وعندما جلس
أعضاء لجنة صياغة الدستور لكتابته، كان
المسئولون الأمريكيون يحيطون بكل حركة من
تحركاتهم، وخارج المنطقة الخضراء دارت
المفاوضات في حماية آلاف الجنود الأمريكيين
وغيرهم من قوات التحالف، أما اللاعب
الرئيسي فكان السفير الأمريكي زلماي خليل
زاده، وهو عضو في مشروع "القرن الأمريكي
الجديد" الذي ظل منذ عام 1998 يدعو إلى غزو
العراق. وتروي مصادر عدة، أنه خلف الأبواب
المغلقة حيث دارت النقاشات الحامية كان وجود
خليل زاده طاغيا، مما اضطر أحد مسئولي
الخارجية الأمريكية لوصف أعمال خليل زاده بـ"الدبلوماسية
المكثفة"، وفي إحدى المراحل عرض فريق خليل
زاده من الدبلوماسيين الأمريكيين نسختهم من
الدستور العراقي. ظل هو يتنقل من اجتماع إلى
آخر ما بين كبار المسئولين العراقيين يدعمه
فريق السفارة الذي اتخذ من أحد المقرات
الرئيسية لأحد الأحزاب الكردية مكتبا حيث عمل
على طبع نسخ من مسودة الدستور وترجمة
التعديلات من الإنكليزية إلى العربية ليطلع
عليها المشرعون العراقيون.
أمام هذا التدخل
ضاق صدر العضو الكردي في لجنة كتابة الدستور
محمود عثمان، حيث قال: "يدّعي الأمريكيون
أنهم لا يتدخلون، لكنهم تدخلوا عميقا، لقد
أعطونا اقتراحات مفصلة، تقريبا نصا كاملا
للدستور، إن الأمريكيين يهمهم الدستور
العراقي أكثر من العراقيين، فهم وعدوا شعبهم
بإنجازه في الوقت المحدد، وهم والبريطانيون
لم يكونوا وسطاء حياديين، بل كانت تسيّرهم
أولويات دولهم". واحتج عثمان لأن
الأمريكيين كانوا يختلون بكل عضو على حدة بدل
أن يبحثوا الأمور مع كافة أعضاء اللجنة
مجتمعين، وقد أكد التدخلات الأمريكية
نيشروان برزاني رئيس حكومة إقليم كردستان
أقرب حلفاء أمريكا حيث قال: إن الأمريكيين
والبريطانيين يعملون وراء الستار ويضغطون
على الأطراف العراقية بما يجب تضمينه وبما
يجب تجاوزه.
لم يكن خليل
زاده ظاهرا فقط خلف الستار بل إنه قبل 15 آب (أغسطس)
الموعد الأول المحدد لإعلان الدستور جاء إلى
قاعة مجلس النواب العراقي حيث قدمه الرئيس
العراقي جلال طالباني بـ"أخي العزيز"،
أما وزير الخارجية هوشيار زيباري فقد ناشد
الولايات المتحدة لعب الدور الأكبر في وضع
مسودة الدستور، مما يعني أن التدخل الأمريكي
لم يكن غير مرحب به من قبل الجميع. وليدعم مهمة
سفيره، أقدم الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش
في 24 آب (أغسطس) الماضي على الاتصال شخصيا
بزعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عبد
العزيز الحكيم وتحدث معه حول الدستور.
المهم أنه عندما
وُضع الدستور بحلته النهائية على الطاولة في
28 آب (أغسطس) الماضي، كانت نسخته مختلفة تماما
عن النسخة الأولى التي أُعدت في شهر حزيران (يونيو)
الماضي؛ إذ سقطت منه كل البنود التي تؤمّن
العدالة الاجتماعية للشعب العراقي، وأطل من
بين سطوره ما جاء به "المندوب الأمريكي
الأول" بول بريمر وهو: تحقيق طموحات
المستثمرين الأجانب. يُلزم الدستور الجديد
الدولة العراقية بإصلاح الاقتصاد العراقي
حسب أسس الاقتصاد الحديث، بطريقة تضمن
الاستثمار الكامل لكل ثرواته وتنويع هذه
الثروات وتطوير القطاع الخاص والإصلاح
الاقتصادي يعني خصخصة القطاع العام، وحرية
التجارة والسوق، وفتح المجالات للمستثمرين
الأجانب، وتجبر مسودة الدستور العراقيين على
الالتزام بتحقيق خطوات هذه الإصلاحات، كما أن
أحد البنود ينص على "أن الدولة ستضمن تشجيع
الاستثمارات في مختلف القطاعات". وتقول
المادة 110 من الدستور "إن الحكومة
الفيدرالية وحكومات المناطق المنتجة الأخرى،
ستعمل معا على وضع سياسة إستراتيجية لتطوير
الثروة النفطية والغاز من أجل مصلحة الشعب
العراقي، وعليها بالتالي أن تعتمد على أحدث
التقنيات في السوق وتشجع الاستثمار"، ويُفهم
من هذه المادة أنها تشير إلى الخطط التي
يدعمها كبار المسئولين العراقيين حاليا،
ومنها خصخصة شركة النفط الوطنية العراقية
وفتح الاحتياطي العراقي أمام شركات النفط
العملاقة. قبل الانتخابات النيابية قال
عادل عبد المهدي من زعماء المجلس الأعلى
للثورة الإسلامية وأحد نواب الرئيس حاليا،
أمام تجمع في واشنطن: إن خصخصة قطاع النفط
العراقي أمر جذاب للمستثمرين الأمريكيين
وللشركات وعلى الأخص النفطية منها.
