احتوى
الدستور العراقي على عدد من الأحكام الخطيرة
التي يجب التنبيه إليها من الناحية الموضوعية.
فقد أشار الدستور في المادة (1) إلى أن جمهورية
العراق دولة مستقلة، وهذه إشارة غير مألوفة
في دساتير الدول، وخاصة العربية التي تبدأ
دساتيرها بالتنويه إلى طابعها العربي. ثم
تشير المادة الثانية إلى أن النظام السياسي
في العراق يتسم بأنه نظام جمهوري نيابي (برلماني)،
أي أن البرلمان هو مركز الثقل في النظام
السياسي وليس رئيس الجمهورية كما كان في
الدستور العراقي قبل الاحتلال، كما أنه نظام
ديمقراطي وفيدرالي، وهو الجديد في الموضوع.
ومن
الواضح في الدستور أن هذه الفيدرالية تؤدي
إلى تكريس السلطة والثروة في المناطق
والأقاليم على أساس طائفي، بحيث لا يبقى
للحكومة الاتحادية الكثير من الصلاحيات. وهذا
واضح بشكل خاص في معالجة الدستور للمنطقة
الكردية التي يراد لها أن تكون فيدرالية كبرى
بداخلها فيدراليات صغيرة. وهكذا يتجه الدستور
إلى تجزئة العراق بعد أن أغفل الصفة العربية
للدولة وكرس الفيدرالية.
وأضاف
أمرين في نفس الاتجاه وهما: أنه نص في الفقرة ج
من المادة (2) على أن العراق جزء من العالم
الإسلامي، وهذا نص فريد في الدساتير
الإسلامية حتى غير العربية؛ لأن فكرة العالم
الإسلامي فكرة معنوية، وليس مألوفاً أن يكون
الدين رابطاً للعلاقة بين الدول، إذ يكفي
لتحقيق هذه الغاية النص بوضوح على أن الدولة
"إسلامية"، ثم يؤكد الشطر الثاني من هذه
الفقرة أن العرب وحدهم هم جزء من الأمة
العربية. فكأن الدستور قد قسم العراق كدولة
بين عراق ينتمي إلى العالم الإسلامي وأقلية
عربية فيه، حيث لا يعترف الشيعة بأنهم عرب،
كما أن الأكراد ليسوا عرباً. وهذا نص بالغ
الخطورة؛ لأنه يؤكد أن العراق لم يعد دولة
عربية، ولن يكون لها مكان في الجامعة
العربية، وأن العراق وإن كان يقع في المنطقة
العربية، فإنه يعامل كدولة آسيوية غير عربية.
وينص
الدستور أيضاً في الفقرة (أ) من هذه المادة على
أن الإسلام مصدر أساسي للتشريع، وليس المصدر
الأساسي، ورتب على هذه الفرضية نتائج غير
منطقية، واستخدم مصطلحات غير منضبطة
علميًّا، حيث حظر إصدار القوانين المخالفة
"للمعايير الإسلامية"، والديمقراطية،
والحقوق الأساسية والحريات الواردة في
الدستور، وكلها مصطلحات غامضة. ثم يقرر
الدستور في الفقرة (ب) من نفس المادة أنه يضمن
الهوية الإسلامية للشعب العراقي، كما يضمن كل
الحقوق الدينية وحرية الجميع في حدود ديانته
في ممارسة طقوس هذه الديانة.
تمزيق
ثقافي واقتصادي
كذلك
حرص الدستور على تكريس التجزئة وإضعاف الطابع
العربي على النحو الذي يقرره فيما يتعلق
باللغات الرسمية ولغات التعليم، فترك لكل
طائفة لغوية أن تعتبر لغتها هي اللغة
الرسمية، كما أكد الدستور أن العربية
والكردية هي اللغات الرسمية على المستوى
العراقي، ومن حق العراقيين أن يستخدموا في
التدريس لأبنائهم لغتهم الأصلية مثل
التركمانية والآشورية في مؤسسات التعليم
الحكومية. كما نص الدستور على أن اللغة
المستخدمة شفاهة في المؤسسات الرسمية
كالبرلمان ومجلس الوزراء، وكذلك الوثائق
الرسمية يجب أن تكون إحدى هاتين اللغتين
العربية أو الكردية، وهذا إمعان في التمزيق
الثقافي واللغوي للعراق. غير أن الدستور
اعترف بالوثائق الرسمية المحررة باللغتين
وحدهما. كما أن المدارس يجب أن تستخدم اللغتين
معاً، مثلما يجب ذلك على المؤسسات الفيدرالية
في كردستان.
