|

|
|
كارين هيوز أمام الجامع الأزهر
|
كان
ملخص ما استمعت إليه هيوز في مصر هو عبارة "غيروا
سياستكم.. تتغير صورتكم"، رغم تعمد السفارة
الأمريكية انتقاء طلاب يدرسون في الجامعة
الأمريكية مقابل منحة كي يردوا الهدية بشكر
السياسة الأمريكية؛ بل واختيار مثقفين
ليبراليين وحكوميين (من الحزب الوطني قرابة
خمسة أعضاء حضروا) لقاءات هيوز المختلفة.
والأغرب
أن هؤلاء السياسيين والمثقفين -خصوصا من
الحزب الوطني الحاكم- كانوا هم أكثر
المنتقدين للسياسة الأمريكية، والمطالبة
بتغيير سياسات واشنطن المكروهة كحل لتحسين
الصورة، وتركز الحديث من جانب طلاب الثانوي
المصريين الذين حصلوا على منحة أمريكية
للدراسة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة -54
طالبا وطالبة- على نقد السياسة الأمريكية
تجاه فلسطين والعراق وإيران وأفغانستان،
فضلا عن السجل الأمريكي الأسود في تعذيب
معتقلي جونتانامو وأبو غريب؛ وهو ما اضطرها
للدفاع عن سياسية الرئيس بوش، وخلع قناع "تحسين"
الصورة، والانتقال إلى "الدفاع" عنها
بقوة.
وكان
السؤال عن انتهاكات الولايات المتحدة
الأمريكية لحقوق الإنسان في معتقلي "أبو
غريب" بالعراق و"جوانتانامو" بكوبا
أكثر ما أزعج هيوز، خاصة من جانب الحقوقيين
والسياسيين المصريين الذين حضروا لقاءها في
حديقة مشيخة الأزهر؛ وهو ما دفعها للدفاع عن
التعذيب نفسه بشكل غير مباشر بعدما ظلت تدافع
بأن من قاموا بهذا قلة مرفوضة من الشعب
الأمريكي، وتقول: إنه يتم رفع الأذان،
والسماح لهم بالصلاة، وقراءة القرآن في
جوانتانامو.
ومع
هذا سقطت هيوز في فخ تبرير الانتهاكات ضد
المعتقلين في السجون الأمريكية بالقول: "إن
المحتجزين في هذه المعتقلات يختلفون عن غيرهم
من المعتقلين؛ حيث إنهم مجموعة من الأفراد،
ولديهم رغبة قوية في القتل لمجرد القتل"!
وأن "أفغانستان لم توقع على اتفاقية جنيف
لحماية حقوق الأسرى"!.
وعندما
سألتها طالبة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
عن سبب إصرار الولايات المتحدة الشديد على
"التدخل" في شئون الدول الأخرى، أظهرت
هيوز أنها لا تفهم السؤال، وبررت سياسة بوش
العدوانية بأن ما حدث من هجوم إرهابي على
الولايات المتحدة في 11 سبتمبر أحدث صدمة
كبيرة للشعب الأمريكي والإدارة الأمريكية، و"جعل
الجميع يشعر بأن أمريكا مهددة بشكل جدي، ويجب
عليهم اتخاذ خطوات حيال هذا الشأن".
والحقيقة
أن النقد الذي تلقته هيوز في مصر كان واضحا،
بما في ذلك لقاءاتها مع رموز دينية مسلمة
ومسيحية"؛ إذ انتقد شيخ الأزهر ضمنا
السياسة الأمريكية عندما نفى ما ينسب للأزهر
ومناهج الأزهر في الإدارة الأمريكية بأنها
تحض على التطرف، كما رفض إعطاء هيوز فتوى
جديدة ضد المقاومة العراقية كما سبق أن فعل في
بعض تصريحات سابقة عقب قتل السفير المصري في
بغداد، واكتفى بدعوة العراقيين للتوحد
والتكاتف ونبذ الخلافات.
أيضا
انتقد البابا شنودة بابا أقباط مصر ضمنا
السياسة الأمريكية المزدوجة المعايير، عندما
قال: "أبلغنا المسئولة الأمريكية بأن تحسين
الصورة ينبغي أن يتم على أسس سليمة.. تتضمن
تحسين العلاقات مع الشعوب العربية، ودعم
تحقيق العدل والسلام في فلسطين والانسحاب من
العراق".
وكان
من اللافت أيضا أن صحفا رسمية مصرية -مثل "الجمهورية"-
شاركت في حملة الهجوم على السياسية الأمريكية
وعلى جولة هيوز؛ وهو ما عكس وجود تحفظات مصرية
رسمية على السياسة الأمريكية؛ حيث أكد محمد
علي إبراهيم رئيس تحرير الصحفية في مقالة
اليومي (26 سبتمبر) أن "الفشل سيكون مآل مهمة
تقوم بها مبعوثة أمريكية في الشرق الأوسط ما
لم يكن بمقدورها التعهد بإحداث تغييرات في
السياسة الأمريكية في المنطقة".
سعوديات:
"العباءة موضة لذيذة"
|

|
|
الملك عبد الله يستقبل هيوز
|
وربما
كان أكثر ما أثار المبعوثة الأمريكية غضبا
ودفعها للتعليق عليه بالدهشة في ختام الزيارة
هو رد الفعل الذي صدمها في السعودية من جانب
فتيات يلبسن الحجاب أو العباءة السوداء، عقبن
على حديث هيوز عندما قالت: "سيأتي يوم
وستلبسن مثلما نلبس (ملابس متحررة) وتقدن
السيارات".. بالقول: إن العباءة موضة لذيذة
وعملية، وأنهن سعيدات بلباسهن الشرعي،
وبشهادتهن الدراسية أكثر من سعادتهن بقيادة
السيارات؛ لأن لديهن سائقي سيارات.
والغريب
أن هذا حدث رغم أن لقاءات هيوز تم انتقاؤها
بدقة، وعقدت في جدة، وفي منازل بعض رجال
الأعمال الليبراليين، وحضر الكثير منها نساء
لا يلبسن العباءات ويتزين بالعطور والزينات،
ويتحدثن الإنجليزية كنوع من التحضر، حتى إن
الملحقة الثقافية الأمريكية (مسلمة) كانت
أكثر تمسكا منهن بالحجاب، كما قال سعودي حضر
أحد هذه اللقاءات، ونقل الصورة في أحد
منتديات الحوار.
وكان
أكثر لقاءت "هيوز" الساخنة اللقاء مع 500
من طالبات جامعة دار الحكمة الخاصة في جدة،
اللاتي انتقدن "الصورة النمطية" التي
يعممها الإعلام الأمريكي "غير النزيهة"،
وتظهر أن "المرأة العربية ليست سعيدة"،
رغم أنه تم اختيارهن كنخبة مدينة جدة الأكثر
تحررا نسبيا بين مدن السعودية.
وكانت
أكثر الشهيرات في هذا الصدد -وفق مصادر سعودية-
الطبيبة النسائية "صديقة كمال" التي
قالت: "أنا أؤمن بأنه يوجد تطرف في أوربا
وأمريكا أكثر مما يوجد في بلدي.. لا أريد أن
أقود سيارة.. لقد عملت جاهدة لنيل شهادتي
الطبية.. لماذا أحتاج لشهادة قيادة؟". وقالت
أخرى: "الغرب فشل في تقدير فوائد ارتداء
العباءة.. أنا أحب عباءتي، إنها مريحة، ويمكن
أن تكون موافقة للموضة جدا".
وقالت
إحدى الطالبات: "لماذا تعطي وسائل الإعلام
الأمريكية الانطباع بأن جميع المسلمين
إرهابيون؟"، وقالت أخرى: "نحن سعيدات على
عكس ما تنقله وسائل الإعلام الأمريكية من أن
المرأة العربية ليست سعيدة"؛ وهو ما دفع
صحيفة "نيويورك تايمز" لوصف اللقاء بأنه
كان "غير متوقع"، ودفع هيوز نفسها للقول:
إن الطالبات أثرن "دهشتها" -ربما تقصد
غضبها- وإنها تأثرت "بصراحتهن وذكائهن"
وبشعورهن بأنهن "جزء من المجتمع السعودي،
حتى ولو لم يحظين بحق التصويت وقيادة السيارة"!.
مطلوب
وساطة تركية
وجاءت
الصدمة الثالثة لمسئولة "تسويق صورة
أمريكا" في تركيا سواء في لقاءاتها الرسمية
أو الشعبية رغم تعويل واشنطن على تركيا
كنموذج للدولة المسلمة العلمانية التي ترغب
في تطبيق نموذجها في العالم العربي، كما قال
بوش سابقا بشكل صريح..
فقد
التقت كارين هيوز بوزير الخارجية التركية عبد
الله جول والمستشار علي تغيان وبعض مسئولي
الأديان، وأخيرا ممثلي المنظمات النسائية
التركية، وطالبت الجميع بمساندة أمريكا في
سعيها لتحسين صورتها في أعين الشعوب المنطقة،
ولكنها فوجئت بهم جميعا -خصوصا المستويات
السياسية الرسمية كالوزير "جول"-
يطالبون بتغيير سياسة أمريكا، ويطالبون
بشروط تركية خاصة لمساعدة أمريكا في تحسين
صورتها، تتلخص -كما قالت صحيفة "حريت" 29
سبتمبر 2005- في حل مشكلة الإرهاب في تركيا (التمرد
الكردي الذي تصاعد بعد غزو العراق)، إضافة لحل
مشكلة قبرص، حتى إن الوزير "جول" قال لها:
"حينما تحقق شروطنا ستتحسن صورتكم في نظرنا".
وجاءت
الصدمة الأخرى حينما انتقدت ممثلات المنظمات
النسائية سياسة أمريكا في بلاد المسلمين؛ حيث
طلبت إحدى الناشطات من منظمة "قا- در"
وتدعى "فاطمة نوين ورغن" من أمريكا "إنهاء
الحروب التي تسبب الفقر في المنطقة مثل حرب
العراق وغيرها"، وقالت: "الحرب تؤدي إلى
القضاء على حقوق المرأة بالكامل، وبعد الحرب
يأتي الفقر، والنساء يدفعن الثمن"؛ مما
أحرج كارين، فقالت: "إنني لا أبرر الحرب،
لكن في بعض الأوقات تكون الحرب ضرورية لتأمين
السلام"!.
ومع
هذا ردت ناشطة أخرى في مجال حقوق الإنسان (فراي
سازمان) بالقول: "لا يمكن خوض حرب من أجل
السلام.. لا يمكن للولايات المتحدة أن تتدخل
في مشكلة الديمقراطية وتحلها من خلال الحرب".
وبشكل
عام لقيت كارين هيوز معارضة وانتقادات حادة
من قبل قيادات نسوية وطالبات في أنقرة،
وانتقدت الناشطات التركيات الحرب على العراق
خلال اللقاء المفتوح في متحف أنقرة يوم 28-9-2005،
وكان أبرز نقد هو ما قالته "هدايت سفكاتلي
توكسال" الناشطة البارزة في مجال حقوق
الإنسان من أن "ما يحدث في العراق جعلها
تشعر بأنها مجروحة ومهانة"، ومن بين أكثر
من 6 نساء تحدثن تعرضت كارين لانتقادات من
الجميع باستثناء واحدة.
وقد
لخصت "هدايت توكسال" النتيجة بالقول
بأنهن غير راضيات عن الإجابات التي قدمتها
كارين، و"ليست هناك فرصة لتحسين الصورة؛
لأن الحرب لا تزال دائرة".
وحتى
عندما عقدت كارين اجتماعات مع زعماء دينيين
لتظهر للمسلمين أن الأمريكيين أيضا تحكمهم
معتقدات متشددة، شكت امرأة في أنقرة من
القساوسة الأمريكيين الذين يخبرون رعاياهم
بأن بوش شن الحرب على العراق "ليسهل عودة
المسيح إلى العالم".
وقد
ذكرت صحيفة "يني شفق" أن كارين هيوز زارت
الأماكن التاريخية في تركيا مثل قصر تبكبي
وقلعة أنقرة، وفي أثناء زيارتها قصر تبكبي
استمعت لتلاوة القرآن وشاهدت الفتيات
الأتراك بالحجاب، وأبدت إعجابها بهن، على
العكس تماما مما فعلت في السعودية، حين قالت
لفتيات: "سيأتي يوم وستلبسن مثلما نلبس (في
الغرب) وتقدن السيارات".
وهو
ما قالت الصحيفة بأنه يكشف عن "نية أمريكا
الحقيقية، وأن المشكلة ليست الحجاب ولا
الإسلام، وأن المشكلة أن أمريكا تحلم بثروات
الشرق الأوسط مثل النفط والغاز الطبيعي، وترى
أن تركية تلعب دورا هاما في الحصول على ما
تريد؛ولذلك قالت في تركيا: نحن نهتم ونحترم
تقاليدكم، على عكس ما فعلت بالسعودية".
جولة
هيوز فشلت بالتالي -كما قلنا في بداية التحليل-
في مسعاها لتحسين صورة أمريكا؛ لأن الدول
الثلاث أبلغتها رفضها للسياسات الأمريكية
سواء الحربية، أو فيما يتعلق بخطط فرض
الديمقراطية من الخارج، ولهذا قالت في طريق
عودتها إلى واشنطن للصحفيين في شانون
بأيرلندا: "توقعت أني سأسمع من الكثيرين
ممن يختلفون مع سياساتنا، وقد سمعنا ذلك
بالفعل". ولكنها أضافت أن ما لم تتوقعه هو
مدى ارتباط نظرة المسلمين لأمريكا بنظرة
الأمريكيين لهم.
بعبارة
أخرى: ألمحت إلى أنها فهمت "لماذا
يكرهوننا؟"، ولكنها لم تعرف لماذا يكره
المسلمون نظرة أمريكا لهم (كما تظهر في وسائل
الإعلام الغربية - كإرهابيين ومتطرفين)،
لتعبر بذلك عن عدم فهمها هي أيضا للعرب
والمسلمين؛ وهو ما يعد أكبر مؤشر على فشل
خططها في تحسين الصورة الأمريكية، ويلقي
ظلالا من الشكوك حول الهدف الحقيقي لها، وهل
هو "غسيل مخ" أم فتح جسور تواصل ترتكز على
القبول بالأمر الواقع، وتتجاهل تغيير
السياسات الأمريكية؟.
اقرأ
أيضا:
أمريكا
تتجمل أمام المسلمين.. كلاكيت ثالث
مرة