ويذكر أنه خلال المفاوضات على الدستور دفع
عبد العزيز الحكيم بقوة إلى إقامة شبه دولة
شيعية في الجنوب تتضمن حوالي تسع محافظات من
أصل 18، ويسمح الدستور لهذه الدويلات بأن تقرر
سياستها النفطية "ضمن حدودها الجديدة"،
وأن تحتفظ بنسبة كبيرة من عائدات الحقول
الموجودة، وأن تحتفظ لاحقا بعائدات كل ما
ستطوره من الحقول الجديدة، وقد يكون موقف
الولايات المتحدة من الفيدرالية عائدا لكون
الأطراف التي ستحصل على النفط العراقي،
الشيعة والأكراد، أكدت علنا أنها تؤيد وتدعم
الخصخصة.
وإذا كانت مسودة
الدستور التي وُضعت في حزيران (يونيو) ضمنت
توفير كل الخدمات الاجتماعية والصحية
والثقافية للفرد العراقي، فإن المسودة
الأخيرة اشترطت توفير الخدمات إذا كان في
استطاعة الحكومة تحمّل الأعباء، وكان صندوق
النقد الدولي أصر على إلغاء الدعم على السلع
والخدمات الأساسية التي توفرها الحكومة.
من ناحية أخرى
قد يكون الدستور العراقي الجديد، الوحيد بين
دساتير الدول الذي يضع محاربة الإرهاب من
أهدافه الأساسية وإذا نظرنا إلى ما يجري في
العراق حاليا، وكيف بسبب عمليات الإرهابيين،
يتم وصف المقاومة العراقية للاحتلال
بالإرهاب، فإن هذا البند يعطي شرعية دستورية
للعمليات العسكرية ضد أي قوة سياسية ترفض
قبول الاحتلال والعملية السياسية التي تسفر
عنه، وسوف تتأثر الولايات المتحدة بسبب هذا
البند؛ فهي لا بد أن تتهم أنه في ظل الحرب على
الإرهاب ستبرر بقاءها العسكري في العراق على
شكل قواعد لاحقا.
مع اقتراب موعد
الاستفتاء على الدستور، تجدر الإشارة إلى أن
أغلبية العراقيين من سنّة وشيعة يعارضون
الفيدرالية، وحسب استفتاء قامت به "مؤسسة
الجمهوريين الدولية" الأمريكية في شهر
تموز (يوليو) الماضي، تبين أن 69% من العراقيين
يؤيدون حكومة مركزية قوية، و22% فقط مع إعطاء
بعض السلطات للحكومات المحلية، أما في الجنوب
العراقي حيث الأكثرية الشيعية فقد أيد 25%
الفيدرالية ورفضها 66%. وقبل البدء في
المفاوضات حول الدستور، قام البرلمان
العراقي بحملة توعية وأرسل مجموعة من الأسئلة
إلى العراقيين، واتفقت أغلبية الأجوبة على
أنه للعراقيين فقط الحق بإدارة مشاريع
الأعمال، وإذا سُمح لشريك أجنبي فإنه لا يحق
له أكثر من 49%. هذه الاقتراحات أُسقطت من
مسودة الدستور الجديد، مما يعني أن "قائمة
تمنيات" السفير خليل زاده النفطية بالذات
تغلبت على حقوق الشعب العراقي، خصوصا مع
التوقعات التي تشير إلى استمرار تصاعد أسعار
النفط في السنتين المقبلتين بحيث يتجاوز سعر
البرميل الواحد المائة دولار.