كذلك
أشار الدستور إلى أن العراق يتكون من بلديات
ومناطق صغرى ومناطق كبرى، وأن يكون لكل منطقة
دستور وحكومة ورئيس ونظام قضائي، وأن البترول
والغاز ملك لكل الشعب العراقي في المناطق
والبلديات، على أن تقوم الحكومة المركزية
بإدارة البترول والغاز المستخرج من الحقول
الحالية بالتعاون مع حكومات المناطق المنتجة
للبترول بشرط أن توزع الدخول بطريقة تتناسب
مع عدد السكان في كل منطقة.
العراق
لم يعد عربيا
ومن
الواضح أن الدستور العراقي الذي وضعت مشروعه
الولايات المتحدة يتعاطف تماماً مع الأكراد،
ويجور تماماً على العرب؛ لأنه حقق تجزئة
العراق قولاً وفعلاً، وسجل هذه التجزئة في
وثيقة رسمية. وبموجب هذا الدستور يبدأ الصراع
بين الطابع الإسلامي والطابع العربي للعراق.
فالعراق يضم شعباً مسلماً ولكن جزءاً فقط من
هذا الشعب هو الذي ينتمي للأمة العربية،
ومؤدى ذلك أن العراق لم يعد دولة عربية، ما
دامت الأقلية العربية فيه هي وحدها التي
تنتمي إلى الأمة العربية.
فهل
معنى ذلك أن ينسحب العراق من الجامعة
العربية، ما دام ميثاق الجامعة يشترط لعضوية
الجامعة أن تكون دولة عربية، على أساس أن
العروبة ثقافة ولغة وعرق أيضاً؟.
وبهذا،
فإن مقولة الصراع بين العروبة والإسلام ظلت
مقولة فكرية ونظرية، إلى أن تحولت في العراق
لأول مرة إلى حقيقة واقعة، وهي أن يتصارع
المسلمون غير العرب مع المسلمين العرب، وأن
ينقسم العراق ليس إلى سُنة وشيعة، وإلا لأصبح
السُنة يوازون في العدد أو يقتربون من الشيعة
إذا أضفنا إليهم الأكراد، وإنما أصبح التقسيم
في العراق على أساس طائفي وعلى أساس عرقي.
نصوص
شكلية
وقد
يظن البعض لدى قراءته لنصوص الدستور العراقي
أن به بعض المواد التي تسعى للحفاظ على وحدة
العراق، لكنها تبقى نصوصا شكلية فقط ولا تغير
شيئا من واقع التجزئة المفروض.
وعلى
سبيل المثال تنص المادة 107 على أن السلطات
الاتحادية تحافظ على وحدة العراق وسلامته..
وتنص المادة 59 على أن مجلس النواب يختص بتشريع
القوانين الاتحادية، وتشير المادة 63 إلى أن
مجلس الاتحاد الذي يضم ممثلين عن الأقاليم
والمحافظات غير المنتظمة في إقليم سيتقرر
تكوينها وشروط عضويتها من مجلس النواب، إلا
أن القراءة المتعمقة في النصوص الأخرى تشير
إلى أن السلطات الاتحادية ستكون محدودة
الاختصاصات إلى قدر كبير، ومن ذلك حصر
اختصاصات السلطات الاتحادية (المادة 108)، ثم
توضح المادة 111 الاختصاصات المشتركة بين
السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم في إدارة
الجمارك، وتنظيم مصادر الطاقة، ورسم السياسة
البيئية، وسياسات التنمية، والصحة،
والتعليم، والموارد المائية. وتكمل المادة 112
إضعاف هذه السلطات الاتحادية عندما تنص على
أن ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية
للسلطات الاتحادية تكون من صلاحية الأقاليم،
والأخطر من ذلك النص في نفس هذه المادة على أن
".. والصلاحيات الأخرى المشتركة بين
الحكومة الاتحادية والأقاليم تكون الأولوية
فيها لقانون الإقليم في حالة الخلاف بينهما".
ويتضح
نفس الشيء بدقة لدى تناول سلطات الرئيس ورئيس
الوزراء، والتي باستقراء النصوص الخاصة
بهما، يتضح أن العراق ستكون حكومته
الفيدرالية ضعيفة للغاية. والطريف أن الدستور
اشترط في رئيس الوزراء فقط أن يكون جامعياً،
وهى إشارة إلى عدم اكتراثه بشروط الرئيس.
أيضا،
القول بأن كون مجلس النواب يختص بتشريع
القوانين الاتحادية لا يغير من الأمر شيئا،
لأن مجلس النواب، رغم اختياره بالاقتراع
السري المباشر، فإنه سيعكس في النهاية تركيبة
يتمتع فيها الأكراد والشيعة بالأغلبية
ليمررا ما يريانه مناسبا لصالح الأقاليم التي
يشكل بها أي منهما أغلبية سكانية دون
الأقاليم الأخرى.
أما
نص المادة 9 (أ) بأن تتكون القوات المسلحة
العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب
العراقي، تراعي توازنها وتماثلها دون تمييز
أو إقصاء.. فيجب قراءته في الإطار الذي وضع
فيه، فالولايات المتحدة هي التي شكلت الجيش
العراقي الحالي الذي يتكون من بقايا الجيش
العراقي السابق والشيعة، ويبدو أن تكوين
القوات الأمنية لن يخرج عن ذلك. ونتوقع ألا
يكون هناك جيش عراقي مشكل من كل الطوائف، بل
سيتم تحديد عدد الجيش وربما تتحول قوات
البشمرجة إلى جيش كردي. يضاف إلى ذلك أمر جد
خطير وهو أن الدستور لم يتضمن النص على
التجنيد الإجباري، وهو ما يخالف باقي
الدساتير العربية.
الدستور..
تفصيل أمريكي
الدستور
العراقي هو دستور مفصل تم قياسه على رغبات
الولايات المتحدة، وليس عجيبا أن يتضمن هذا
الدستور، خلافا لما اعتادت عليه الدساتير
العربية، النص في باب الحقوق والحريات على
إعطاء المواطن العراقي كافة حقوقه وحرياته،
وهذا أمر إيجابي بالطبع، إلا أنه رسالة
أمريكية للآخرين تبين وجوه الاختلاف، فهذا
أول دستور ينص على أن لا يقل تمثيل المرأة في
مجلس النواب عن 25%، كما أن هذه النصوص هي قيم
أمريكية لتطبيق الحريات العامة، لكن التساؤل:
هل في ظل تكريس هذه الحالة من الانفصالية
والانقسام وسوء الوضع الأمني؛ سيتمكن
المواطن العراقي من العيش سعيدا مع هذه
الحالة الديمقراطية التي يوفرها له الدستور؟
وما
يدل على أن هذا الدستور مفصل هو نص المادة 9 (هـ)
على تنفيذ الحكومة العراقية الالتزامات
الدولية الخاصة بمنع انتشار وتطوير وإنتاج
واستخدام الأسلحة النووية والكيميائية
والبيولوجية ومنع ما يتصل بتطويرها وتصنيعها
وإنتاجها واستخدامها من معدات ومواد
وتكنولوجيا وأنظمة للاتصال. وهذا النص لم يرد
في دساتير أخرى، ولعله وضع ليكون مبررا يعترف
به العراقيون بأن احتلال العراق كان بسبب
امتلاكه لهذه الأسلحة.
وأخيرا..
نرى
أنه يجب وضع دستور للعراق بعد أن يتحرر من
الاحتلال الأمريكي، وأن إصرار الولايات
المتحدة على وضع دستور هو هدف ترمي من ورائه
تسجيل وتقنين الوضع الراهن في العراق، وأنها
أسرعت في ترتيب الانتخابات وفي وضع الدستور
قبل الانسحاب حتى تكرس وضعاً خلقته منذ عام 1991،
وتخشى أن تلتئم وحدة الشعب العراقي بعد
رحيلها، فتكون قد خسرت كل شيء رغم كل ما
تكبدته من خسائر بشرية ومادية وسياسية.
طالع
: