ولم
تقتصر المفاجآت في حكومة الوحدة الوطنية على
الشماليين، لكنها ظهرت في مناصب الجنوبيين
الذين اختارهم "سلفا كير" بالتشاور مع
الرئيس "البشير". فمن المفارقات مثلا
تعيين (بونا ملوال) أحد أشد أعداء وخصوم زعيم
الحركة الراحل "جون جارانج"؛ لأنه من
المقربين جدا من "سلفا كير" ويترأس
المنبر الديمقراطي للجنوب، كما رفض "سلفا
كير" ترشيح "دينق ألور" الدبلوماسي
السابق والمقرب من "جارانج" لوزارة
الخارجية، وعين بدلا منه الدكتور "لام أكول"
أستاذ الهندسة السابق بجامعة الخرطوم كنوع من
توحيد قوى الجنوب على اعتبار أن أكول من قبيلة
أخرى (النوير) غير قبيلة (الدينكا) التي شغل
أبناؤها غالبية المناصب. وتدل هذه المفاجآت
على عمق الخلافات القديمة بين سلفا كير وجون
جارانج.
وقد
تردد أيضا أن الحركة الشعبية أصرت على
المطالبة بوزارة الطاقة بسبب رغبة عدد كبير
من الشركات الإفريقية والغربية على أن تحل
محل الشركات الصينية التي استخرجت البترول،
وهو ما رفضت الحكومة التنازل عنه لأهمية هذه
الوزارة، ولما بذله وزيرها الدكتور "عوض
الجاز" في استخراج البترول بعد أن تعثر ذلك
طوال الحقب الماضية في السودان، ويقال: إن
الحكومة قد خافت من أن يهمل أي وزير جنوبي
يتولى الوزارة الخطط المعدة لاستخراج
البترول الموجود بكميات هائلة في مناطق شمال
ووسط السودان، ويكتفي برعاية مناطق البترول
الذي يخرج أغلبه من حقول الجنوب.
ويعتقد
محللون سودانيون أن هذه الخلافات والتوجسات
التي ظهرت في أول خطوة بين الشماليين
والجنوبيين تنبع خطورتها من أن هناك قنابل
موقوتة أخرى يفترض الاتفاق عليها قد تنفجر لو
استمرت حالة التربص والترصد والحساسية من
جانب كل طرف للآخر حول ما تبقى من قسمة السلطة
بين الحكومة والحركة، مثل المفوضيات التي تم
الاتفاق عليها (مفوضتي حقوق الإنسان وترسيم
الحدود بين الشمال والجنوب). وفي هذا الصدد
يقول د. لام أكول وزير الخارجية: إن المفوضيات
تعتبر قنبلة موقوتة إذا لم تشكل بصورة سريعة؛
بل ووصف المحكمة الدستورية القائمة بأنها
ليست محايدة، ودعا إلى الإسراع بتكوين
المفوضية الدستورية.
وهناك
قنبلة دارفور الموقوتة التي لا يعترف
متمردوها باتفاقات سلام الجنوب والشمال،
ويرفضون "نسب" قسمة السلطة والثروة التي
وردت فيها، والتي تعتبرها الخرطوم نموذجًا
لما سيجري العمل عليه مستقبلا مع تمرد دارفور.
وهذه المشكلة تحديدًا هي ما يواجهه الوسطاء
للتوصل إلى اتفاق سلام في المفاوضات الدائرة
حاليا في العاصمة النيجيرية أبوجا حول أزمة
دارفور على اعتبار أن هناك اتفاقية سلام
رعتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي
وعدد من المنظمات الإفريقية جرى تحويلها
لنصوص دستورية سودانية يصعب الحديث فيها.
وما
سيزيد الضغط هنا على المتمردين أن المجتمع
الدولي وقوات حفظ السلام الإفريقية هي التي
باتت تتصدى لقضيتهم وليس حكومة الخرطوم، وحتى
حكومة الخرطوم لم تعد كما هي، بل تحولت لحكومة
وحدة وطنية تتكون من عدة قوى سياسية تتنافر
فيما بينها أكثر من التجاذب.
ومن
القنابل الموقوتة كذلك عدم حسم ملف العلاقة
بين الشماليين حكومة ومعارضة؛ فالتجمع
الوطني الديمقراطي الذي كان يضع نفسه موضع
الممثل لغالبية الشعب السوداني أصبح اليوم له
14% فقط من قسمة السلطة، وما يزال يرفضها، وهو
ما قد يرشحه للبقاء في المعارضة مثل حزبي
الأمة والمؤتمر الشعبي.
ثم
هناك ملف محاكمات أعضاء من الحكومة أمام
المحكمة الجنائية الدولية، والذي يبدو كسيف
مسلط على رقبة الحكومة لتقديم المزيد من
التنازلات في قضايا غرب وشرق السودان،
والرضوخ لمطالب واشنطن والقوى الغربية، في
الوقت الذي بات فيه الحرص على وحدة السودان
والخوف من انفصال الجنوب أمرا أوضحته بجلاء
التشكيلة الحكومية الجديدة.
خطورة
الحديث عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لا
يكمن بالتالي في الحكومة بحد ذاتها، بقدر ما
يكمن في أن أزمة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية
كشفت عن عمق أزمة الثقة بين الشمال والجنوب،
وبين الشماليين أنفسهم، وهو ما يثير تساؤلات
عن كيفية حسم باقي الملفات بين الطرفين
مستقبلا، ومَنِ الحكم والمرجع لفض الخلافات..
وهل يمكن أن تنهار هذه الحكومة في حالة تصاعد
الخلافات داخلها خصوصًا إذا اتخذ وزير جنوبي
أو شمالي قرارًا اعترض عليه الفريق الآخر؟.
المطلوب
بالتالي مزيد من التجانس وحسن النية، ومزيد
من الإصرار على تنفيذ السلام، مع تفهم أن هذه
الهواجس الحالية أمر طبيعي بعد نصف قرن من
الحروب بين الشمال والجنوب، ومن الطبيعي أن
تظهر ثم تختفي تدريجيًّا مع الممارسة
السياسية المشتركة لكل الأطراف للعملية
السياسية. وبدون هذا قد تعجل حكومة الوحدة
الوطنية بالانفصال بدلا من تعظيم خيار الوحدة.
طالعأيضًا: