظل التحديات
الأمنية، وهذا يتطلب من الأمير عبد الله
المزاوجة بين الإجراءات الأمنية من جانب
والإصلاح السياسي والاجتماعي والمؤسساتي من
جانب آخر.
وثانيهما:
شمولية الإصلاحات.. بمعنى أن تمتد لتشمل أوضاع
الاقتصاد .. فضلاً عن وضع الضمانات لحرية
الرأي والتعبير.. فلابد من معالجة التناقض بين
القول والنقل.. ففي الوقت الذي تتسارع وتيرة
الإصلاحات نلاحظ معاقبة بعض الكتاب الذين
يقومون بالإدلاء بتصريحات لقناة الجزيرة دون
تصريح مسبق، فضلاً عن ضرورة أن يشمل الحوار
الوطني كافة شرائح المجتمع دون استثناء أو
إقصاء لما لذلك من مخاطر قد تحيط بعملية
الإصلاح ذاتها، وليس أدل على ذلك من
المظاهرات التي شهدتها المملكة للمرة الأولى
في تاريخها في أكتوبر 2003 حيث خرج مئات
المتظاهرين في مدينة الرياض مطالبين "بالإصلاح
السياسي"؛ ومن ثم فإن الإصلاحات في المملكة
لابد أن تأخذ في اعتبارها التعددية الثقافية
وزيادة التسامح الديني والمزيد من إشراك
الشيعة والصوفية في فعاليات الحوار الوطني
والسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية.
وأخيرًا
لابد للحكومة السعودية أن تستهدف زيادة
مشاركة المواطنين في الشأن العام، وتفعيل
المؤسسات السياسية ومنها مجلس الشورى، فضلاً
عن السماح بتشكيل مؤسسات واتحادات أهلية مما
يعني تفعيل مفهوم المجتمع المدني الذي يعد
الآلية المهمة لقيادة عملية الإصلاحات
وبلورة المصالح الوطنية الحقيقية بعيدًا عن
المطالبات الفئوية والجهوية، التي لا تجمعها
قواسم مشتركة أحيانًا.
3-
العلاقة بين الدين والدولة:
بداية
ينبغي التأكيد على أن المؤسسة الدينية في
المملكة العربية السعودية لها وضع متميز
انطلاقًا من إسهامها في توفير الشرعية لآل
سعود في حكم نجد والحروب المذهبية التي
خاضوها.. وتنقسم تلك المؤسسة إلى قسمين أحدهما
رسمي وهم الذين تعينهم الحكومة في مناصب
السلطة ومنهم المفتي واللجنة العليا لعلماء
الدين والمجلس الأعلى للقضاء، وهؤلاء يسبغون
الشرعية على النظام، أما القسم الآخر فهو غير
رسمي وهم رجال الدين الذين يتمتعون بقبول
هائل لدى الجماهير ويلعبون دوراً في النظام
السعودي يفوق دور المؤسسة الدينية الرسمية..
وانطلاقاً
مما سبق سيتعين على الأمير عبد الله معالجة
قضية تدخل المؤسسة الدينية في الحكم، ومن ذلك
نفوذ وسلطة جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر في مجالات عديدة في المجتمع السعودي،
ومن ذلك نفوذهم في مجال التعليم؛ إذ يتم
التركيز على المواد الدينية بشكل كبير، وتنظر
تلك المؤسسة للتعليم باعتباره ذا رسالة محددة
ذات وجه واحد وهي "الدعوة المحضة"، فضلاً
عن سيطرة تلك المؤسسة على الإعلام السعودي،
ولاشك أن هذا يعوق جهود الإصلاح، ومما يؤكد ذلك إصدار 130 عالما سعوديا بياناً في 11/6/2003
أعلنوا فيه بوضوح معارضتهم لدعاوى الانفتاح
التي بدأ يشهدها المجتمع السعودي، واعتبر
البيان أن دعاة حقوق المرأة من "دعاة
التغريب" و"جاهلين ومن أتباع المذهب
الأمريكي"، ومن هنا سيكون على الأمير عبد
الله التوفيق بين الإصلاح الذي أصبح خياراً
حتمياً وبين الحفاظ على وضعية المؤسسة
الدينية كأحد أهم دعائم الحكم السعودي.
وهنا
ينبغي التأكيد على أن الأيدلوجية في حد ذاتها
ليست مشكلة بالنسبة لنظم الحكم التي قامت
عليها ومن ذلك إيران التي استطاعت تكييف "ولاية
الفقيه" مع الواقع والمستجدات.. بيد أن
الأمر أكثر تعقيداً في المملكة، فالدولة لها
مفاهيمها وآلياتها التي قد لا تلتقي مع
الأيدلوجيا الدينية، فالأخيرة لا تعترف
بالمساواة في الحقوق والواجبات والحريات
العامة والمشاركة الشعبية، وبالتالي هذا
يمثل معوقاً كبيراً أمام صانع القرار السعودي
في مسيرته الإصلاحية.
-
أما على صعيد السياسة الخارجية:
لا شك أن صانع القرار السعودي يقع على عاتقه
التفاعل مع ثلاث دوائر مهمة للسياسة الخارجية
السعودية، وهي على النحو التالي:
أولاً:
الدائرة الخليجية:
على
الرغم من الدور المهم الذي تقوم به المملكة
داخل منظمة مجلس التعاون الخليجي باعتبارها
الدولة "القاطرة" لتلك المنظمة
الإقليمية انطلاقًا من ثقلها السكاني
والجغرافي، فإن هناك خلافات بين المملكة وبعض
الدول الخليجية، ومن ذلك الخلاف السعودي
البحريني بسبب قيام مملكة البحرين بعقد
اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة
في سبتمبر 2004؛ إذ اعتبر الأمير سعود الفيصل
وزير الخارجية السعودي أن "مثل هذه
الاتفاقيات لا تنسجم مع روح ميثاق مجلس
التعاون الخليجي، إذ إنها تقلل من القدرة
التفاوضية الجماعية، كما تضعف ليس فقط من
تضامن دول المجلس وإنما أيضًا موقف كل دولة
عضو على المديين المتوسط والبعيد"، وأضاف
الفيصل أن "تلك الاتفاقيات ستعرقل التقدم
المطلوب للوصول إلى تكامل اقتصادي خليجي
كالسوق المشتركة والاتحاد النقدي" معتبراً
"أن تلك الاتفاقيات تشكل مخالفة واضحة
لاتفاقيات وقرارات مجلس التعاون الخليجي"،
وواقع الأمر أن اتجاه البحرين لتوقيع تلك
الاتفاقية إنما يشكل مخالفة صريحة للاتفاقية
الاقتصادية الموحدة بين دول مجلس التعاون
الخليجي الموقعة في ديسمبر 2001، التي تنص في
مادتيها رقم 2 و31 على أن "تقوم الدول
الأعضاء برسم سياساتها وعلاقاتها الاقتصادية
بصفة جماعية تجاه الدول والتكتلات الإقليمية
والدولية" وأنه "لا يجوز أن تمنح دولة
عضو أي ميزة تفضيلية لدولة أخرى تفوق تلك
الممنوحة في هذه الاتفاقية، أو أن تبرم
اتفاقاً يتعارض مع أحكام هذه الاتفاقية".
ويلاحظ
أن هذا الخلاف قد انعكس على البيان الختامي
لقمة دول مجلس التعاون الخليجي التي عقدت
بالمنامة في ديسمبر 2004، حيث خلا البيان
الختامي من الحديث عن المشروعات الاقتصادية
المشتركة مثل الوحدة الجمركية والسوق
المشتركة والاتحاد النقدي، كذلك لم يشر
البيان إلى أي جهود لإزالة المعوقات أمام هذه
المشروعات، فضلاً عن تخفيض التمثيل السعودي
في قمة المنامة؛ حيث لم يشارك الأمير عبد الله
ولي العهد السعودي وإنما أنابه الأمير سلطان
بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس
الوزراء السعودي وزير الدفاع والطيران الجوي.
من
ناحية أخرى هناك احتجاج سعودي لدى قطر ودولة
الإمارات العربية المتحدة بسبب مشروع لبناء
جسر يربط بين الدولتين الأخيرتين على اعتبار
أنه يمر فوق المياه الإقليمية للمملكة
العربية السعودية، وترى الأخيرة أن الجسر
الذي يربطها بمملكة البحرين به قصور في
الإجراءات الأمنية حيث تعتزم عناصر إرهابية
الدخول للمملكة عن طريق الجسر للقيام بعمليات
إرهابية فيها.
ومن
ناحية ثالثة هناك خلاف بين المملكة العربية
السعودية ودولة الإمارات حول معاهدة حدودية
أبرمت عام 1974، وبالتالي سيتعين على الأمير
عبد الله تسوية الخلافات مع بقية الدول
الخليجية في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي
التي تعد بعداً إستراتيجياً مهماً للمملكة،
إذ إن الدول الست تتشابه في الكثير من السمات
ومنها اعتمادها على النفط كسلعة أساسية في
دخلها القومي، ومن ثم يتعين عليها توحيد
سياساتها الاقتصادية وإقامة الصيغ التكاملية
الملائمة فيما بينها.
ثانياً:
الدائرة العربية:
على
الرغم من عدم استقرار الأوضاع في منطقة
الخليج إبان عقد التسعينيات فإن المملكة
العربية السعودية كان لها دور واضح إزاء
قضايا العالم العربي، ومن ذلك إطلاق المملكة
مبادرة إصلاح الأوضاع العربية، فضلاً عن دور
المملكة في صدور مبادرة الإصلاح العربية عن
قمة تونس إبريل 2004، وفد توجت تلك المبادرات
بعدة جولات لولي العهد السعودي الأمير عبد
الله بن عبد العزيز للدول العربية المحورية
في المنطقة، ومن ذلك جولته العربية لكل من مصر
وسوريا والأردن، ومن هنا فإن البعد العربي في
السياسة الخارجية السعودية سوف يحمل في طياته
تحديات عديدة، أولها: استمرارية الدور
السعودي تجاه القضية الفلسطينية الذي بدأ مع
"مشروع الأمير فهد للسلام" مع إسرائيل
عام 1982 وصولاً إلى مبادرة الأمير عبد الله
التي أقرتها قمة بيروت (2002)، واعتبرت مبادرة
عربية آنذاك. وبالتالي سوف يتعين على المملكة
الاستمرار في هذا الدور الداعم لتلك القضية.
وثانيها:
إمكانية إحياء المملكة للمحور السعودي
المصري السوري، انطلاقًا من قدرة أطراف هذا
المحور على بلورة موقف عربي واحد تجاه
القضايا العربية وهو ما تؤكده السوابق
التاريخية، فقد استطاع هذا المحور توحيد الصف
العربي عندما عقدت قمة مصرية سعودية سورية في
عام 1996 بمدينة الإسكندرية أدت إلى قمة عربية
بعدها كان لها أثر كبير في توحيد الصف العربي.
كما استطاعت هذه الدول الثلاث رعاية الحلول
العربية لأزمة لبنان بمساهمة رئيسية من دولة
الكويت، وثالثها: دور السعودية تجاه تطوير
العمل العربي المشترك حيث قدمت المملكة في
قمة الجزائر (مارس 2005) اقتراحات لتطوير
الجامعة وتفعيل دورها.
ورابعها:
أهمية تسوية المملكة لخلافاتها الحادة مع بعض
الأطراف العربية، ومن ذلك الخلاف السعودي
الليبي الذي تتهم فيه المملكة العقيد القذافي
بالسعي لتدبير محاولة اغتيال الأمير عبد
الله، في الوقت ذاته اتهمت ليبيا المملكة
برعاية مؤتمر المعارضة الليبية الذي انعقد في
25 يونيو 2005، ولا شك أن تسوية هذا الخلاف
أمر جوهري تجنباً لحدوث حالة من "التلاسن"
بين الدولتين وهو ما شهدته إحدى القمم
العربية، الأمر الذي كان ينذر بنسف أعمالها.
ثالثاً:
الدائرة الدولية:
يتسم
ملف الدائرة الدولية بالنسبة للسياسة
الخارجية السعودية بتعقيد بالغ، ومن ذلك
علاقات المملكة بالولايات المتحدة
الأمريكية، ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من
سبتمبر واتهام الولايات المتحدة 15 سعودياً من
بين المتهمين في تلك الأحداث، وما تلاه من
حملات إعلامية على المملكة واتهامها بالسعي
لامتلاك أسلحة دمار شامل، فضلاً عن تقارير
المنظمات الحقوقية بشأن حقوق الإنسان في
المملكة. ومن ذلك التقرير الدولي السنوي
لوزارة الخارجية الصادر في سبتمبر 2004 الذي
وصف المملكة بأنها "دولة تمثل مبعث قلق"،
بالإضافة إلى وجود بعض التوجهات داخل
الكونجرس الأمريكي تنادي بإقرار قانون
معاقبة المملكة العربية السعودية.
وعلى
الرغم من ذلك يمكن القول إن العلاقات
السعودية – الأمريكية علاقات إستراتيجية،
حيث إن السعودية من مصدري النفط الرئيسيين
للولايات المتحدة، وقد قدرت قيمة
الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة
بما يقرب من 250 مليار دولار في أوائل عام 2003،
أما قيمة الصادرات الأمريكية غير العسكرية
للمملكة فقد بلغت 4,6 مليارات دولار في عام 2003.
وبالتالي فلا يتوقع أن تشهد العلاقات
الأمريكية – السعودية مزيداً من التدهور على
الرغم من وجود أصوات أمريكية تسعى لتوتيرها؛
ومما يؤكد ذلك الزيارة التي قام بها ولي العهد
الأمير عبد الله بن عبد العزيز للولايات
المتحدة في إبريل 2005، وأسفرت عن تشكيل لجنة
عليا بين البلدين لتعزيز التبادل التعليمي
والثقافي والعسكري والتجاري والاستثماري بين
الجانبين، فضلاً عن إعلان المملكة دوماً عن
استعدادها لزيادة إنتاجها النفطي في حالة
اضطراب الأسواق العالمية وتأثر الولايات
المتحدة بهذا الاضطراب.
وعلى
الرغم من تلك العلاقات الإستراتيجية بين
المملكة والولايات المتحدة فقد بدأت المملكة
في تنويع علاقاتها الخارجية، فجاءت جولة ولي
العهد إلى كل من روسيا وفرنسا، وقد تشكل "مجلس
الأعمال السعودي الفرنسي" في 15/11/2003 بهدف
تنمية العلاقات الاقتصادية بين السعودية
وفرنسا من ناحية أخرى، وبالتالي سوف يتعين
على الأمير عبد الله الاستمرار في تنويع
علاقات المملكة الدولية، كما سيتعين عليه
استكمال جهود المملكة للانضمام لمنظمة
التجارة العالمية قبل نهاية العام الحالي
(2005).
وفي
النهاية يمكن القول إن الأمير عبد الله بن عبد
العزيز قد لا يواجه مشكلات، سواء في الداخل أو
الخارج لكونه شخصاً برجماتيا، ولديه من
الخبرة الممتدة والحنكة السياسية ما يؤهله
لقيادة دفة الحكم في المملكة.
طالع
أيضا:
اقرأ
أيضًا:
**باحث
متخصص في شئون الخليج